كفراوي


KaFRaWY ... EXPRESS YOUR SELF
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الابتسامة الشجاعة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: الابتسامة الشجاعة   الأربعاء 29 ديسمبر 2010 - 21:11

الابتسامة الشجاعة
بقلم سامية أحمد
استيقظت
من نومي ذات صباح روتيني عادي, وكعادتي لم أخرج من حجرتي حتى تأملت نفسي
في المرآة من فوقي لتحتي حتى أطمئن أن كل شيء مكتمل, بداية من شعري حتى
حذائي, فالرضا عن مظهري يمنحني ثقة بالنفس ويجعل مزاجي معتدلا وروحي
متفتحة للعمل بنشاط وحيوية
لم أكن من هواة البقاء أمام المرآة لفترات طويلة ولا مدمنة للتأمل في جمالي
وحسني رغم ثقتي التامة أنني أحمل نسبة كبيرة من الجمال والجاذبية تتمثل في
شعر أسود مموج طويل يصل الى منتصف ظهري, وأحب دائما أن أرفع جانبيه للخلف
وأشبكهما معا خلف رأسي بمشبك شعر أنيق وأترك بقيته يتأرجح على ظهرى وعينان
عسليتان وثغر رقيق وأنف طويل دقيق الإستدارة في نهايته وقوام طويل ممشوق
هكذا أرى نفسي بلا غرور

لم أكن مفتونة بجمالي, لأن إيماني أن زينة المرأة في عقلها, وأن أية امرأة جميلة إن أجادت استخدام عقلها

لذلك كنت أهتم أن تكون ملابسي عملية محتشمة بعيدة عن التبذل والفتنة, فالمرأة
الرخيصة هي فقط التي تحاول إبراز مفاتنها لتخفي ضعف عقلها
كنت أفضل دائما لبس البنطال, فهو يتيح لي مساحة أكبر في الحركة والسرعة ويشعرني بالراحة في المشي
كما أنه عادة اكتسبتها من طول ممارستي لركوب الخيل

حملت حقيبتي وحقيبة اللاب توب الذي لا يفارقني هو وكاميرا الفيديو الصغيرة,
وخرجت من حجرتي متجهة الى حجرة الطعام لأتناول إفطاري مع أمي كعادتي
اليومية التي أحرص عليها دائما منذ وفاة أبي من عدة سنوات قليلة, وفي
طريقي مررت بحجرة أيمن أخي الوحيد, ورغم قلقي أن أتأخر, لكني قررت أن ألقي
عليه التحية وأسأله عن أحواله, فانشغالي بالعمل في الفترة الماضية جعلني
لا التقيه إلا قليلا, طرقت الباب وأجبت بعد أن سمعت صوته يسأل من؟ : أنا
أميرة
دخلت بعد أن أذن لي لأجده كعادته جالس أمام شاشة الكمبيوتر, وقال دون أن يلتفت لي : مرحبا أميرة الأميرات
نظرت في الشاشة ثم تنهدت بيأس وارتميت على المقعد الوثير بجوار الحائط قائلة : يا لخسارتك في الألعاب والمحادثات
زفرت بضيق وأخذت ألوح بكفي أمام وجهي : دخان السجائر سيقضي عليك بأسرع من تناول السجائر نفسها
ألا تشعر بالملل والتعب من كل هذا!
هز رأسه يمينا ويسارا والسيجارة في فمه تقارب على نهايتها وقال بلا مبالاة : ما الذي ذكرك باليائس الفاشل الآن؟
قلت
وأنا أحاول أن أمسك لساني وأسيطر على ألفاظي : يا أيمن يا حبيبي إن ما
تفعله بنفسك لا يرضي أحدا, أمي يتفطر قلبها لأجلك وأنت لا تبالي
قال بزهق : وماذا تريديني أن أفعل بالضبط وأنا فاشل مهزوم؟ أليس هذا هو رأيك في؟
تنهدت وقلت بأسف : صدقني ما كنت أريد أن أقول هذا, لكنك استفززتني بصورة أعجزتني عن الصمت
انفعلت من جديد وأنا أقول : على أحد ما أن يصارحك بالحقيقة, لا يمكن أن تستسلم وتنسحب بهذه السهولة
قال بتأفف : هل ستعودين لذلك الموشح ثانيا!
قلت بغيظ : ثانيا وثالثا ورابعا
يا أخي الحبيب, أتظن أنني سعيدة وأنا أراك على هذه الحالة المزرية؟ عليك أن تفعل أى شيء في حياتك, أى شيء
عد الى الرياضة, اذهب الى صالة الألعاب الرياضية, انظر الى جسمك الذي بدأ يترهل
التفت الى وعلى وجهه ابتسامة يائسة وقال بسخرية مريرة : أليس لديك أى شيء تفكرين فيه سواى!
نصيحة حتى تعيشي مرتاحة البال, أخرجيني من رأسك فأنا قضية خاسرة
تنهدت بألم وقلت برجاء : يا أخي الحبيب لا...
قال بنفاذ صبر : انظرى في ساعتك ستتأخرين عن عملك
هيا, لا شك أن أمي تنتظرك لتنضمي اليها على مائدة الإفطار
قلت بإحباط : وأنت, ألن تنضم الينا!
انتفضت بحماس : ها ما رأيك أن تتناول الإفطار معنا اليوم؟
زفر
وأغلق شاشة الكمبيوتر ثم قفز فوق فراشه وهو يقول : كنت أتمنى, ولكننى كما
ترين قضيت الليل ساهرا أمام الكمبيوتر, والآن أحتاج بشدة للنوم
نظرت اليه باشفاق وقلت : وأمي, ماذا أقول لها؟
أعطاني ظهره ووضع الوسادة فوق أذنه وهو يقول : قولي لها نائم
خرجت من غرفته وأنا أشعر بالضيق والإشفاق لأجله ونزلت السلم الخشبي الداخلي لفلتنا ببطء وأنا أفكر في مشكلة ذلك المحبط المسكين
وصلت
الى حجرة المائدة فوجدت أمي قد سبقتني اليها, ألقيت عليها تحية الصباح
وقبلت وجنتها كما أفعل كل يوم وجلست في الكرسي المقابل لها, فسألتني :
تأخرتي اليوم! كنتي عنده, أليس كذلك؟
قلت وأنا أتناول إفطاري بسرعة حتى لا أتأخر عن عملي : بلى
قالت بلهفة : وكيف حاله؟
قلت بإحباط : كما هو, لم تعد كلماتي تؤثر فيه
قالت : لا أدري كيف أتصرف معه
هتفت بغيظ : ما كان عليه أن يستسلم بهذه السرعة, يجب أن يرفع قضية ويشكوه في المحكمة
قالت بمرارة : وكيف يشكوه ولا دليل لديه؟ لقد استشرت عدة محامين القضية خاسرة
قلت : على الأقل كان سيفضحه ويلوث سمعته
لقد
أخبرته أنني أنوي عمل سلسلة من التحقيقات لكشف الفساد في الجامعة, وأول ما
سأكشف هو ذلك المخادع الذي سرق بحثه الذي عكف عليه ثلاث سنوات ونسبه لنفسه
قالت بحزن : ما كان ذلك ليجدي, أخاكي لم يسجل فكرته العبقرية باسمه
لقد ضاعت الأمانة, وأصبح الأستاذ يسرق تلميذه
تنهدت بضيق : ما كان عليه أن يستسلم
فليبدأ ببحث جديد وفكرة جديدة
يصعب
علي استيعاب أن ذلك العقل العبقري المبدع يتحول الى صنم جامد أمام
الكمبيوتر ليل نهار, يسرف صحته وعقله وبصره في المحادثات والألعاب
قالت بأسى : ليست هذه هي الصدمة الوحيدة في حياته كما تعلمين, ان ما قضى عليه تماما هو تخلي نجلاء عنه
قلت بغيظ : نجلاء!
لا أفهم كيف يتغير الناس بهذه الطريقة!
أحتاج الى جلسة خاصة معها, انها محاولة أخيرة علها تجدي
قالت بيأس : أتعتقدي أن هذا هو الحل لمشكلته؟
قلت : اعتدت دائما أن أحاول, نجحت أو فشلت لا يهم
المهم أن أحاول حتى آخر أمل
قالت : الله معك
قلت مغيرة الموضوع الذي أضفى احباطه ويأسه علينا : هل أحضر د. وجيه ايراد العيادة؟
قالت : في موعده تماما, هذا الرجل يشعرني دائما أن الدنيا لا زالت بخير, لديه وفاء نادر
لا زال يحافظ على العيادة التي تركها والدك كما هي واسمه عليها, لم يفكر حتى بتغيير اللافته ووضع اسمه مكان اسم أبيك
لم يستقل حتى بعيادة خاصة به, لا زال يشعر بالمسئولية تجاه أستاذه حتى وهو متوفى
قلت وأنا آكل بتعجل : هذا هو المثال الرائع الذي يجب أن يكون بين أستاذ وتلميذه
انه
عمل أبي الصالح رحمه الله, لقد قدم له يد المساعدة بكل وسيلة ليصبح طبيبا,
ثم اصطحبه معه للعمل في العيادة وساعده حتى تزوج وأصبح لديه بيت وأسرة
قالت : ان وجيه يستحق كل الخير
.................................................. ...
دخلت
الى المؤسسة الصحفية التي أعمل بها بخطواتي الواسعة شبه العسكرية والتي
يساعدني عليها حذائي الرياضي, فلم أكن أحب الكعب العالي لأنه يقيد حركتي
واجتزت
السلالم قفزا بديلا عن المصعد الذي لا أستخدمه إلا في الأدوار عالية
الإرتفاع, لكن المكتب الذي تعمل فيه نجلاء كان في الدور الثالث
حمدت
الله أن وجدتها خلف مكتبها, فمن عادتها التنقل بين مكاتب المؤسسة والثرثرة
مع فلان وعلان, أو تناول الإفطار مع أصدقائها المقربين
ألقيت
التحية بمرح على كل من في المكتب من زملاء وزميلات, وسحبت احد الكراسي من
أمام مكتب أستاذ محروس وأنا أبتسم له بمرح : بالطبع تسمح أستاذ محروس
أشار لي بيده وهو يبتسم
أخذت
الكرسي ووضعته بجوار نجلاء خلف المكتب لأكون قريبه منها لكيلا يسمعنا أحد
من الموجودين, وقلت لها مباشرة وبصوت خفيض : أحمد الله أن وجدتك في تلك
الساعة,لي حديث طويل معك
قالت وهي تهز رأسها : أعلم فيم ستتحدثين, لقد انتهت علاقتي بأخيك
قلت : أعلم الظروف السيئة التي مرت بكما, ولكن من الممكن اصلاح الأمر, انه الآن يحتاج اليكي أكثر من أى وقت مضى
تنهدت بيأس : لم يعد هذا ممكنا
قلت بضيق : كيف تقولين هذا؟ انه يحبك, نعم لا زال يحبك
كلمة منك يمكن أن تغير كل شيء, أنت أيضا لا زلت تحبينه أنا متأكدة
قالت : الحب وحده لا يكفي في هذا الزمن
قلت بدهشة : أنت التي تقولين هذا! ألا تذكرين كم من مرة اعترفتي لي بحبك له, كيف تبدلت مشاعرك على هذا النحو!
قالت : افهميني, هذا الزمن ليس زمن الحب, هناك أشياء أخرى أهم للإنسان علينا أن نحسب لها ألف حساب
قلت ساخرة : كالمال مثلا!
قالت : أخيرا فهمتيني
قلت بلوم : هل تفكرين بتلك الطريقة المتخلفة!
قالت باعتراض : متخلفة!
حسنا لست وحدي المتخلفة, يبدو أن العالم كله صار متخلفا
عائلتي لا يمكن أن توافق على أيمن, خاصة بعد أن فقد عمله
قلت بتحدي : عمله سيعود اليه قريبا بعد أن ينهي مشكلاته
قالت : هذا لن يجدي
ان كانت عودتي اليه ممكنه في السابق فالآن صارت من المستحيلات
صمت
قليلا أحاول أن أستوعب كيف تفكر تلك الإنسانة, ولكني لم أستطع الصمت
طويلا, فاندفعت أقول بصراحتي المعهودة كما لو كنت تناولت مشروب الصراحة :
لكن مدحت الكومي هو الممكن
هو المناسب لهذا الزمان انه المال والشهرة في آن واحد
قلت باستنكار : كيف لم أصدق ما سمعته عنك
كنت
دائما أخدع نفسي (لا نجلاء ليست من هذا النوع, نجلاء صديقتي العزيزة في
سنوات الجامعة , شريكة أحلام الشباب والعمر الجميل, نجلاء التي كان حلمها
العمل بالصحافة لتكشف الفساد وتظهر وتعالج سلبيات المجتمع)
نجلاء التي كانت تؤمن بأن الصحفي هو حامي الوطن مثله مثل الجندي
أين هي الآن!!
تبدلت كل أفكارك بمجرد أن انتقلتي للعمل كمحررة فنية واختلطي بطبقات المجتمع الحريرية البراقة
إن
من أراها أمامي الآن هي نجلاء عارضة الإعلانات والمطربة المغمورة التي
تنتظر الجني الذي سيخرج لها من المصباح ليحقق لها الشهرة ويرمي بالمال تحت
أقدامها
عجبا لم يعد حلم الفتاة فقط شقة تجمعها بمن تحبه
لابد من سيارة وفيلا ومظهر اجتماعي لائق و....و........و...
بمجرد ظهور الجني تلقي بالحب بكل بساطة في أقرب سلة للمهملات, لم يعد الجني بعيد, لقد اقترب للغاية
مدحت الكومي المنتج السينمائي الشهير
قالت بضيق : لا تسيئي الظن بي, لقد عرض على الزواج
قلت بتهكم : أوووه خبر فني مثير
ترى هل سيخبر زوجته الأولى, أم أن الخبر سيظل في حدود الإشاعة الفنية!!!
أيام الجامعة كنت أحب فيكي الأنفة والكبرياء الذي كانت تظنه بعض زميلاتنا تعاليا منك, لكنني كنت أعتقد دوما أنه اعتداد بالنفس
لا شك أنه دفع ثمنا غاليا ليجعلك تتخلين عن كبريائك واعتدادك بنفسك وتقبلين أن تصبحي زوجة ثانية
ترى أهو عقد لفيلمين أو أكثر؟ وربما ألبوم غنائي أيضا
قالت بصوت خافت : لقد وعدني أنه سيطلق زوجته
قلت بمرارة : رائع, تبنين مجدك الفني على خراب البيوت وتشريد الأطفال, هنيئا لكي
يا الهي!!!
لا أستطيع أن أصدق أن أيمن كان يحبك
قمت
من الكرسي بغضب وحملت أشيائي, ثم تأملتها بنظرات تمتلئ بالاشمئزاز وهي
عاجزة عن رفع عينيها في وقلت بتهكم : سأخبره أن يكف عن لوم نفسه, وليوفر
ندمه لشيء يستحق
كل ما أتمناه لكي أن تكون المكاسب المنتظره على قدر ما ستدفعينه من عمرك وشبابك وكرامتك


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الأربعاء 29 ديسمبر 2010 - 21:31

ما أسوأ أن تبدأ صباحك مع شخصيات مستفزة مثل أيمن ونجلاء
كيف يمكنني أن أمارس عملي بحماسي المعهود بعد كل تلك الإحباطات والمشاعر السلبية!!
لكن التحدي الذي اشتهرت به جعلني أصارع كل المشاعر السلبية التي انعكست
على وأنتصر عليها وأتجاوزها وأنا أتجه الى مكتبي, ورسمت ابتسامة مرحة فوق
شفتي كما لو كانت راية انتصاري في معركتي ضد مشاعري السلبية ودخلت الى
حجرة المكتب الذي أعمل به وألقيت التحية بصوت مرح على زملائي الموجودين في
المكان, أستاذ فؤاد وشيرين وكمال
رد الجميع السلام كالعادة, ولكني فوجئت بوجه جديد يجلس خلف المكتب المقابل لمكتبي مباشرة
كانت الحجرة الكبيرة بها خمسة مكاتب, اثنان في الجانب الأيمن أمام الباب
لي ولكمال, واثنان في الجانب الأيسر لشيرين وللوجه الجديد الذي لم أتعرف
عليه بعد, وبجوار الباب مكتب أستاذ فؤاد وفي الجدار المقابل له نافذة
زجاجية كبيرة بعرض الجدار كله, تمنح الغرفة اضاءة طبيعية أحبها
وضعت أغراضى على مكتبي القريب من الباب ونظرت لكمال وأشرت بعيني الى
زميلنا الوجه الجديد (الذي أمر زكي بوضع مكتب له في هذا المكان من يومين)
في تساؤل
فوجدت الضيق وعدم الرضا قد ارتسما بوضح على ملامح وجهه
التفت الى أستاذ فؤاد علني أجد عنده معلومات عن زميلنا الجديد, فابتسم
ابتسامته البشوشة التي أحبها من تحت شاربه الرمادي الكثيف وتجعدات الزمن
تزداد بروزا حول عينيه وهو يقول بود : أعرفك الى زميلنا الجديد ياسر حسين,
انضم الينا اليوم
اتسعت ابتسامتي لإظهار روح الود والترحيب وتقدمت من مكتبه بحماس فنهض واقفا من كرسيه عندما وجدني أتقدم نحوه
مددت كفي اليه مرحبة وأنا أقول بحماس مرحبا بك بيننا, أنا أميرة جلال
خفض عيناه وابتسم قائلا : شكرا جزيلا, شرف لي أن أنضم اليكم
غمرني العجب والدهشة, فقد كانت كفي ممدودة في انتظار أن يصافحني, لكن يده بقيت في مكانها ولم يرفعها
اتجهت عيني الي شيرين الجالسة خلف المكتب المجاور له في لمحة سريعة
فوجدتها تهز رأسها يمينا ويسارا في اشارة لي استنتجت معناها على الفور,
ولكني كنت بحاجة لتأكيد منه شخصيا حتى أستطيع أن أفهم بالضبط مع من
أتعامل, والى أية أفكار ينتمي زميلنا الجديد, فلم أسحب يدي الا بعد أن قال
لي بلسانه وهو غاضض طرفه : عفوا, أرجو المعذرة فأنا لا أصافح
ارتفع حاجباي دهشة وقلت بتهكم : هكذا اذا!! يبدو أن الجريدة بدأت تغير من سياستها وتفتح المجال لأفكار جديدة واتجاهات مختلفة
اختفت ابتسامته الودودة وعندها عرفت أنه فهم كلماتي وما تعنيه بدقة
قال بتحدي : إن مؤسسة صحفية عالمية حرة كهذه لابد أن يكون فيها متسع لكافة الأفكار والاتجاهات لتحقق مصداقية لدى القارئ
ارتفع حاجبي الأيمن وأنا أقول : ان كل ما أرجوه هو ألا تكون تلك الأفكار
والاتجاهات سببا في تراجع الجريدة وارتدادها الثقافي والمعرفي
قال بجدية : إن الردة الحقيقية هي الحرية الانتقائية, بالترحيب والإفساح لأفكار معينة وإقصاء والحجر على أفكار أخرى
رفعت رأسي بأنفة وعدت لأجلس خلف مكتبي وأنا أنظر لأستاذ فؤاد الذي هز رأسه بأسف مستنكرا تلك البداية المتوترة
همس كمال بتأفف : هذا ما كان ينقصنا فلاح مستشيخ متزمت يطبق فوق صدورنا بسماجته
قلت ساخرة : تقصد يحرمك من أنفاسك التي تتلقاها من السيجارة, لا أنكر أن
الشماتة تملؤني, فكم من مرة حذرتك أن تشرب السجائر هنا؟ هذا هو ما تستحقه
قال بتأفف : لن أستطيع أن أستمتع بإلقاء النكت والطرائف بعد الآن الا وأجد من يعترض على ويقول هذا حلال وهذا حرام
ضحكت منه بصوت خفيض وأنا أخرج ملفاتي وأوراقي من الحقيبة وأضعها على
المكتب : لو كان وجوده سيحرمنا من نكاتك المسفة السمجة, اذا فسنتحمله بكل
ترحاب
قال ساخرا : لا تفرحي كثيرا, فقد تجدينه يوما يطالبك أنت وشيرين بالنقاب, وقد ينصحك بالقرار في البيت
قلت بتعالي : عندي أنا ولا يستطيع الاقتراب, تعرفني جيدا
قال محذرا : احترسي, فهو لا يبدو سهلا على الإطلاق
نظرت نحو ذلك القادم الجديد ذو الأفكار المتشددة وأدركت أنه بدأ يضفي بعضا من شخصيته المنغلقة على المكان
فذلك الهدوء غير معتاد في مكتبنا, في العادة يرتفع صوت كمال في مزاح ثقيل
ولا تكاد شيرين تستقر في مكان, وأظل أنا وأستاذ فؤاد في حوار مفتوح حول أى
شيء وكل شيء
لكن هذا الغازى فرض علينا وضعا غير مريح في المكان, ويعلم الله ما الذي سيفرضه أيضا بعد ذلك
أخذت أتأمله مليا في فضول وضيق لأعرف ماذا وراءه أيضا, لكن مظهره لا يوحي
بأى شيء من تشدد, فهو شاب عادي حليق اللحية والشارب له شعر بني ناعم
وعينان عسليتان ملابسه أنيقة وحديثة تنم عن ذوق رفيع في الانتقاء, ويرتدي
نظارة طبية شفافة لا تقل أناقة عن ملابسه, لكن أشد ما يلفت الانتباه هو
ذلك الخاتم الفضي الأنيق الذي يلمع في خنصر يده اليمنى
لم ينتبه لي وأنا أراقبه فقد كان منهمكا في قراءة مجموعة من الملفات أمامه وبجواره دفتر صغير يدون فيه باهتمام
دخل زكي (المدير) وألقى التحية على الجميع واتجه مباشرة الى مكتب الزميل
الجديد وهو يقول بصوت عالى : مرحبا ياسر, أرجو أن يكون أول يوم لك هنا
موفقا دون مشاكل
هتفت بسرعة وبصوت مرتفع به رنة ساخرة عندما رأيت زكي يمد له يده مصافحا : احذر, فهو لا يصافح
انفجر كمال ضاحكا, أما هو فقد تطلع الى بنظرة تحدي بادلته اياها, ثم صافح
زكي وهو يبتسم له قائلا : كما ترى فالزملاء هنا ودودون للغاية
التفت زكي الى وقال : آها, أرى أنك قد تعرفت الى أميرة, إنها من أفضل محررينا, ولديها أيضا عمود ثابت في الجريدة
قال بلهجة لم تعجبني اطلاقا : حقا!! كالعمود الذي أنا بصدد تحريره
فوجئت تماما بتلك المعلومة, ولا أنكر أنها أشعرتني بالكثير من الغيرة
مفاجآت زكي لا تقف عند حد, من هذا الذي يحتل عمودا مستديما في الجريدة من أول يوم
لقد قضيت وقتا طويلا للغاية حتى أستطيع أن أثبت جدارتي وأكتسب ثقة الجميع وأحصل على عمود لتحريره
رحل زكي بعد أن أشعل في عقلي الكثير من الغضب والتحدي , ما هذا البلاء الجديد الذي بلانا به!!
لم نفق بعد من كارثة كمال, ذلك الصحفي الفاشل الذي ألقته الواسطة علينا,
الا ونجد ذلك المتشدد أمامنا, ترى أى واسطة ألقته علينا وكيف تقبل المؤسسة
بتلك النوعية من الأفكار التي يحملها, بل والأدهى أن يكون له عمود مستقل!!
.............................................
لكن الأيام مرت ولم يحدث شيء, بل ان ما حدث كان عجيبا
فبعد عدة أيام دخلت الى المكتب في الصباح لأجده يحتل الكرسي أمام مكتب
أستاذ فؤاد والذي اعتدت أن أجلس عليه كلما اندمجت مع أستاذ فؤاد في نقاش
طويل في أحد الموضوعات الهامة, وقفت أتأملهما للحظات ثم ألقيت التحية,
فقاما بردها سريعا واندمجا في نقاشهما الساخن وكأن من دخل الآن عم سعيد
الساعي
وضعت أغراضي على المكتب وأنا أحاول كتمان غيظي, فذلك الكائن الهابط علينا
من السماء لم يكتفي باقتحام مكتبنا بل بدأ يتسلل الى مكاني ومكانتي عند
الأستاذ فؤاد
إن علاقتي بالأستاذ فؤاد قديمة وعميقة للغاية, فهو أستاذي الذي أعتز
بصداقته فهو أول انسان تلقاني في بداياتي هنا بعد تخرجي ولم يبخل علي
بعلمه ولا بنصائحه ولا بخبرته, وله أدين بالكثير لوصولي للمكانة التي
أصبحت عليها
حتى أصبحت علاقتنا صداقة متينة امتدت الى زوجته وأسرته, أزورهم كثيرا, وأتناول معهم الغداء في بعض الأحيان
لكن يبدو أن أستاذ فؤاد قد وجد عقل جديد يشاطره أفكاره وتلميذ نجيب يتعلم منه
وقفت أتأمل المكتب الخالي من سوانا نحن الثلاثة, فشيرين في اجازة وكمال
كعادته يأتي متأخرا, وأنا أشعر بالغيظ فلا يمكنني أن أتحدث الى أحد كعادتي
كل صباح, فأستاذ فؤاد مشغول بزميلنا الجديد الذي يتجاهل وجودي في المكان
على اعتبار أنني عورة لا بد من اخفائها في البيت
أخيرا سنحت لي الفرصة للتحدث مع أستاذ فؤاد عندما انزاح الكابوس وخرج من المكتب
قلت لأستاذ فؤاد بإحباط : أراك قد وجدت محاورا جديدا
قال بابتسامة واسعة افترشت شاربيه على جانبي وجهه : ياسر! انه شخصية لطيفة ومتفتحة للغاية ولديه أفكار ممتازة
قلت بلا مبالاة : حقا!
قال بحماس : هل قرأتي مقاله؟
قلت : ولم أقرأه؟ تلك النوعية من الأفكار لا تهمني, وهذه النوعية من البشر لا أجد أى جاذبية في القراءة لهم
قال بدهشة : ولم هو يقرأ موضوعاتك؟
التفت اليه مندهشة : وهل فعل!!!
قال بحماس : انه معجب بأسلوبك في الكتابة
رفعت حاجبي الأيمن وأنا أقول : ولم لم يخبرني بذلك؟ أيحتاج الى محرم ليتحدث الى!
سمعت صوته من خلفي يقول بجدية : كلا
التفت اليه متفاجأة بعودته السريعة, وعندما نظرت في وجهه صدمني التجهم
الذي ملأ ملامحه وهو يقول بصوت جاف : ولكني لم أعتد الحديث الى من يبادرني
بعداء غير مبرر ولا أساس له سوى استنتاجات أغلبها غير صحيح
استفزني أسلوبه كثيرا, فرفعت حاجبي الأيمن وقلت بتحدي : وما هي
الإستنتاجات الغير صحيحة بالضبط؟ أرجو أن تتذكر أنك أول من بدأ بالجفاء
والتعالي
أجاب ساخرا : عجبا, لا أذكر أنني انتقدت أى من تصرفاتك لتبدأي في انتقاد تصرفاتي
وقف الأستاذ فؤاد بيننا في محاولة لتهدئة الجو : هاى, أنت وهي, ألا تتوقفا!! لا أظن أن هذا أسلوب حديث مناسب يتبادله الزملاء
قال ببرود : هي من بدأت
ثم قال بسرعة وهو يتجاوزنا الى مكتبه : عفوا لا وقت لدى لتبادل أية أحاديث, فلدى عمل يجب أن أنجزه
سحب حقيبته الجلدية الأنيقة وعلقها على كتفه وغادر المكتب
نظرت الى أستاذ فؤاد وقلت بتشكك : لقد كان عند زكي, ترى أى عمل هذا الذي كلفه بإنجازه؟
...............................................
يتبع.....................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الجمعة 31 ديسمبر 2010 - 22:46

الحلقة الثالثة

يبدو أن هذا المدعو ياسر قد احتل مكانا كبيرا في عقل أستاذ فؤاد الذي لم يعد يهتم لي ولا لمشكلاتي

فمنذ أن أهل علينا لم يعد باستطاعتي أن أتحدث معه حديث مطول كما في السابق الا ويتخلله اسم ياسر بأى شكل من الأشكال


لا أعتقد أنني سأتحمل ذلك طويلا, واليوم على وجه التحديد أحتاج لرأى أستاذ
فؤاد في أمر يهمني, لذلك فقد بكرت في الذهاب للعمل هذا الصباح لأنني أعرف
عادة أستاذ فؤاد في التبكير, وأن أنسب وقت للتحدث اليه هو قبل حضور
الزملاء, وخاصة ذلك المحتل


عندما دخلت الى المكتب وجدت أستاذ فؤاد وحيدا كما توقعت, لكنه كان منهمكا في قراءة نسخة من الجريدة التي تصدرها المؤسسة


وضعت أغراضي على المكتب واقتربت منه وانحنيت أنظر في ظهر الجريدة التي بين
يديه لأجد أنها اصدار اليوم, فسألته بدهشة : يبدو أنك تقرأ مقالة هامة!


قال دون أن تترك عيناه الجريدة : انه التحقيق الذي كتبه ياسر


ارتميت على الكرسي أمام مكتب الأستاذ فؤاد, لا أصدق!! انه يحاصرني تماما


هتفت : يا الهي!! ياسر, ياسر, ياسر, لقد حضرت اليوم مبكرا خصيصا حتى
أستطيع التحدث اليك في أمر يهمني كثيرا قبل أن أجده يحتل هذا الكرسي


وضع الجريدة جانبا وسألني باهتمام : ما بك يا ابنتي!! يبدو عليكي التوتر اليوم, أهناك شيء يقلقك؟


قلت بتململ : كلا, ولكن ذلك المدعو ياسر بدأ يزعجني حقا, فأنا لا أكاد أتحدث اليك كما في السابق


قال باسما : حسنا, أنا أتعمد ذلك


قلت بدهشة : ماذا! لم أكن أتوقعها منك!!


قال : ياسر لا زال حديثا في المكان, ومنذ وصوله ولم يقابل سوى بالتحدي والتشكك والنفور, رغم أننا لم نر منه سوى الخير


قلت بضيق : ألم تر كيف كان يعاملنا من أول يوم!!


قال باستنكار : كلا, لم أرى شيئا, فهو لم يخطئ في حق أى انسان هنا, هو فقط
يفعل ما يراه صوابا من وجهة نظره, ولكن هذا لا يعني اساءة لأى شخص


أردف بلوم : كنتى دائما موضوعية في نظرتك للأمور, مالي أراك اليوم متحاملة عليه بلا سبب منطقي


بدأت أتأثر بكلماته العقلانية, فقلت : اذا فالخطأ عندي!!


قال بصدق : إنك تعاملين كمال أفضل مما تعاملينه رغم تحفظك التام على تصرفاته ورفضك لأفعاله السيئة!


لم لا تنظرين لياسر بنظرة أخرى وتتقبلينه كزميل بصرف النظر عن معتقداته الشخصية؟


قلت : حسنا, سأحاول


قال وهو يعاود الإمساك بالجريدة : اذا فعليك قراءة تحقيقه المنشور اليوم


قلت وأنا أنحي الجريدة جانبا : سأفعل فيما بعد, هلا استمعت لي من فضلك, فهناك ما يهمني أن أعرف رأيك بصدده


ترك الجريدة أخيرا وقال : نعم, كلي آذان صاغية


قلت : استاذ حمدي اتصل بي أمس أكثر من ثلاث مرات


قال باسما : ألا يزال مصرا على ضمك الى اللجنة؟


تنهدت وأنا أقول : بلى, من قبل تأسيس اللجنة وهو يحاول معي, والآن اللجنة تكونت بالفعل وأعلن عن وجودها


قال باسما : وما المانع, أنا أؤيده في اصراره عليك, فأنا أعرفك جيدا عندما تتحمسين لشيء قد تبذلين حياتك في سبيله


قلت بضيق : هذه هي المشكلة, لا أظن أنني مستعدة الآن لتلك الخطوة, أخشى
أنني لو التحقت الآن باللجنة فلن أؤدى فيها كما ينبغي, ولا أحب أن أكون من
المقصرين


قال بفهم: نعم, أستطيع أن أتفهم أن مشاركتك في أنشطة اللجنة قد تؤثر على
عملك في المؤسسة بشكل مباشر, بل ربما تفقدين عملك بسببها, وأنت لست مستعدة
لذلك الآن


قلت بضيق : أرجو ألا تفهم تصرفي بصورة خاطئة, فأنا أعتقد أن عملى هنا
سيخدم القضية بأفضل من مشاركتي في اللجنة التي لا أعتقد أنها ستصمد طويلا
أمام الضغوط الفظيعة التي تمارس عليها, بالإضافة الى أن كل خطوة أو نشاط
تقوم به سيواجه بعراقيل وتعنت قد يقوضه من أساسه


أعتقد أنهم لن يستطيعوا تنفيذ أى نشاط أو فعاليات يضعونها في خططهم, اذا فعملي في اللجنة لا فائدة منه


قال بفهم : أميرة, أنت تخشين أن تفاجئي بنفسك يوما خلف القضبان


ابتلعت ريقي ونظرت اليه وقلت محاولة الدفاع عن نفسي : الأمر ليس...


قاطعني مكملا : أفهم شعورك جيدا, أنت لا تخشين هذا بقدر خشيتك أن تفقدي
عملك هنا, كما أن الحال التي وصل اليها أخاكي يجعل ابتعادك عن البيت أمر
شبه مستحيل, فمن واجبك التخفيف عن أمك وتجنيبها صدمة جديدة قد تحطم قلبها


قلت باحباط : وضعت يدك على الجرح


كيف أضحي بعملي الذي أنجز فيه وأستطيع أن أخدم فيه القضية بشيء شبه موقوف,
وعند أول خطوة أخطوها فيه أجد المعبد قد تهدم بأكمله فوق رأسي!!


قال بأسى : لا تحزني, فكلنا كذلك


قلت بضيق : لا أفهم لم يلح على أنا فقط بهذه الطريقة؟


قال : إن من له قضية يبحث دوما عمن يؤمن بقضيته ويساندها, لا أعتقد أنه
يلح عليكي أنت فقط, بل هو يحتاج لكل من يتوسم فيهم سرعة الإستجابة
والإيمان والوطنية وحب الخير والإنتماء


لقد كان يعرف والدك جيدا كما أخبرتيني من قبل


لم تطل علاقتهما الى أمد طويل, أليس كذلك؟ ولكنهما كانا كما نقول أو كما
يمكن أن نطلق عليهما (رفيقي طريق) في وقت ما, مما جعله يتمنى أن يجد شخص
مثله, وعندما التحقتي للعمل بالصحافة وأصبح يراك باستمرار في النقابة شعر
أن من الممكن أن تكوني هذا الشخص, هو يتوسم فيك أن تسيري على دربه


قلت بألم : الزمن خلاف الزمن, لا أعتقد أن اللجنة يمكن أن تنجز الشيء الكثير, فالمعوقات أكثر وأكبر


قال باسما : إن ضميرك اليقظ هو ما يؤرقك, لو كنتي شخص آخر لحسمتي الأمر
سريعا لصالح عملك, أو بمعنى أدق لمصلحتك الشخصية, لكن ضميرك هو العائق
الأساسي في انهاء ذلك الصراع النفسي, وأستاذ حمدي يفهم ذلك جيدا لذلك فهو
يستمر بالضغط عليكي للإنضمام الى اللجنة, فهو موقن أن النتيجة في النهاية
لصالحه, وان لم توافقي اليوم فستوافقين غدا, المهم أن يكون ضميرك دائما في
حالة يقظة وأرق مستمر


قلت بضيق : حسنا, وكيف أتخلص من تلك المطاردة؟


قال باسما : لن تستطيعي, أتعلمين, أنا أيضا أوافقه الرأى


مشكلتك الحقيقية مع نفسك وليست معه, بإمكانك ببساطة أن تقطعي عليه الطريق وتعلني رفضك صراحة


ولكنك لا تقدرين, أتدرين لم؟


لأن والدك بداخلك, لديكي رغبة ملحة وأمنية قديمة أن تصبحي مثله


لا زالت أعماله الصالحة قائمة أمام عينيك وفي عقلك وقلبك


اهتز كل شيء بداخلي عندما أتى الأستاذ فؤاد على ذكر أبي, وشعرت بألم شديد يغزو أعماقي ولم أستطع الرد عليه


قال بهدوء : تريدين رأيي؟ لا تتسرعي وخذي وقتك الكامل في التفكير ودراسة
الأمر على كل الوجوه, لأنك عندما تتخذين القرار بعد تفكير فلن تندمي أبدا


قلت باستسلام بعد أن بدأ الهدوء يسكن أعماقي بسبب كلماته العقلانية :
حسنا, سأفكر مليا في الأمر, ولدي فرصة جيدة لأرى بعيني نشاطات اللجنة
وفعالياتها, وهل ستنجح حقا في فرض نفسها على الساحة, أم أنهم سيئدونها في
المهد كما هو متوقع؟


قال باسما : أحمد الله أنك هدأتي أخيرا, والآن, هل تسمحين لي بإكمال التحقيق من فضلك؟


قلت بملل : التحقيق الذي كتبه ياسر!!


قال ضاحكا من أسلوبي : بلى, ألم تقرأيه بعد؟


قلت وأنا أقوم من مكاني وأعود الى مكتبي : كلا


هز رأسه قائلا : لقد فاتك الكثير بالفعل


قلت بعجب : الى هذه الدرجة!!


قال بحماس : ذلك الفتى له عقل جبار, ان موضوعه غاية في الروعة


لو كان هذا الكلام صدر من أى انسان آخر لما ألقيت له بالا


لكنه صدر من الأستاذ فؤاد, والأستاذ فؤاد في مجال العمل لا يعرف المجاملة
ولا الكلمات المنمقة, وعندما يصف تحقيقا بوصف من قبيل في غاية الروعة,
فهذا يعني أنني يجب أن أقرأه, وقد يفوتني الكثير بالفعل لو لم أفعل


نجح الأستاذ فؤاد بجدارة أن يستفز فضولي لقراءة التحقيق, فقلت باهتمام : ألديك نسخة ثانية من الجريدة؟


قال باسما : هل بدلتي رأيك أخيرا؟ عموما, ها هي واحدة


تناولت منه الجريدة وجلست خلف مكتبي وأخذت أقرأ التحقيق


لقد كان على حق, لقد أخذني المقال تماما


ذلك الأسلوب الرائع في الكتابة, وترتيب الأفكار بطريقة تسلسلية بارعة, انه محترف حقا


ولكن من أين له بكل هذه المعلومات المثيرة والإحصائيات المدهشة؟


كان التحقيق عن احدى الشركات الكبرى الشهيرة في صناعة الدواء, وكشفه
للتلاعب الذي وصل مداه في ميزانية الشركة والذي أثر بشكل كبير على جودة
الدواء, وفضائح الدواء منتهي الصلاحية والغير مطابق للمواصفات و....و...و..


استغرقني التحقيق المثير تماما حتى أن كمال وشيرين دخلا الى المكتب ولم أشعر بهما, وياسر أيضا وصل, بل وألقى علينا التحية ولم أسمعه


التهمت سطور التحقيق حتى آخر حرف, وطويت الجريدة ونظرت الى ياسر قائلة
بحماس صادق : لقد حضرت! حسنا. أقدم لك تهنئتي على تحقيق اليوم الرائع


قال ببرود : حقا!


تقدمين التهنئة الآن ومنذ قليل لم تهتمي حتى برد السلام؟


قلت مندهشة : وهل ألقيت السلام؟ عموما كل من هنا يعرف أنني عندما أستغرق في قراءة شيء يعجبني فلا أسمع ولا أرى ما حولي


قال بلهجة هادئة : حسنا, فهمت, هل أعجبك التحقيق حقا؟


قلت بابتسامة واسعة : أتعلم أن لك أسلوب مميز في الكتابة


تدخل كمال باستظراف في الحوار قائلا : هنيئا لك, لقد شهدت لك الأميرة,
غيرك يتمنى منها ربع كلمة ولا ينالها, انها حتى لم تفكر أبدا أن تقرأ
مقالا كتبته


قلت بتهكم : أتسمي (العك) الذي تكتبه مقالا!!


التفت الى ياسر الذي كان مسندا مرفقيه الى سطح مكتبه وفي يده قلم يلفه بين أصابعه, لكن خاتمه الفضى المميز يجذب العين أكثر من القلم


قلت بحماس صادق : أتعلم أن ما يدهشني حقا هو كم المعلومات التي أوردتها في التحقيق


نهضت من خلف مكتبي واتجهت مباشرة الى مكتبه وفي طريقي تناولت كرسي من أمام
مكتب أستاذ فؤاد ووضعته أمام مكتب ياسر وجلست عليه, فظهرت الدهشة على وجهه
بوضوح وقال متسائلا : هل لي أن أسأل عن ذلك التغير المفاجئ في المعاملة
والأسلوب


قلت بمرح : حسنا, يمكنك أن تسميه سوء للفهم تم تصحيحه بعد تدخل صديق


القى بنظرة سريعة نحو أستاذ فؤاد الذي ابتسم له وهز رأسه مؤيدا, فارتسمت
ابتسامة هادئة على شفتيه وقال : تغير ايجابي أرجو أن يكون دائما


قلت بفضول : لم تخبرني بعد من أين أتيت بكل هذه المعلومات؟


قال وعيناه على القلم الذي بين أصابعه : الصحفي الجيد لا يكشف مصادره أبدا, هكذا تعلمنا


قلت بمرح : أنت محق


لا شك أنك عملت على هذا التحقيق لمدة طويلة حتى وصلت الى هذه النتيجة


صمت فجأة عندما دخل الى المكتب آخر شخص يمكن أن أتمنى رؤيته


..................................................


يتبع...................................




يبدو أن هذا المدعو ياسر قد احتل مكانا كبيرا في عقل أستاذ فؤاد الذي لم يعد يهتم لي ولا لمشكلاتي

فمنذ أن أهل علينا لم يعد باستطاعتي أن أتحدث معه حديث مطول كما في السابق الا ويتخلله اسم ياسر بأى شكل من الأشكال


لا أعتقد أنني سأتحمل ذلك طويلا, واليوم على وجه التحديد أحتاج لرأى أستاذ
فؤاد في أمر يهمني, لذلك فقد بكرت في الذهاب للعمل هذا الصباح لأنني أعرف
عادة أستاذ فؤاد في التبكير, وأن أنسب وقت للتحدث اليه هو قبل حضور
الزملاء, وخاصة ذلك المحتل


عندما دخلت الى المكتب وجدت أستاذ فؤاد وحيدا كما توقعت, لكنه كان منهمكا في قراءة نسخة من الجريدة التي تصدرها المؤسسة


وضعت أغراضي على المكتب واقتربت منه وانحنيت أنظر في ظهر الجريدة التي بين
يديه لأجد أنها اصدار اليوم, فسألته بدهشة : يبدو أنك تقرأ مقالة هامة!


قال دون أن تترك عيناه الجريدة : انه التحقيق الذي كتبه ياسر


ارتميت على الكرسي أمام مكتب الأستاذ فؤاد, لا أصدق!! انه يحاصرني تماما


هتفت : يا الهي!! ياسر, ياسر, ياسر, لقد حضرت اليوم مبكرا خصيصا حتى
أستطيع التحدث اليك في أمر يهمني كثيرا قبل أن أجده يحتل هذا الكرسي


وضع الجريدة جانبا وسألني باهتمام : ما بك يا ابنتي!! يبدو عليكي التوتر اليوم, أهناك شيء يقلقك؟


قلت بتململ : كلا, ولكن ذلك المدعو ياسر بدأ يزعجني حقا, فأنا لا أكاد أتحدث اليك كما في السابق


قال باسما : حسنا, أنا أتعمد ذلك


قلت بدهشة : ماذا! لم أكن أتوقعها منك!!


قال : ياسر لا زال حديثا في المكان, ومنذ وصوله ولم يقابل سوى بالتحدي والتشكك والنفور, رغم أننا لم نر منه سوى الخير


قلت بضيق : ألم تر كيف كان يعاملنا من أول يوم!!


قال باستنكار : كلا, لم أرى شيئا, فهو لم يخطئ في حق أى انسان هنا, هو فقط
يفعل ما يراه صوابا من وجهة نظره, ولكن هذا لا يعني اساءة لأى شخص


أردف بلوم : كنتى دائما موضوعية في نظرتك للأمور, مالي أراك اليوم متحاملة عليه بلا سبب منطقي


بدأت أتأثر بكلماته العقلانية, فقلت : اذا فالخطأ عندي!!


قال بصدق : إنك تعاملين كمال أفضل مما تعاملينه رغم تحفظك التام على تصرفاته ورفضك لأفعاله السيئة!


لم لا تنظرين لياسر بنظرة أخرى وتتقبلينه كزميل بصرف النظر عن معتقداته الشخصية؟


قلت : حسنا, سأحاول


قال وهو يعاود الإمساك بالجريدة : اذا فعليك قراءة تحقيقه المنشور اليوم


قلت وأنا أنحي الجريدة جانبا : سأفعل فيما بعد, هلا استمعت لي من فضلك, فهناك ما يهمني أن أعرف رأيك بصدده


ترك الجريدة أخيرا وقال : نعم, كلي آذان صاغية


قلت : استاذ حمدي اتصل بي أمس أكثر من ثلاث مرات


قال باسما : ألا يزال مصرا على ضمك الى اللجنة؟


تنهدت وأنا أقول : بلى, من قبل تأسيس اللجنة وهو يحاول معي, والآن اللجنة تكونت بالفعل وأعلن عن وجودها


قال باسما : وما المانع, أنا أؤيده في اصراره عليك, فأنا أعرفك جيدا عندما تتحمسين لشيء قد تبذلين حياتك في سبيله


قلت بضيق : هذه هي المشكلة, لا أظن أنني مستعدة الآن لتلك الخطوة, أخشى
أنني لو التحقت الآن باللجنة فلن أؤدى فيها كما ينبغي, ولا أحب أن أكون من
المقصرين


قال بفهم: نعم, أستطيع أن أتفهم أن مشاركتك في أنشطة اللجنة قد تؤثر على
عملك في المؤسسة بشكل مباشر, بل ربما تفقدين عملك بسببها, وأنت لست مستعدة
لذلك الآن


قلت بضيق : أرجو ألا تفهم تصرفي بصورة خاطئة, فأنا أعتقد أن عملى هنا
سيخدم القضية بأفضل من مشاركتي في اللجنة التي لا أعتقد أنها ستصمد طويلا
أمام الضغوط الفظيعة التي تمارس عليها, بالإضافة الى أن كل خطوة أو نشاط
تقوم به سيواجه بعراقيل وتعنت قد يقوضه من أساسه


أعتقد أنهم لن يستطيعوا تنفيذ أى نشاط أو فعاليات يضعونها في خططهم, اذا فعملي في اللجنة لا فائدة منه


قال بفهم : أميرة, أنت تخشين أن تفاجئي بنفسك يوما خلف القضبان


ابتلعت ريقي ونظرت اليه وقلت محاولة الدفاع عن نفسي : الأمر ليس...


قاطعني مكملا : أفهم شعورك جيدا, أنت لا تخشين هذا بقدر خشيتك أن تفقدي
عملك هنا, كما أن الحال التي وصل اليها أخاكي يجعل ابتعادك عن البيت أمر
شبه مستحيل, فمن واجبك التخفيف عن أمك وتجنيبها صدمة جديدة قد تحطم قلبها


قلت باحباط : وضعت يدك على الجرح


كيف أضحي بعملي الذي أنجز فيه وأستطيع أن أخدم فيه القضية بشيء شبه موقوف,
وعند أول خطوة أخطوها فيه أجد المعبد قد تهدم بأكمله فوق رأسي!!


قال بأسى : لا تحزني, فكلنا كذلك


قلت بضيق : لا أفهم لم يلح على أنا فقط بهذه الطريقة؟


قال : إن من له قضية يبحث دوما عمن يؤمن بقضيته ويساندها, لا أعتقد أنه
يلح عليكي أنت فقط, بل هو يحتاج لكل من يتوسم فيهم سرعة الإستجابة
والإيمان والوطنية وحب الخير والإنتماء


لقد كان يعرف والدك جيدا كما أخبرتيني من قبل


لم تطل علاقتهما الى أمد طويل, أليس كذلك؟ ولكنهما كانا كما نقول أو كما
يمكن أن نطلق عليهما (رفيقي طريق) في وقت ما, مما جعله يتمنى أن يجد شخص
مثله, وعندما التحقتي للعمل بالصحافة وأصبح يراك باستمرار في النقابة شعر
أن من الممكن أن تكوني هذا الشخص, هو يتوسم فيك أن تسيري على دربه


قلت بألم : الزمن خلاف الزمن, لا أعتقد أن اللجنة يمكن أن تنجز الشيء الكثير, فالمعوقات أكثر وأكبر


قال باسما : إن ضميرك اليقظ هو ما يؤرقك, لو كنتي شخص آخر لحسمتي الأمر
سريعا لصالح عملك, أو بمعنى أدق لمصلحتك الشخصية, لكن ضميرك هو العائق
الأساسي في انهاء ذلك الصراع النفسي, وأستاذ حمدي يفهم ذلك جيدا لذلك فهو
يستمر بالضغط عليكي للإنضمام الى اللجنة, فهو موقن أن النتيجة في النهاية
لصالحه, وان لم توافقي اليوم فستوافقين غدا, المهم أن يكون ضميرك دائما في
حالة يقظة وأرق مستمر


قلت بضيق : حسنا, وكيف أتخلص من تلك المطاردة؟


قال باسما : لن تستطيعي, أتعلمين, أنا أيضا أوافقه الرأى


مشكلتك الحقيقية مع نفسك وليست معه, بإمكانك ببساطة أن تقطعي عليه الطريق وتعلني رفضك صراحة


ولكنك لا تقدرين, أتدرين لم؟


لأن والدك بداخلك, لديكي رغبة ملحة وأمنية قديمة أن تصبحي مثله


لا زالت أعماله الصالحة قائمة أمام عينيك وفي عقلك وقلبك


اهتز كل شيء بداخلي عندما أتى الأستاذ فؤاد على ذكر أبي, وشعرت بألم شديد يغزو أعماقي ولم أستطع الرد عليه


قال بهدوء : تريدين رأيي؟ لا تتسرعي وخذي وقتك الكامل في التفكير ودراسة
الأمر على كل الوجوه, لأنك عندما تتخذين القرار بعد تفكير فلن تندمي أبدا


قلت باستسلام بعد أن بدأ الهدوء يسكن أعماقي بسبب كلماته العقلانية :
حسنا, سأفكر مليا في الأمر, ولدي فرصة جيدة لأرى بعيني نشاطات اللجنة
وفعالياتها, وهل ستنجح حقا في فرض نفسها على الساحة, أم أنهم سيئدونها في
المهد كما هو متوقع؟


قال باسما : أحمد الله أنك هدأتي أخيرا, والآن, هل تسمحين لي بإكمال التحقيق من فضلك؟


قلت بملل : التحقيق الذي كتبه ياسر!!


قال ضاحكا من أسلوبي : بلى, ألم تقرأيه بعد؟


قلت وأنا أقوم من مكاني وأعود الى مكتبي : كلا


هز رأسه قائلا : لقد فاتك الكثير بالفعل


قلت بعجب : الى هذه الدرجة!!


قال بحماس : ذلك الفتى له عقل جبار, ان موضوعه غاية في الروعة


لو كان هذا الكلام صدر من أى انسان آخر لما ألقيت له بالا


لكنه صدر من الأستاذ فؤاد, والأستاذ فؤاد في مجال العمل لا يعرف المجاملة
ولا الكلمات المنمقة, وعندما يصف تحقيقا بوصف من قبيل في غاية الروعة,
فهذا يعني أنني يجب أن أقرأه, وقد يفوتني الكثير بالفعل لو لم أفعل


نجح الأستاذ فؤاد بجدارة أن يستفز فضولي لقراءة التحقيق, فقلت باهتمام : ألديك نسخة ثانية من الجريدة؟


قال باسما : هل بدلتي رأيك أخيرا؟ عموما, ها هي واحدة


تناولت منه الجريدة وجلست خلف مكتبي وأخذت أقرأ التحقيق


لقد كان على حق, لقد أخذني المقال تماما


ذلك الأسلوب الرائع في الكتابة, وترتيب الأفكار بطريقة تسلسلية بارعة, انه محترف حقا


ولكن من أين له بكل هذه المعلومات المثيرة والإحصائيات المدهشة؟


كان التحقيق عن احدى الشركات الكبرى الشهيرة في صناعة الدواء, وكشفه
للتلاعب الذي وصل مداه في ميزانية الشركة والذي أثر بشكل كبير على جودة
الدواء, وفضائح الدواء منتهي الصلاحية والغير مطابق للمواصفات و....و...و..


استغرقني التحقيق المثير تماما حتى أن كمال وشيرين دخلا الى المكتب ولم أشعر بهما, وياسر أيضا وصل, بل وألقى علينا التحية ولم أسمعه


التهمت سطور التحقيق حتى آخر حرف, وطويت الجريدة ونظرت الى ياسر قائلة
بحماس صادق : لقد حضرت! حسنا. أقدم لك تهنئتي على تحقيق اليوم الرائع


قال ببرود : حقا!


تقدمين التهنئة الآن ومنذ قليل لم تهتمي حتى برد السلام؟


قلت مندهشة : وهل ألقيت السلام؟ عموما كل من هنا يعرف أنني عندما أستغرق في قراءة شيء يعجبني فلا أسمع ولا أرى ما حولي


قال بلهجة هادئة : حسنا, فهمت, هل أعجبك التحقيق حقا؟


قلت بابتسامة واسعة : أتعلم أن لك أسلوب مميز في الكتابة


تدخل كمال باستظراف في الحوار قائلا : هنيئا لك, لقد شهدت لك الأميرة,
غيرك يتمنى منها ربع كلمة ولا ينالها, انها حتى لم تفكر أبدا أن تقرأ
مقالا كتبته


قلت بتهكم : أتسمي (العك) الذي تكتبه مقالا!!


التفت الى ياسر الذي كان مسندا مرفقيه الى سطح مكتبه وفي يده قلم يلفه بين أصابعه, لكن خاتمه الفضى المميز يجذب العين أكثر من القلم


قلت بحماس صادق : أتعلم أن ما يدهشني حقا هو كم المعلومات التي أوردتها في التحقيق


نهضت من خلف مكتبي واتجهت مباشرة الى مكتبه وفي طريقي تناولت كرسي من أمام
مكتب أستاذ فؤاد ووضعته أمام مكتب ياسر وجلست عليه, فظهرت الدهشة على وجهه
بوضوح وقال متسائلا : هل لي أن أسأل عن ذلك التغير المفاجئ في المعاملة
والأسلوب


قلت بمرح : حسنا, يمكنك أن تسميه سوء للفهم تم تصحيحه بعد تدخل صديق


القى بنظرة سريعة نحو أستاذ فؤاد الذي ابتسم له وهز رأسه مؤيدا, فارتسمت
ابتسامة هادئة على شفتيه وقال : تغير ايجابي أرجو أن يكون دائما


قلت بفضول : لم تخبرني بعد من أين أتيت بكل هذه المعلومات؟


قال وعيناه على القلم الذي بين أصابعه : الصحفي الجيد لا يكشف مصادره أبدا, هكذا تعلمنا


قلت بمرح : أنت محق


لا شك أنك عملت على هذا التحقيق لمدة طويلة حتى وصلت الى هذه النتيجة


صمت فجأة عندما دخل الى المكتب آخر شخص يمكن أن أتمنى رؤيته



..................................................


يتبع...................................











عدل سابقا من قبل MaI في الجمعة 31 ديسمبر 2010 - 23:45 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الجمعة 31 ديسمبر 2010 - 23:13

الحلقة الرابعة

انها نجلاء
ألقت التحية على الجميع
الكل رد سواى,
منذ أن افترقت عن أيمن وهي تتجنب الأماكن التي يمكن أن أتواجد بها, لكن
المفاجأة هي عندما دخل خلفها عم سعيد الساعي وهو يحمل علبة شيكولاته كبيرة
فاخرة يدور بها على كل من في المكتب
هل يمكن أن أحذر المناسبة السعيدة التي جعلتها تقدم الشيكولاته الفاخرة لكل العاملين بالمكان؟
لا داعي فقد سألها كمال, وأجابته وهي تعطيني ظهرها متعمدة, وبصوت بدا في أذني يحمل رنة خجل عظيمة : بمناسبة خطوبتي
رغم محاولاتها لتجنبي إلا أنها في النهاية وصلت عندي, قدمت لياسر الشيكولاته ثم التفتت الي وقالت بصوت خفيض : مرحبا أميرة, كيف حالك؟
وضعت ساقا فوق الأخرى وارتفع حاجبي الأيمن بتحدي وأنا أقول بتهكم : الحمد لله, أحاول التواؤم مع تناقضات المجتمع
يبدو أن انتظارك لم يطل كثيرا؟
ظهر الإحراج البالغ في ملامحها وقالت محاولة اسكاتي : تفضلي الشيكولاته
قلت باشمئزاز : كلا, شكرا, فأنا أتخذ حمية, وتلك الشيكولاته ستفسد معدتي
نظرت الى باب
الغرفة لأجد مدحت الكومي يدخل من الباب ومعه زكي, فنهضت من الكرسي وقلت
لها بصوت لم يصل اليهما, هنيئا لك خراب البيوت, ما كنت أتصور أن يأتي
اليوم الذي أرى فيه رفيقة الجامعة زوجة أب وخرّابة للبيوت!!
قالت بانكسار : لا تظلميني فهو لن يطلق زوجته
ارتفع حاجباى دهشة : لقد بدأت التنازلات مبكرا
أخذت أنقل نظراتي بينها وبين مدحت الكومي الذي اقترب منا قائلا لها : هل انتهيتي يا حبيبتي؟
قالت بطاعة : بلى
قلت ساخرة : لا تتعجلها أيها الجني.. أقصد أيها العريس, لا يمكن أن ترحل قبل أن تتلقى تهنئتي بزواجها الأسطورى
حقا, ان ما نالته لم تكن لتحلم به حتى في أيام الجامعة
رجل لا ينقصه
شيء, مال, شهرة, وقريبا جدا سلطة, وعمرا ضعف عمرها, وتجربة حافلة في مجال
النساء, بالإضافة الى ضرة وأولاد لكيلا تشغلى بالك وترهقي جمالك بحمل
وانجاب
التفت الى الكومي وظهرت في عينيه نظرة قاسية وهو يتأملني من فوقي لتحتي : لا أعتقد أن هذا الأمر يهمك كثيرا؟
قلت وأنا أرميه بنظرة أقسى منها : إن هذا الأمر لا يهم أحدا سوى زوجتك الأولى
قال ساخرا : اطمئني, زوجتي تعلم وتوافق على هذا الزواج
قلت ساخرة : حقا!! هنيئا لكم أنتم الثلاثة, فلتشربوها معا بالشفاء
قال ببرود : هيا يا حبيبتي, فليس لدينا وقت نضيعه هنا
رحلا وهتفت من غيظي وأنا أرتمي على الكرسي أمام مكتب ياسر : يا الهي!! أهناك بشر بتلك الشخصيات المريضة!!!
انظر كيف يتكلم بكل غطرسة وتبجح وكأن النساء لعبة بين يديه!!
هذه هي مأساة الزواج الثاني, إنه اهانة للمرأة بكل المقاييس
يجب على الأزهر
أن يصدر فتوى لإيقاف تلك المهازل المهينة, لا بد من تقنين الزواج الثاني
والثالث بأية وسيلة, على الأقل يضعوا له شروطا تعجيزية تكف يد كل من هب
ودب عن استغلال الشريعة لمآربه الشخصية
فجأة تحدث ياسر بجدية : الأزهر لا يمكنه فعل ذلك
هتفت بغيظ : ماذا!!
قال بهدوء : لا يمكن أن نطالب بتغيير جزء من الشريعة لتتناسب مع حالة فردية اصطدمنا بها في حياتنا
اذا لطالب كل من وقع في مشكلة وكل من يريد جزءا أكبر من الميراث بتغيير الشريعة لتتناسب مع مطالبه
قلت بغيظ : تتكلم هكذا لأنك رجل, ان الزواج الثاني والثالث هو امتهان لكرامة المرأة
قال بهدوء : الخطأ ليس في الشريعة لنغيرها, بل في من يستغلونها لصالح أهواءهم
يبدو أنك لم تلاحظي أن الاثنتان قد وافقتا على ذلك الوضع, لم يجبرهما أحد, كان من الممكن أن يرفضا
قلت بضيق : انظر
اليه, انه يحصل على كل ما يريده من نساء, في حين أن آلاف الشباب قد فاتهم
قطار الزواج, ولا يستطيعون التحصل حتى على زوجة واحدة, ولا أمل لهم في
الزواج
انها مشكلة بلد
بأكملها, أحلام الشباب تشيخ وتموت من قبل أن تتحول الى واقع, والأزهر من
واجباته علاج تلك المشكلات التي تدمر الشباب, أو على الأقل التنبيه لها
واصدار فتاوى تكون مرجعا لكل من يحب أن يعود اليها
قال : الأزهر لا يستطيع اصدار فتوى كهذه دون أدلة شرعية
هتفت : وماذا عن المصلحة العامة, والعرف؟ ألا ترى أن البلد الآن بحاجة الى ذلك؟
قال : الأزهر ليس مؤسسة مصرية فقط
قلت بدهشة : ما الذي تعنيه بأنه ليس مؤسسة مصرية؟ العالم كله يعلم بأن الأزهر هو مصر
قال ببساطة : الأزهر موجود في مصر, لكنه ليس تابعا للحكومة المصرية, أو بمعنى أدق, لا يجب أن يكون كذلك
لعقود طويلة والأزهر جامعة عالمية يرتادها المسلمون من كافة الأرض
يرسل دعاة وأئمة
ومفتيين الى كل البلاد يفتون بفتاوى الدين ويعلمون الناس الدين ويقضون في
مشكلاتهم الفقهية بما تعلموه في الأزهر من مذاهب وعلم شرعي
هناك بلاد الزواج الثاني والثالث بل والرابع فيها ضرورة حتمية, وعرف ومصلحة عامة, وفي بعض الأحيان يكون هو الحل لإصلاح المجتمع
عندما يفتى
الأزهر بفتيا تقنين أو تحديد ما أحله الله من زواج ثاني وثالث ورابع, اذا
فهو يتجاهل مصالح تلك البلاد ويتجاوزها الى مصلحة بلد واحد, وهو البلد
الذي يقع فيه
كنت أتأمله
بذهول وأنا أستمع الى كلماته العجيبة, ثم أفقت من شرودى عندما سكت, وسألته
: ولكن, أليس الأزهر هو مؤسسة مصرية تابعة لمصر؟
قال بثقة : الأزهر مؤسسة عالمية موجودة في مصر, يستمد عالميته من الإسلام نفسه, فهو دين عالمي وليس حكرا على بلد دون الأخرى
في رأيي أن
الأزهر يجب أن يكون مثل البيت الحرام والمسجد الأقصى, أى أن يكون وقفا
للمسلمين كافة, فهو منارة العلم لأزمان طويلة, منه انتشر الإسلام في بلاد
لم تكن تعلم عنه شيء
عندما نأتى الآن
ونحوله لمجرد مؤسسة تابعة لدولة ويخضع لسياستها ويتناول علماؤه رواتبهم من
حكومتها , اذا فنحن نقتله قتلا ونحوله الى مسجد عادى كأى مسجد آخر في مصر
بل ونمحو تاريخه الحافل كمجمع اسلامي عالمي يلتف حوله المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها
مع الأسف, لقد فقد الأزهر أهم ميزة فيه وهي أنه مؤسسة عالمية لا تتبع سياسة أى دوله ولا يتحكم فيها سوى شرع الله فقط
لا أدرى ما هذا الهدوء الذي هبط على من السماء بعد أن كانت كل عضلة في مشتعلة بالغضب
لا أفهم بالضبط
كيف صمت صمت التلميذ المطيع أمام ذلك المنطق الهادئ والحوار العقلاني, حتى
استفقت على كلمات أستاذ فؤاد له : أتعلم أنك محق في كل كلمة قلتها, فتلك
هى المأساة الحقيقية التى يعيشها الأزهر الآن
قلت بأسى : ولكن, كيف يمكن أن نمنع أمثال ذلك الكومي من استغلال ماله ونفوذه واستغلال الشرع لصالحه والإستيلاء على ماليس له بحق
تنهد الأستاذ فؤاد وقال بتعاطف : مسكين أيمن, كان يحبها للغاية
قال ياسر متسائلا : ومن أيمن؟
قال أستاذ فؤاد : إنه أخوها, وكان خاطبا لنجلاء
ابتسم ياسر : الآن فهمت, لقد كنت متعجبا من أسلوبك الساخر العنيف معها, كنت تكيلين لها الكلمات الحارقة كيلا
قال أستاذ فؤاد : أميرة صريحة للغاية, لا تستطيع أن تجمل الكلمات ولا أن تسكت عما تراه خطأ
ابتسم قائلا : بلى, رأيت ذلك من أول يوم لي هنا
لم ينظر نحوي,
ولكني أخذت أتأمل ابتسامته الهادئة وأنا أتعجب في قرارة نفسي من عقله
ومنطقه, كان وجها جديدا لم أتعرف اليه قبلا, كما أن أسلوب حواره هادئ
وودود للغاية
يبدو أنني قد اقتنعت تماما برأى أستاذ فؤاد عنه, فمعاملته كزميل ليست شيئا سيئا على الإطلاق
قال بعد صمت : إنها ليست مخطئة
استفزني من جديد فهتفت : ماذا!! ليست مخطئة!!
لقد تركته هكذا ببساطة كما لو كانت تلقي بثوب قديم لديها
قال : أخوك هو المخطئ, فقد أساء الإختيار من البداية
رفعت حاجبي الأيمن قائلة : وما الذي تعرفه عن الحب أيها السيد؟ لقد كان يحبها بجنون, وهي لم تقدر ذلك الحب
رد بهدوء : ذلك هو أصل الداء (يحبها بجنون) مشكلة الحب المجنون أنه أعمى, يعمي صاحبه عن رؤية العيوب في محبوبه
لا شك أنه كان للأمر مقدمات, ولكنه تغافل عنها, أو أقنع نفسه بأنها عيوب بسيطة يستطيع اصلاحها بعد الزواج
لم يختر على أساس سليم, فليحمد الله أن الأمر انتهى في فترة الخطوبة والا لكانت المصيبة أعظم بعد الزواج
صمت مرة ثانية أمام منطقه ولم أستطع الرد, فقد كان محقا
لقد حكى لي أيمن
أكثر من مرة أحداث وحوارات دارت بينه وبين نجلاء, كان ينتقد بشدة بعض
تصرفاتها, لكنه تغاضى عنها من أجل حبه لها وينوى أن يصلحها بعد الزواج
عجبا, انه بالفعل نفس الكلام الذي قاله أيمن لي
.....................................
يتبع.........................

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الثلاثاء 4 يناير 2011 - 2:26


استطاع ياسر أن يثبت للجميع جدارته كصحفي محترف وكاتب ممتاز, وبدأ
يشتهر بين قراء الجريدة بسرعة كبيرة, ليصبح له جمهور لا بأس به يرسل اليه
ايميلات خصيصا له يعبر فيها عن اعجابه بمقالاته وعموده الثابت وتحقيقاته
الجريئة
ورغم شعوري بالغيرة المهنية, الا أنني انضممت الى قائمة المعجبين
بكتاباته, وأخذت أنتظر كل ما يكتبه على نار, سواء في عموده الثابت, أو
تحقيق جديد له
والأكثر من هذا أنه أثبت لنا جميعا أن كل مخاوفنا من شخصيته المنغلقة
وأسلوبه المتشدد لا أساس لها, حتى كمال بدأ يرتاح لوجوده ويمزح معه في
أحيان كثيرة
كان يبدي تعاونا رائعا مع الجميع ولا يرفض أي طلب يطلبه منه زميل أو زميلة, لذلك اكتسب احتراما كبيرا لدى الجميع دون ضجة أو ثرثرة
ولم يمانع عندما عرضت عليه شيرين إحدى مقالاتها ليبدي رأيه فيها قبل أن
تنشرها , فلم يكتفي بإبداء رأيه بل وأخذ يعمل على تصحيح المقالة لغويا,
مما جعل شيرين ممتنة له وتتقبل نقده لأسلوبها وموضوعاتها بصدر رحب
وكنت أتعجب لملاحظاته على مقالها فهي نفس الملاحظات التي نبهتها إليها سابقا ولكنها لم تكن تتقبلها مني
لكنها تقبلتها منه وعملت بها, وعندما تحدثت إلى أستاذ فؤاد بذلك قال لي :
ذلك لأن أسلوبك في النقد لاذع قد لا يتقبله الكثيرين, أما هو فأسلوبه هادئ
منمق, يجيد إيصال رأيه للآخرين دون انفعال ولا حدة
الأستاذ فؤاد محق, فحتى كمال يتقبل نقد ياسر وملاحظاته, بل ويتبع بعضا من نصائحه فقط لأن ياسر قبل بأن يقرأ ما يكتبه كمال
يبدو أن الغيرة المهنية لدي بدأت تتجاوز الى غيرة اجتماعية
فبرغم قدمي في المكان الا أن ياسر استطاع في عدة أشهر قليلة أن يكسب تأييد
وصداقات لم أحققها أنا في سنوات ليصبح نجما ساطعا في المؤسسة ليس فقط
لمهارته كصحفي, بل لمعاملته الممتازة للجميع
لا شك أن تلك الغيرة أثرت على علاقتي به فلقد بدأت أشعر أنه يتجنب الحوار المباشر معي
واذا ما تداخلت برأى أو كلمة في مناقشة بينه وبين أستاذ فؤاد أجده ينهي المناقشة سريعا ويتحجج بأية حجة ليغلق باب المناقشة في وجهي
استفزتني تلك المعاملة بشدة وانتظرت حتى خرج من المكتب لأسأل أستاذ فؤاد عما يحدث بالضبط, فأجابني بكل ما كان يدور في عقلي من هواجس
الأستاذ ياسر يتجنب المناقشة معي بكل وسيلة, وكان استنتاج أستاذ فؤاد
ببساطة هو أن أسلوبي لاذع للغاية وعنيدة في التمسك بما أراه صواب, وليس
بمقدور كل انسان أن يتقبل هذا
رغم ضيقي الشديد من كلماته لكنني أعلم أنه على حق
فبسبب ذلك ليس لي صداقات كثيرة
وبعد هذا الحوار مع أستاذ فؤاد وجدتني أتبع نفس الأسلوب وأتجنب الحديث معه
الا ما تقتضيه ضرورة العمل فقط, ورغم ذلك كنت حريصة للغاية على قراءة كل
ما يكتبه في الجريدة ولم أكن أتخيل يوما أنني سأشعر بكل هذا الضيق عندما
أفتح الجريدة ذات صباح بحثا عن مقاله لأجد بدلا منه اعتذار عن الكتابة
بسبب السفر
نظرت الى مكتبه الخالي أمامي وطويت الجريدة وألقيت بها جانبا بعصبية ثم
نظرت الى أستاذ فؤاد قائلة : أستاذ فؤاد, هل حصل ياسر على اجازة؟
قال : بلى, ودعني أمس وقال أنه سيسافر الى البلد لبعض الوقت
قلت بفضول : أى بلد؟
قال : ياه, أتصدقين!! نسيت أن أسأله من أى محافظة هو
ان تلك اللكنة التي في كلماته تنبئني أنه ربما شرقاوى
قلت وأنا أدعي اللا مبالاة : ألم يخبرك متى سيعود؟
قال : كلا, لم أجد الفرصة لأسأله فقد كان متعجلا
...........................................
أدركت بوضوح هذه الليلة أنني أفتقد شيئا ما
دخلت على أمي حجرتي وأنا جالسة على فراشى والجرائد مبعثرة حولي في فوضى
كبيرة, وأنا أعمل المقص بجد واهتمام في احداها, فقالت بدهشة : ماذا تفعلين؟
قلت ببساطة : أقص بعض المقالات
نظرت الى الدفتر الذي أمامي على الفراش ورأت بعض المقالات قد ألصقتها
بصفحاته بعناية فقالت : عجبا, لم أرك تفعلينها منذ تخرجك!! ألا تشتري
الكتب التي تعجبك!!
قلت وأنا منهمكة في لصق احدى المقالات على احدى صفحات الدفتر : ولكن هذا الكاتب ليس لديه كتب بعد
قالت باسمة : ولم لا تجمعيها في ملف على الكمبيوتر؟
قلت : لا أحب القراءة من شاشة الكمبيوتر, فالكتاب هو حبي الأول والأخير
قالت : اذا لم لا تنتظري حتى يصدر مقالاته في كتاب؟
قلت : لا قدرة لي على الصبر, منذ أن كنت في الإعدادية لو لم أجد الكتاب الذي أريده فأنا أصنعه بنفسي وأحتفظ به
ضحكت وهي تتذكر : نعم, لا يمكن أن أنسى تلك القصة التي استعر تيها من احدى زميلاتك وقضيت أسبوعا في نسخ دؤوب لها حتى أرهقت عضلات كفك
قلت بعتب : طلبت منك أن تعيريني سلفة من مصروفي لأصورها ولكنك رفضتي, أتذكرين؟
قالت باسمة : انه جزء من التربية, كما أنني كنت أريد أن أكتشف الى أين يمكن أن يصل بك العناد والرغبة لتحقيق ما تريدينه
قلت وعينى على العمل الذي أنجزه : كان على اعادتها في الموعد وفي نفس الوقت الإحتفاظ بها ولم يكن مصروفي يكفي وقتها لشراء نسخة منها
قالت بحنان : أعلم أنك تحتفظين بها وتحافظين عليها حتى الآن رغم شراءك
لنسخة منها فالشيء الذي نبذل فيه جهدا كبيرا لا يمكننا التفريط فيه بسهولة
لا أدري لم قفز هذا الموضوع في رأسي الآن لأجد لساني ينطق رغما عني : اذا لم قدمت استقالتك من المنصب الذي تعبت في الوصول اليه؟
تجهم وجهها وأدركت أن كلماتي أصابتها بالضيق, لكنني لم أستطع أن أتراجع,
فقد كان بداخلي حنقا شديدا منذ أن سمعت بنبأ استقالتها, فأكملت وأنا أعلم
من داخلي أنني يجب أن أسكت : كان يجب أن تكملي معركتك للنهاية
ابتلعت مشاعرها وتقبلت ما قلته وردت عليه : عندما لا تقدرين على تغيير ما
ترينه خطأ وتعجزين عن تنفيذ ما تؤمنين أنه صواب بما في يدك من سلطات,
فالأفضل أن تتركي المنصب لمن يقدر على التغيير
لم أعني هذا حقا, ولكنه انسكب من فمي : أكره سياسة الإستسلام للأمر الواقع
قالت بضيق : أنا لم أستسلم, الإستسلام هو أن تخضعي لما يريدونه, وأنا لم
أخضع أبدا, لقد كان المنصب كالبدلة الجبس أعجز عن الحركة فيه أو حتى الكلام
لقد تركت عمادة الكلية واكتفيت بمشاركتي في نادي أعضاء هيئة التدريس, هناك أستطيع الحركة والتحدث بحرية, كما أجد من يعينني
قلت بعصبية : كان عليك فرض سياستك وأسلوبك, الهروب والإستقالة ليس حلا, هل كل مشكلة تواجهنا نرد عليها بالإنسحاب!!
أغضبتها, أعلم أنني أغضبتها, لكن لا حيلة لي, فعندما يقهرني موقف ما أو يستفزني أعجز عن السيطرة على لساني
أستاذ فؤاد محق, وياسر أيضا محق في تجنبه للحوار معي, ففي أحيان كثيرة يتحول لساني الى سوط يجلد أقرب الناس الى
لقد فقدت علاقتي الحميمة بأيمن بهذه الطريقة, والآن, أغضب أمي
لكنها كانت معتادة على أسلوبي هذا وتتقبله مني بصبر الأم وحلمها
تنهدت بأسى وقالت : أنت لا تدركين كيف تسير الأمور هناك في الجامعة, لا يمكن أن أتقبل تدخل الأمن في كل صغيرة وكبيرة وكل قرار أتخذه
قلت بتسرع : بل أفهم تماما, فكل ما تقولينه كان يحدث عندنا في الجامعة وأكثر منذ أن كنت هناك
قالت : إذا فأنت تتفهمين أنني كنت بين خيارين, إما أن أتقبل تلك المعاملة
المهينة والتدخل السافر حتى في أنشطة الطلبة واختيار أعضاء الاتحاد وغيرها
من أمور وأتحول الى عميدة شرفية, أو أستقيل وأحتفظ بكرامتي وحريتي وحب
الطلبة واحترامهم لي
قلت بضيق : أليس هناك حل ثالث؟
قالت : كلا, لم يكن هناك أي حل, فأى قرار أتخذه لا ينفذ الا بعد الموافقة عليه
أى أنها عمادة مع ايقاف التنفيذ
ما كنت لأقبل على نفسي أن أكون مجرد طرطور يجلس على كرسي العمادة, بل
والأدهى أنني مطالبة بالتحدث للطلبة وتبرير تصرفات وقرارات هي أبعد ما
تكون عن مبادئي وأفكاري
قلت بسخرية مريرة : انه تمدد هائل للرقابة على كل شيء
احمد الله أنني اخترت أن أعمل في جريدة تابعة لمؤسسة عالمية فهي تمنحني الحرية في كتابة ما أريده
قالت ساخرة : نعم, لأن توزيعها أقل هنا
ضايقتني الكلمة ولكنها محقة, فزفرت بضيق وعدت أنهمك في عملي لصناعة كتابي الخاص لكاتبي المفضل الجديد الذي لم يصدر له بعد أى كتاب
....................................
يتبع..............................................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الثلاثاء 4 يناير 2011 - 2:54

أخيرا عاد من اجازته
وجدناه يدخل علينا المكتب في الظهيرة, لكن مظهره كان غريبا, كان يحمل حقيبة سفر صغيرة من النوع الذي يعلق على الكتف بالإضافة الى حقيبة أوراقه الجلدية
ملابسه غير مهندمة, وشعر لحيته طويل والإرهاق باد في ملامحه
لأول مرة أراه على تلك الحالة, فقد كان دائما حريص على أناقة مظهره
سلم على الجميع بصوت بدا فيه الإرهاق واضحا, ورحب به أستاذ فؤاد وهتفت أنا : ياسر, حمدا لله على سلامتك
أجاب ببضعة كلمات غير مسموعة واتجه مباشرة الى مكتبه, ووضع حقيبة السفر بجوار مكتبه على الأرض
ثم بدأ يفرغ محتويات حقيبته الجلدية على المكتب
قفزت من مكاني واتجهت الى مكتبه وسألته بفضول : لم أوقفت مقالاتك الفترة السابقة؟
قال بشرود وهو يواصل افراغ محتويات الحقيبة ببطء : كنت مسافر
قلت : كان بإمكانك ارسالها عبر الإنترنت, من الخطأ أن توقف عمودك لأى سبب بعد أن اكتسبت قاعدة من القراء
لم يرد مباشرة, كان يبدو عليه أن عقله مشغول وذهنه شارد, بل كان يبدو وكأنه لم ينم منذ وقت طويل
لكنه قال بعد مدة : أهناك شيء؟
قلت وأنا أجلس على الكرسي المقابل لمكتبه : نعم, كنت أنتظر مقالاتك وساءني كثيرا أن أفتح الجريدة فأجد اعتذارك بدلا من المقال الذي أنتظره, كان يجب أن ترسل المقال في موعده
قال بعد صمت : لم أكن أستطيع, فالمقالات كانت بحاجة لتنقيح, ولم أجد الوقت الكافي لذلك
وضعت مرفقي على المكتب وأسندت خدي الى كفي وقلت بابتسامة كبيرة : كان بإمكانك الاستعانة بصديق
لم يبدو عليه أنه سمعني, فقد كان منهمكا في تنظيف حقيبته واخراج بعض الأوراق التالفة منها وإلقائها في السلة
كان مظهره عجيبا كما لو كان عائد لتوه من رحلة طويلة مرهقة
قلت : أستطيع أن أساعدك في تنقيح بعض مقالاتك
لم يرد, كان شاردا تماما, لكن كمال الذي كان متابعا للموقف لم يترك الأمر يمر دون تعليق سخيف من تعليقاته : هنيئا لك سيدي
التفت وألقيته بنظرة قاسية أخرسته, عدت الى ياسر الذي يبدو أنه لم يسمع كلمة مما قيل, فأعدت طلبي بإلحاح : ياسر هل يمكنني مساعدتك في تنقيح المقالات؟ فنحن زملاء
التفت الى لأول مرة وقال بعينين شاردتين : شكرا, أستطيع تدبر أمورى بنفسي
أصابني رفضه بالضيق, ولكنني أخذت أراقبه وأراقب أشياءه وأوراقه التي بعثرها على المكتب, وبالطبع خاتمه الفضي المميز الذي أجهل حقا لم يجذب عيناى بهذه الطريقة
التفت الى أستاذ فؤاد قائلا : هل أذن الظهر؟
رد مباشرة : بلى,منذ ربع الساعة
وضع كفيه في جيبي البنطال وكأنما يبحث عن شيء ما لكنه أخرجهما خاليتان وتنهد قائلا : حسنا, اذا طلبني أستاذ زكي أرجو أن تخبره أنني أصلي الظهر
قال أستاذ فؤاد وهو ينهض من كرسيه : سأرافقك
بادرته قائلة قبل أن يخرج من المكتب : إن سأل عنك سأخبره أنك تصلي
قال ولا زال الشرود في عينيه : شكرا
غادر المكتب مع أستاذ فؤاد وبقيت أنا جالسة في مكاني وعيناي على أوراقه يتملكني فضول قاتل لقراءة أى شيء كتبه, ورغم ترددى أن يغضب إن مددت يدي الى أوراقه لكن شوقي الشديد لأسلوبه الآسر في الكتابة غذى فضولي ودفعني للعبث بأوراقه, لكن يدي تجاوزت الأوراق لتمتد مباشرة وبطريقة مغناطيسية لدفتر بني موضوع بجوار الأوراق, أخذته على الفور وبدأت في تصفحه, وسمعت شيرين من خلفي تقول : أميرة! ماذا تفعلين!! ربما غضب ياسر
قلت باقتضاب أسكتها : كلا, لن يغضب
فجأة وجدتني أغوص في صفحات الدفتر داخل سطوره بين حروفه ليبدو لي وجها جديدا تماما لياسر
وجه أديب حقيقي
لقد وقعت على كنز, فالدفتر يمتلئ بالخواطر الرقيقة والقصص القصيرة الرائعة
سحرتني تماما رقة المشاعر التي تنضح من كلماته, وأخذت أقلب الصفحات بنهم لا أسمع ولا أرى ما حولي, لكنني استفقت على صوته فوق رأسي تماما يقول بصوت جاف : أيمكن أن أعرف ما الذي تفعلينه بالضبط بأغراضي!
لم أظهر شيء من ارتباكي له, ولم أحول عيني عن الدفتر, بل تظاهرت أنني لم أسمع شيئا مما قال, بل لم أشعر حتى بوجوده
فهتف بصوت اتضح فيه الضيق : آنسة أميرة
ارتحت كثيرا للعبة الصمم التى أمثلها فتماديت فيها وهو يناديني بغيظ ولا أرد
وشعرت به يلتفت الى أستاذ فؤاد متسائلا دون كلام عن كيفية التخلص من ذلك المحتل, وكعادته هز أستاذ فؤاد أكتافه كمن أسقط في يده ولم يتدخل, لم أكن بحاجة لأنظر اليهما لأعرف ما يدور حولي, فقد كانت عيناى على الدفتر وعقلي معهما
سمعت كمال يقول ساخرا : لن تنجح أبدا في زحزحتها
زفر ياسر بزهق وقال بصوت مرتفع : آنسة أميرة
التفت اليه وقلت ببطء وكأنما انتبهت لتوى لوجوده : هه!! أهناك شيء!
قال بغيظ : بلى, أتسمحين؟
قلت ببراءة مصطنعه : أسمح بماذا؟
قال بحدة : دفتري, أريد دفتري
قلت بشرود تمثيلي : أى دفتر!!
قال بزهق : هذا الذي بين يديكي
قلت وأنا أعود للقراءة : حسنا....
اغتاظ أكثر عندما لم يجد مني أى ردة فعل وقال بحدة : آنسة أميرة, أتسمحين بالدفتر
مثلت انهماكي التام في القراءة ونهضت ببطء من الكرسي وعدت الى مكتبي, وعندما أعطيته ظهرى ألقيت بنظرة من جانب عيني الى أستاذ فؤاد الذي بادلني النظر ولم يتكلم
هتف ياسر بغيظ : الدفتر لو سمحتي
قلت وأنا أجلس خلف مكتبي دون أنظر اليه : سأعيده اليك حالما أنتهي من قراءة هذه الصفحة
قال كمال ضاحكا : كان غيرك أشطر
زفر ياسر بغيظ وعاد الى مكتبه وأخذ يجمع أوراقه بعصبية وأنا أكتم ضحكاتي حتى لا أستفزه أكثر, ثم غادر الغرفة متجها الى مكتب زكي واستمتعت أنا بصفحات وصفحات أخرى من القراءة, حتى عاد الى المكتب, لكن عودته هذه المرة كانت كالريح العاصف, كان غاضبا بشدة مما جعلنا ننتبه اليه جميعا بعجب
أخذ يلملم حاجياته بعصبية ويدسها في حقيبته, وعندما سأله أستاذ فؤاد عما حدث قال بصوت غاضب : زكي رفض نشر المقالات
هتفت بدهشة : ماذا!!
كانت سابقة لم أسمع بها من قبل في الجريدة, لذلك فقد استثارني الأمر بقوة, وانتبهت له بكل حواسي
سألته شيرين بدهشة : لم؟ ماذا كتبت ليرفض نشره
قال بصورة مقتضبة : كتبت الحقيقة كما هي
سأل كمال بفضول : أهو موضوع ديني!!
لم يرد ياسر, لكن أستاذ فؤاد قال : اهدأ قليلا واجلس لنتحدث ربما وجدنا حلا للمشكلة
قال : تلك المشكلة لا حل لها
نهضت من خلف مكتبي قائلة بحماس : كيف يرفض نشر مقالاتك!! نحن في صحيفة حرة, اسمع, سأذهب الي مكتبه وأسمعه ما لم يسمعه في حياته, كيف يفكر هذا الرجل؟ هل سيفرض علينا وصايته!!
حمل حقيبته الجلديه وحقيبة السفر الصغيرة واتجه الى مباشرة قائلا بصوت آمر : الدفتر لو سمحتي
كان الغضب الذي في عينيه كفيل أن يخرسني تماما ويجعلني أسلم اليه الدفتر دون اعتراض أو حتى رجاء أن يبقيه معي لعدة أيام, لكن ياسر الهادئ الرصين لم يكن أبدا في حالته الطبيعية هذا اليوم
غادر المكان وتركنا في حالة اندهاش وتعجب من الموقف كله مما جعلني أسأل أستاذ فؤاد بتعجب : ما الذي يمكن أن يكتبه ليرفض زكي نشره؟
كان الموقف يضايقني بشده, فهو بمثابة جرس انذار أن موقف كهذا يمكن أن يتكرر معي ولا أدري وقتها كيف يمكن أن أتصرف
لكن ما أنا متأكدة منه هو أنني لن أسكت أبدا
كما أن خروج ياسر بهذه الطريقة الغاضبة جعلني أقلق ألا يعود ثانية, أو يقدم على تقديم استقالته
................................................
أصيل.....
حصاني المفضل, ذلك الصديق العزيز الذي كلما فكرت أن أذهب الى النادي, لا أركب غيره, وخليل السائس يعلم ذلك جيدا, وكلما انتويت أن أذهب الى النادي أتصل به قبلا ليعد لي أصيل
انها متعتي الحقيقية التى تمنحنى الشعور بالراحة والهدوء, وتزيل عني أى ضيق
فكلما اشتد ضيقي لا أجد سواه ليخفف عني
الحصان هو أجمل صديق للإنسان, وكلما توطدت الصداقة بين الإنسان وحصانه فهما يتشاركان مشاعر الفرح والضيق
رغم استمتاعي بالوقت الذي قضيته على ظهر حصاني, الا أنني كنت بحاجة الى التحدث الى صديق من نوع آخر, صديق من البشر
صديق أثق به وبرأيه, صديق أحب الإستماع اليه منذ سنوات طويلة
انه يحيى
اتصلت به على هاتفه المحمول, وطلبت منه باصرار أن يلتقيني في النادي
في البداية رفض متحججا بانشغاله بالعمل, لكني كنت أعرف من طول عشرتي معه كيف أجعله ينفذ ما أطلبه منه
وبالفعل أتى استجابة لإلحاحي الممزوج بقليل من الدلال وبعض التهديد
ابتسمت عندما رأيته قادما نحو الطاولة التى أجلس عندها, ولوحت له بطول ذراعي ليراني
ياه, مضت فترة طويلة لم أره فيها, كان هو منشغلا ما بين تأسيس عيادته الخاصة والعمل الدءوب في المستشفى الخاص, فهو جراح أنف وأذن وحنجرة, ولمت الظروف والحياة التي فرقتني عن صديق عزيز مثله, وأخذت أسترجع ذكرياتي القديمة معه والتي أعدتها الى حجرة الذاكرة بمجرد أن وصل عندي
قال وهو يصافحني بحرارة : مرحبا أميرة, حقا اشتقت اليكي كثيرا, وافتقدت مزاحك وضجيجك ومشكلاتك
قلت مبتسمة بسعادة لرؤيته : بل كيف حالك أنت, ألا تسأل عني! ألا تهتم إن كنت لا زلت حية أم ميتة
ارتمى على الكرسي المقابل لي وقال بتأفف : هل أتيتي بي الى هنا لأستمع الى موشح اللوم والعتاب والأيام الخوالي
قلت أغيظه : كلا, بل لأذكرك أنني عندما أحتاجك في مشكلة أو أستشيرك في أمر, فعليك أن تلبيني دون نقاش
نظر الى وقال مازحا: سمعا وطاعة يا أميرتي
أعلم أنكي لا تستدعيني بتلك الطريقة العاجلة الا عندما يكون هناك موضوع يأكل عقلك وتفكيرك وتريدين البوح به
قلت باسمة : يعجبني ذكاءك, لا أحد في هذا العالم يفهمني مثلك, فمن لي غيرك يا صديقي العزيز يسمعني وينصحني!!
قال ساخرا : دون بكش, أو أونطة ماذا وراءك؟
ولكن قبل أن تبدأي أخبريني أولا, كيف حال أمك؟
قلت بغيظ : لقد استقالت
قال : بلى أعرف
قلت : وما رأيك؟
قال بأسلوبه العملي : رأيي أنها راشدة وعقلها يزن بلدا بكامل ما فيها, ولها حق اختيار ما يناسبها فلا داعي لتنغصي عيشها كل يوم بكلامك المسموم
قلت متهكمة : ومنك نتعلم يا سيد يحيى
قال : دكتور, دكتور, هل أنقشها على يدك؟
وأيمن, أهناك جديد بشأنه؟
قلت : كما هو, بل يزداد سوءا
قال : أظنه يحتاج لشيء قوى يشغل عقله وتفكيره
قلت : دعنا منه فقد بدأ ينتابني اليأس من تصرفاته
قال : حسنا, وماذا عنك؟ ما جديدك؟
قلت مباشرة : ياسر حسين
هتف بدهشة : من!!
قلت : ياسر حسين, زميلي في الجريدة, انه كاتب وأديب موهوب
قال باسما : تغيير جذري في الأفكار, هل دق القلب أخيرا؟
قلت بتحذير : لا تجعل عقلك يذهب بعيدا, انه فقط زميل, والآن, كاتبي المفضل
أخرجت الدفتر الذي صنعته لمقالاته ومددته نحوه وقلت : عليك أن تقرأ هذا وتعطيني رأيك بمنتهى الصدق
أخذ يقلب في الدفتر قليلا ثم قال بتأفف : ألم تنسي تلك العادة الطفولية!! ألم تسمعي عن شيء اسمه الكمبيوتر يتم تخزين الملفات به!!
قلت : لا شأن لك بما أفعله, المهم أنني أريد رأيك في أسلوبه, غدا سأتصل بك لأسمع رأيك, واياك من غضبي إن عرفت أنك لم تقرأ بعد
قال مغتاظا : ياللتفاهة, استدعيتني الى هنا على وجه السرعة من أجل هذا فقط؟
قلت بثقة : بالطبع, ألست أنت من علمني الإدمان على القراءة! حتى أنني لم أكن أقرأ الا ما تختاره أنت لي, والآن عليك أن تتحمل مسئولياتك وتعطيني رأيك فيما أقرأه
نظر الى نظرة أعرفها جيدا وقال : وماذا أيضا؟ هيا ألقي الي بما يقلقك مرة واحدة
تنهدت : إن ما يؤرقني حقا هو أنه قد لا يستمر في الجريدة
رأين هذا في عينيه اليوم بعد أن رفض زكي نشر مقالاته
قال بدهشة : لم؟ ما الذي كتبه ليتم رفضه؟ هل أساء الى شخص أحد؟
قلت : لا أعتقد, فهذا ليس أسلوبه في الكتابة, ولكن ما حدث له قد يحدث لي أنا أيضا في يوم ما, عندها قد أقيم الدنيا ولا أقعدها
قال : أفهمك تماما, مجنونة وتفعلينها
لكن اعلمي أن الجريدة التي أنت فيها الآن هي منتهى أمل لصحفيين كثيرين, كما أنها تتمتع بسقف للحرية أكثر من غيرها, وتأكدي أنك لو تركتيها وعملت في أى مكان آخر فستواجهين بنفس الموقف
قلت مندهشة : اذا فلا حرية كاملة هنا!!
قال : بلى, هناك دائما سقف لا يمكنك تجاوزه, أو الطيران خارجه, لكن ارتفاعه يختلف من مكان الى مكان
قلت : وما الحل في نظرك وأنت رجل صاحب خبرة في الحياة وتدرك معنى الحرية جيدا
قال : لا حل, عليك أن تتقبلي الواقع وتتعايشي معه
وقد يكون الإنترنت بديلا مؤقتا وصالح لنشر المقالات الممنوعة في الصحف
يمكنك أن تؤسسي مدونة لكي
قلت باحباط : تعلم أنني رغم اجادتي التامة للكمبيوتر لكنني أفضل القراءة والكتابة والنشر بالأساليب القديمة, فذلك يشعرني بأنني واحدة من الصحفيين العظام الذين أدمنت القراءة لهم
قال ساخرا : كلاسيكية أنت ورومانسية للغاية يا حبيبتي
ويبدو أن صديقك هذا من نفس النوع, والا لما غضب كل هذا الغضب وفكر أن يترك عمله لمجرد أن بعض مقالاته لن تنشر
قلت بشرود : أتعلم أنك محق, إنه بالفعل كذلك
لديه دفتر بني يكتب فيه خواطر وقصص قصيرة
سأموت لو لم أستعير منه هذا الدفتر لأنسخه أو أصوره
هتف ساخرا : متعك الله بالعقل الرشيد
ما بال هذا الجيل كثر فيه المجانين!!
ألا زلتم تكتبون في الدفاتر والدول المتقدمة اخترعت الورق الإلكتروني!! ألا تستخدمين الكمبيوتر أيتها المتحضرة!!
لم أرد على كلماته الساخرة, فقد كنت أفكر في ياسر وما كتبه في الدفتر وأنا أقول : ليتك تقرأ ما في هذا الدفتر
قال : لم يعد لدي الوقت الكافي للقراءة كما في الماضي أيتها الحالمة
فأنا الآن أكافح لإفتتاح العيادة الجديدة
قلت ساخرة : حسنا, لا تنسى أن تدعوني للإفتتاح وسأحضر معي باقة فاخرة من الشاش والقطن والمطهرات
انتبهت لمحمولي يرن وعندما نظرت في شاشته ووجدت اسم استاذ حمدي تغير وجهي, ولاحظ يحيى ذلك لكنه لم يعلق
ورغم ترددي أن أرد عليه لكنني فتحت المحمول أخيرا : مرحبا أستاذ حمدي
قال بصوت جاد : مرحبا أميرة, أين أنت؟ لم أسمع صوتك من مدة؟
قلت باعتذار : عفوا انشغلت قليلا ببعض الأمور
قال : لا بأس, أنا أدعوك الى النقابة الأسبوع القادم لتحضرى الندوة التي تقيمها اللجنة
قلت : الحقيقة أنا آسفة فلن أستطيع المجيء لأن...
قاطعني بضيق ظهر واضحا في صوته : ألن تكفي عن التهرب؟
هتفت مدافعة : أستاذ حمدي, أرجوك, أنا...
قاطعني ثانية : الحقيقة أنني لا أتوقع منك أنت على وجه الخصوص هذا الموقف
قلت باحتجاج : لم يكن...
لم يدعني أكمل : حسنا, أنت حرة, أنا لن أضغط عليكي, ولكن اعلمي أن اللجنة بدأت عملها بالفعل
أكمل بصوت بالغ الأسى : الوضع أسوأ بكثير مما يمكنك أن تتصوريه, أو حتى مما يعرض عبر وسائل الإعلام والصحف
قلت : فقط أعطني فرصة...
قال بحزم : خذي الوقت الذي تحتاجينه, ولكن دعيني أقول لكي بكل صدق نحن في حاجة اليكي
أنهى المكالمة بعد أن ترك في حلقي غصة أعجز عن ابتلاعها
بقيت شاردة لفترة وأنا ممسكة بالمحمول بين أصابعي حتى قال يحيى ساخرا : هاى, الى أين ذهبت؟ لقد انتهت المكالمة منذ دهر
نظرت اليه دون أن أرد, فقد كانت خلايا عقلي في حالة صراع رهيب
قال بفهم : الا زال يلح عليك؟
هززت رأسي مؤيدة وأنا في قمة الضيق
قال باسما : اطمئني, عما قريب ستحسمين أمرك وتتخلصين من كل تلك الضغوطات
تنهدت بضيق : متى هذا؟
قال : بمجرد أن تعلني موافقتك
نظرت اليه بدهشة : أنت واثق للغاية!!
قال باسما : أفهمك تماما يا حياتي, لن يمضي وقت طويل حتى توافقي
قلت : ولكن ألن تحاول اقناعي بالعكس؟
قال بمكر : من قلة العقل أن أرهق نفسي في قضية منتهية
فطالما اسم جلال ملتصق باسمك فلن تفلتي أبدا من هذا المصير, انه طريق ولا بد أن تسيري فيه, وانت موقنة بذلك في داخلك
لذلك فقد حسمت أمرك منذ وقت طويل يا صغيرتي
ولكن كل ما تحتاجين اليه هو شخص يقول لكي لا تفعلي
أتدرين لم؟
لأنك تعشقين التحدي, ومخالفة الآخرين
ضعي في رأسك أنني لن أكون هذا الشخص أبدا
فليس لدي الوقت الكافي لأعمل على تكسير رأسك الحجري
كان يحيى هو الأقرب الى, أقرب حتى من أيمن, يستطيع أن يفهمني ويكشف ما بداخلي بسرعة
لا عجب فقد تربى معنا في البيت
وقضى معنا فترة طويلة حتى التخرج من الجامعة
وكان أبي رحمه الله يعتبره فردا من الأسرة ويساعده في دراسته
فهو أصغر إخوة أمي, ويكبرني بعشر سنوات, تولت أمي مسئوليته بعد وفاة جدي وجدتي وهو لا يزال في الثانية عشر
لذلك فأنا أدعوه يحيى لتعلقي الكبير به منذ أن كنت صغيرة, وذكرياته الرائعة معي
كان دوما ما يلاعبني ويستذكر معي دروسي ويقرأ معي القصص ويشرح لي المعاني التي أعجز عن فهمها لصغر سني
وكم من مرة يخفي عن أبي وأمي أفعالي الشيطانية وأخطاء الطفولة
ولكم اصطحبني أنا وأيمن الى النادي, وكنت أحب تشجيعه لي وأنا في خطواتي الأولى لركوب الخيل
والآن, تغير كل شيء, فمنذ أن عاد من بعثته الدراسية في لندن واستقل في السكن
بدأ يجري خلف مستقبله المهني وانشغل عنا
ولكني دائما ما أشتاق اليه, خاصة لو كان هناك أمر يحيرني أو موضوع شائك أحتاج فيه لرأيه


........يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الثلاثاء 4 يناير 2011 - 2:56

في اليوم التالي ذهبت للجريدة وأنا متوجسة ألا يأتي هذا اليوم
لذلك كانت سعادتي عظيمة حينما وجدته خلف مكتبه, فلم أستطع أن أمنع انفعالي, واتجهت مباشرة الى مكتبه وجلست أمامه وقلت والحماسة تأكلني : رائع أنك هنا, هل يعني هذا أنك توصلت الى حل مع زكي؟
(ما هذه الجرأة)
هكذا قالت لي نظراته المندهشة, يبدو أن استفزازاتي المستمرة له بدأت تغيظه ولكنني تجاهلت تعبيرات وجهه وما تقوله عيناه وانتظرت اجابته, وبالفعل زفر بضيق وأجاب : كلا
قلت بدهشة : اذا فالمقالات لن تنشر!! كيف تستسلم بتلك السهولة؟
قال ساخرا : ألديك اقتراحات أخرى سيدتي!!
قلت بعجلة : أجل, تذهب اليه ثانية وتهدده ان لم ينشر....
قاطعني قائلا بدهشة : أهدده!!!
يبدو أنك لم تفهمي الأمر على الوجه الصحيح, فزكي لا يتصرف من عقله
هزتني كلماته فلا يمكن أن تكون الرقابة قد وصلت الى هنا أيضا : اذا فلا حل في نظرك
قال متهكما : أحاول التعايش مع الأمر الواقع فلا شيء مكتمل
وعلى أن أعترف أن سقف الحرية هنا أعلى من الصحف والمجلات التي عملت بها سابقا
نظرت اليه بدهشة كبيرة فلا زالت آثار تلك الكلمات في أذني من أمس, ترى أهو توارد خواطر أم أنه كلام العقل والمنطق؟
ابتلعت ريقي وقلت : وماذا تنوي أن تفعل بالمقالات التي لن تنشر؟
قال مندهشا : لا أفهم لم تهتمين بهذا الأمر الى هذه الدرجة؟!!
قلت بصدق : لأن هذا الموقف يمكن أن يتكرر معي
قال : عندها يمكنك أن تؤسسي مدونة على النت, ربما كان ذلك حلا مؤقتا للمشكلة
ونصيحة, أسرعي قبل أن تفاجئي بإغلاق المدونات
للمرة الثانية أفاجئ بكلماته, انها نفس كلمات يحيى
عدت الى مكتبي والأفكار تتصارع في رأسي
أشد ما يستفزني هو أن تمس حريتي, لهذا تأثرت كثيرا بما حدث لياسر
مر أكثر من نصف النهار دون أن نتبادل أى حوار, فقد انشغلت تماما بعملي
لكنني انتبهت فجأة أن ياسر ليس على مكتبه, فسألت أستاذ فؤاد : أين ياسر؟
قال ببساطة : أظنه في حجرة الاجتماعات يشاهد التلفاز
نظرت في ساعتي وقلت بدهشة : الآن!!
قال : بلى, أظنه يتابع أخبار منتصف النهار
اتجهت مباشرة الى غرفة الاجتماعات لا أدري لم ساقتني قدماي الى هناك؟ لم أبحث خلفه وخلف موضوعاته وقلمه؟ بل ربما أبحث خلف عقله!!
انه سؤال أعجز حقا عن الإجابة عنه
كان هناك يجلس وحيدا وبالفعل يتابع الأخبار
قطعت القاعة الكبيرة لأصل عنده ووقفت بالقرب من الكرسي الجالس عليه أتابع نشرة الأخبار التي على الشاشة, كانت المراسلة شروق تنقل تقريرا مصورا من على الحدود, وكان الخبر في نهايته وأنصت اليها وهي تقول : واكد الطبيب انه من اصل ستة الاف فلسطيني عالقين في مصر وغير قادرين على العودة الى قطاع غزة "هناك 20 % مرضى ومن ذوي الاحتياجات الخاصة وحالتهم تزداد سوءا يوم بعد يوم".
واضاف "هناك اكثر من 200 مواطن اضربوا عن الطعام من العالقين".
"وجميع الطواقم الطبية والصحية تناشد بفتح معبر رفح امام العالقين خوفا من ازياد الوضع سوءا".
انتهى الخبر واختفت شروق من على الشاشة
لكن الخبر ترك تساؤلا كبيرا في عقلي خرج على لساني : سمعت أن المعبر فتح بالفعل!!
ظننته شاردا عندما لم أتلقى رد على سؤالي, لكن زفرة حارة خرجت من صدره أوحت لي بعكس ذلك, فالتفت اليه لأرى وجهه مقفهرا متجهما بصورة غريبة
فعدت أتابع ما يجري على الشاشة لتتوالى الأخبار تباعا ولكن هذه المرة من قلب غزة من داخل مستشفياتها ومن قلب بيوتها وشوارعها, وأعلن المراسل عن موت الحالة رقم ثلاثون بسبب نقص العلاج
ثم قام بجولة بالكاميرا داخل المستشفى وفي قسم الحالات الحرجة ومدى سوء الوضع فيها بسبب انقطاع الكهرباء لمدد طويلة
قلت بمرارة : لا أصدق أن يحدث هذا في عالم ينادي بالحرية وحقوق الإنسان
كنت متأكدة أنه لن يرد, بل لن يسمع كلماتي وكل تركيزه في الشاشة الكبيرة وما يعرض عليها من صور وأحداث يحترق لها الفؤاد ألما
لكنه خالف توقعاتي وقال وكأنما يخرج صوته من أعماق الغضب : الحقوق فقط للعالم الأول والثاني, أما العالم الثالث فهم من وجهة نظرهم لا يعدون من البشر
التفت اليه ونظرت الى جانب وجهه, كان التعبير الذي على وجهه مخيفا بحق
ابتلعت ريقي وبدأت أشعر بالتوتر والقلق ولكنني قلت بأسى : لا أفهم, ما ذنب الأطفال ليدفعوا ثمن شيء لم يرتكبوه!!
قال بصوت رخيم : ذنبهم كذنب العالقين على الحدود من شهور وكل أملهم في الحياة أن يعودوا لديارهم
ذنبهم أن بطاقة هويتهم مكتوب فيها فلسطيني
القى بجهاز التحكم بالتلفاز على الطاولة التي أمامه بعصبية وهو يزفر بضيق, وقام من مكانه ومر من جانبي متجها الى باب القاعة
لكنني استوقفته قائلة : ياسر
كنت أظنه سيواصل طريقه ويغادر الغرفة دون أن يهتم لي, لم أتوقع حقا أن يتوقف ويلتفت لي ويقول بهدوء : نعم
أعطاني رد فعله الذي لم أتوقعه بعض الشجاعة, فابتلعت ريقي وقلت بتردد : لقد, لقد كنت هناك, أليس كذلك؟
لم يرد, ولكنني قرأت الإجابة واضحة في عينيه وضوح الشمس, لم يتكلم لكن عيناه كانت تمتلئ صدقا
أحببت أن أتأكد أن ما استنتجته صحيحا فقلت : المقالات التي لم تنشر كانت عن هذا الموضوع, لقد كنت هناك
لم ينفي أو يؤكد كلامي فقط التف وغادر القاعة بخطوات سريعة دون كلمة واحدة
.................................................. ...
قضيت الليل مستيقظة في فراشي أفكر فيما رأيته اليوم على الشاشة, لتتداعى الى ذهني صور كثيرة
صورة بعد صورة وصورة فوق صورة لتتكتل الصور وتكون هرما كبيرا يثقل رأسي وقلبي
صور أطفال يشقون ظلام الليل المخيف بشمعة
صور أطفال يستذكرون دروسهم على شعاع ضوء خافت يتراقص يمينا ويسارا
بشر يستدفئون من لفحات البرد القارص ببقايا فرش وأثاث كان لهم
مرضى في الرعاية الفائقة تحت أجهزة القلب والتنفس يزحف الموت حثيثا اليهم مع انقطاع الكهرباء
أطفال حديثي ولادة وفي الحضانات لا يكملون أيامهم الأولى في الحياة بسبب نفاذ الجاز وشح العلاج ولبن الأطفال الطبي
صور موجودة في الذاكرة من أشهر عديدة ما كانت لتظهر في حيز التفكير , الا مع مشاهد جديدة أفظع منها بالإضافة الى أرقاما واحصائيات تدعمها
لقد كان ياسر هناك بالفعل, انه يتألم بعمق كشخص رأى الحقيقة بأم عينه ولامسها بجوارحه
ترى هل حان الوقت, أم لا زال مبكرا؟
كنت أنتويها بالفعل, انها بداخلي منذ زمن طويل, لعدة مرات كدت ألبي دعوة الأستاذ حمدي, ولكن كان يحدث شيء يلهيني
فاهتمامي بالمشاكل الداخلية وما يحدث من أحداث رهيبة وحوادث مفزعة في المجتمع المصري هو من أول أولوياتي مما جعل تلك القضية تصبح في الإهتمام الثاني والثالث في عقلي
لكن أستاذ حمدي يرى في غير ذلك
يرى في حماسة واندفاع وايمان يثري أية قضية فقط لو اقتنعت بها وجعلتها من أولوياتي
رنت كلماته في عقلي كجرس انذار (دعيني أقول لكي بكل صدق نحن في حاجة اليكي)
آلمتني عبارته للغاية, تذكرت من جديد ما قاله عن سوء الوضع هناك, بل هو أسوأ بكثير مما نراه على الشاشات ونقرأه في الصحف, هكذا قال لي
أضأت نور الغرفة, وقفزت من فوق الفراش وأخذت اللابتوب وجلست على الفراش وفتحته وفي محاور البحث أخذت أبحث عن كل خبر وكل كلمة عن هذا الموضوع
وجدت تقريرا يقول إن ((الامم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية و الصليب الأحمر تنذر بحدوث كارثة حقيقية فى قطاع غزة ، فهناك 30 حالة وفاة حتى الان بسبب الحصار ،و أكثر من ألف حالة مرضية تتعرض لخطر الموت وأصحابها بحاجة ملحة للعلاج خارج غزة
وبلغ عدد الأصناف الأساسية من الأدوية والتي نفد مخزونها حوالي 100 صنف، يضاف إليها 83 صنفاً على وشك النفاد، بالاضافة الى تعطل عدد كبير من الأجهزة والمعدات الطبية بسبب عدم توافر قطع الغيار اللازمة لإصلاحها نتيجة الحصار،
المواد الأساسية تضاعفت أسعارها أربع إلى خمس مرات على ندرتها، الوقود انخفض مخزونه إلى مستويات دنيا، بحيث لم يعد بمقدور أحد التنقل من بيته إلى مكان عمله بسبب غلاء وقود السيارات وعدم توفره.
توقفت جميع المصانع والورش والمعامل عن العمل وعددها (3500) مصنع ومشغل، بسبب عدم دخول المواد الخام اللازمة لتشغيلها، مما تسبب في بطالة (65,000) عامل كانوا يعملون بها ، ليلتحقوا بجيش العاطلين عن العمل
نقص شديد في مياه الشرب منذ قصف محطة توليد الكهرباء، ومحطات تنقية المياة العادمة في سبيلها إلى التوقف التام إذ أن مضخات المياه تعمل بواسطة الكهرباء، وحاليا يستعمل السكان المولدات من أجل ضخ المياه، إلا أنها محدودة جدًا بسبب النقص في الوقود. في غزة فقط، يعاني 20،000- 30،000 من نقص شديد في مياه الشرب. . ، مع ما يعنيه ذلك من إمكانية حدوث كوارث بيئية حقيقية.
وبسبب انقطاع التيار الكهربائي وانقطاع الوقود عن غزة فإن أجهزة تطهير المجاري لا تعمل ويؤدي هذا إلى تلويث بيئي خطير جدًا سيطال مصر وإسرائيل أيضًا
. كل ذلك يُضاف إلى مايعانية حوالى 750 فلسطينى محاصريين على الجانب المصرى لايسمح لهم بالعودة ، يعانون من انعدام المأوى و الطعام و النقود و العلاج (من موقع اللجنة المصرية لفك الحصار)
انتزعت عيناى من شاشة الكمبيوتر عندما سمعت صوت طرقات هادئة على الباب
.................................................. .............
يتبع.......................................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الثلاثاء 4 يناير 2011 - 2:57

طرقات أصابعا الرقيقة تعلن عن نفسها دون حتى أن أسأل من, وسمعت صوتها الهادئ يقول : أميرة, هل أنت مستيقظة؟
قلت مباشرة : أجل يا أمي, تفضلي
دخلت أمي وجلست بجوارى على الفراش وقالت : ما بال أميرتي قلقة في تلك الساعة المتأخرة من الليل!! أهناك ما يشغلك؟
قلت : بلى
نظرت الى الصور التى تعرضها شاشة الكمبيوتر ثم تنهدت بألم : لا حول ولا قوة الا بالله
في حياتي كلها لم أتوقع أن يأتي على يوم وأرى بعيني كيف وصل بنا الحال الى هذه الدونية
طغى التشاؤم والظلام على كل حياتنا حتى أصبحنا نستيقظ كل يوم على عبارة هل من مزيد؟؟
قلت بأسف وأنا أحرك فأرة الكمبيوتر واستدعي مزيدا من الصور والأخبار : هناك دائما أمل في انصلاح الحال
قالت بأسى : الأمل في وجه الله, هو المعطي وهو المانع وهو السميع للمظلومين
الأمر هذه المرة فاق كل الحدود, لم يعد للشباب القدرة على التحمل
الجامعة عندنا تغلى وتفور بالغضب
لم يعد للشباب أى اهتمام بمستقبلهم العلمي أو المهني, كل اهتمامهم هو كيف يعبرون عن غضبهم
قلت بمرارة : أى مستقبل يا أماه ولا أمل لهم في عمل أو زواج أو سكن بعد التخرج!!
تنهدت بحرقة : لله الأمر من قبل ومن بعد, ان ما يقلقني هو ما سيحدث في الجامعة الأيام القادمة, لن يسكت الشباب أبدا
وهذا يعني المزيد من الضغط والمواجهات العنيفة والفصل والإعتقالات
قلت : انه جنون الغضب الذي يغلي في الصدور
ثم أكملت بشرود : وهو أيضا غاضب للغاية
قالت بتساؤل : من تقصدين؟
قلت : ياسر
رددت : ياسر!!
قلت : بلى, انه زميلى بالمكتب
قالت : كنت أسمعك تتحدثين عن فؤاد, شيرين, كمال, لكن هذا الإسم جديد
قلت : بلى, انضم الينا من بضعة أشهر, ولكنه حقق نجاحا كبيرا وصدى واسع في الجريدة
يقول أستاذ فؤاد أن زكي هو الذي عرض عليه العمل في الجريدة بعد أن حقق نجاحا وشهرة لا بأس بها في عدة جرائد ومجلات عمل بها , الحقيقة أنه يستحق أكثر من هذا فأسلوبه في الكتابة من أروع ما قرأت
قالت : أهذا هو ما كنتي تجمعين مقالاته في الدفتر؟
هززت رأسي وعينى على شاشة الكمبيوتر,
ثم سألتها بتردد : أريد أن أعرف رأيك في موضوع يشغلني
قالت باهتمام : وما هو؟
قلت : أتعرفين أستاذ حمدي عضو النقابة؟
قالت : ومن لا يعرفه! تلك الأزمة الأخيرة جعلته شهيرا للغاية
والشباب في الجامعة كثيرا ما يدعونه في الندوات لإلقاء بعض المحاضرات
الحقيقة أن نشاطه كبير وملحوظ
قلت : قابلته عدة مرات في النقابة وكلما رآني يلح على أن أنضم للجنة, أو على الأقل أشارك في فعالياتها وأنشطتها
ولكن, لم يكن لدى الوقت الكافي لذلك
قالت : والآن؟
قلت : والآن.....
قالت تحفزني : والآن ماذا؟
قلت بتردد : أخشى ألا ينجحوا, من الصعب على تقبل أن أكون جزءا من عمل فاشل
قالت بعد تفكير : لو كان كل عمل نعمله شرط فيه النجاح لما بذل الإنسان أى جهد خوفا من الفشل
كلنا نتمنى النجاح في كل عمل نقوم به
لكن الكثير من الأشياء نفعلها بصرف النظر ان كنا سننجح أو نفشل, نفعلها فقط لأنه يتوجب علينا فعلها, وان لم نفعلها فسنحتقر أنفسنا ونسقط فريسة لتأنيب الضمير
قلت بضيق : لكن اللجنة ليس لديها أية فرصة لفعل أى شيء, فكل خطوة تتصدى لها المعوقات وكل باب يطرقونه مغلق في وجوههم بالمزاليج
قالت باسمة : هم يعرفون ذلك جيدا, أليس كذلك؟
قلت : بلى, بالتأكيد
قالت : وهو ليسوا مجانين ولا جهلاء ليبدءوا مشروعا لا أمل ولا فائدة مرجوة منه!
انما يفعلونه فقط معذرة الى الله وبذلا لغاية الجهد, وحتى لا يأتي يوم يلاموا فيه بأنه كان بمقدورهم عمل شيء وتقاعسوا عنه
فالعبرة ليست هنا بالنجاح أو الفشل
انما بمدى ما بذلوه من جهد ومحاولات للوصول الى الهدف
ألا تذكرين كلماتك (اعتدت دائما أن أحاول, نجحت أو فشلت لا يهم)
تنهدت قائلة : يبدو أنني أنسى كثيرا هذه الأيام
قالت باسمة : إن الذكرى تنفع المؤمنين
قلت : ولكن, أشعر أنني لا زلت بحاجة لأن أعرف المزيد عن أنشطتهم
ابتسمت قائلة : تذكرينني بالأيام الخوالي, حينما أردتي الانضمام لفريق الكشافة بالمدرسة لكنك كنت مترددة لأنكي لا تعرفين شيئا عنهم, أتذكرين وقتها بم أجبتك؟
هززت رأسي وأنا أستعيد ذكرى تلك الأيام الجميلة : أجل, قلتي لي لا يمكن أن تعرفي الشيء من خارجه فقط, عليكي أن تفتحي الباب أولا وتشاهدي ما يفعلونه ثم تقرري إن كنتي ستنضمي اليهم أم لا
قالت باسمة : أجل, انها نفس اجابة سؤالك الآن
تعرفي الي اللجنة أولا وشاهدي أنشطتها ثم قرري إن كنتي تريدين الإنضمام لهم أم لا
أشعرتني كلمات أمي بالراحة
ولكن القلق الآخر بداخلي لم يستقر بعد, فقلت بتردد : ولكن أنشطة اللجنة قد تبعدني عن البيت لفترات طويلة
قالت باسمة بفهم : ولا تريدين تركي للوحدة واجترار الآلام, أليس كذلك؟
اطمئني, أنا أيضا لدي عملي بالإضافة الى أنشطة النادي
ومن يعلم, قد تجديني يوما بجوارك في احدي أنشطة اللجنة دون سابق ميعاد أو تنسيق
ارتحت كثيرا لكلمات أمي وبعدها بعدة أيام كنت أوقف سيارتي في شارع فرعي بجوار النقابة بعد أن فقدت الأمل في وجود مكان لسيارتي في موقف السيارات بسبب الزحام , ولأول مرة يدق قلبي وجلا وكأنما أرتاد النقابة لأول مرة
وارتجفت مشاعرى بقوة عندما استقبلتني سلالم النقابة الرئيسية بالشموع المتراصة على الجانبين, فالمعنى واضح ويدمي القلب
وعندما دخلت الى القاعة التى ستعقد فيها الندوة كانت مزدحمة, والنور منطفئ, لكن القاعة لم تكن مظلمة, بل كانت مضاءة بالشموع
شموع في كل مكان وبكل الألوان, ارتجف قلبى بشدة فقد أثار المنظر في نفسي معاني كثيرة وشجون عميقة
وجدت الكوفية الفلسطينية حول أعناق الجميع, وامتلأت جدر القاعة بصور كثيرة وكأنما قد حولوا جدرانها الى معرض للصور
لم أكن أتبينها جيدا على ضوء الشموع, ولكن من السهل أن أستنتج مواضيع هذه الصور وماذا تعني
سلمت على زملائى وزميلاتي من النقابة ومن أعرفهم من الصحف والمجلات الأخرى, رحبوا بي بحفاوة وأخذوا يمزحون معي, والتقيت ابتسام العضوة النشطة في اللجنة, فتاة خفيفة ولذيذة تدخل القلب سريعا, سمراء من أصول نوبية ذات ظل خفيف, استقبلتني بترحاب كبيرة ومودة صادقة وسألتني مباشرة : مرحى, هل غيرت رأيك أخيرا وقررت الانضمام لمجموعة المفترسين؟
ضحكت لخفة ظلها وقلت : لم أقرر ذلك بعد, كما أنني نسيت مخالبي في البيت
قالت ضاحكة : لا بأس, يوما ما ستدخلين القفص بقدميك
كلمة في أذنك, مسموح هنا باللسان السليط, وربما أعيرك بعض الأنياب أيضا
مع ابتسام دائما ما أشعر بألفة تزيل توتري وترددي
سمعت صوتا مألوفا يناديني, التفت لأجد شروق خلفي, سلمت عليها بحرارة وهتفت : كيف وصلتي الى هنا؟ هل انتقلتي الى وسط العاصمة بدلا من المعبر؟
قالت : لا ولكن زميلي حسام تولى مكاني هناك حتى تنتهي اجازتي, وبمجرد أن عرفت بأمر الندوة أتيت على الفور, فلا يمكن أن أفوت ندوة للأستاذ حمدي
قلت باهتمام : أخبريني بصدق, هل ما يذاع على الشاشة من هناك صحيح أم أن به مبالغات كثيرة؟
قالت وهي ترفع حاجبيها بتعجب : مبالغات!! إن الوضع أسوأ بكثير مما استطعنا تصويره, فهو ليس أزمة يوم واحد, انهم على تلك الحالة من شهور
لقد كنا نمنع من التصوير في بعض الأحيان, وهناك مراسلين وصحفيين أعرفهم جيدا تم طردهم من هناك, ولولا ستر الله لكنت تبعتهم
قلت بدهشة : ألهذه الدرجة!!
قالت : ألم يخبرونكم من ذهبوا الى هناك من عندكم في الجريدة؟ لقد التقيت بهم هناك
قلت : عبد العزيز لم يعد بعد
قالت : وماذا عن ياسر حسين المصرى؟ لقد غادر وأنا لا زلت هناك
حاولت قدر استطاعتي أن أكتم الدهشة التى أصابتني وأنا أقول : من؟
كررت : ياسر حسين, انه معكم في الجريدة, أخبرني أنه زميلك بالمكتب عندما ذكرت اسمك أمامه
قلت بتمثيل : نعم, نعم, تذكرته, انه لا زال جديدا في الجريدة
يبدو أنك تعرفتي اليه جيدا!!
قالت ضاحكة : أجل, لقد تعرضت أنا وهو لموقف غريب للغاية
اشتعلت حواسي كلها وأعطيتها أذني بانصات شديد وفضول عارم, وبدأت تحكي, لكن فجأة وجدت أستاذ حمدي أمامي مباشرة يرحب بي ترحيبا كبيرا
انتزعني من تركيزى الشديد وحرمني من سماع القصة التي أتلهف لسماعها بعد أن أصبح ثالثنا وبدأ يحدثني بتعجل عن اللجنة ونشاطاتها قبل أن تبدأ الندوة
تمنيت أن ينتهي سريعا حتى أعود الى شروق وقصتها, لكن خاب أملي, فلقد ناداها مجموعة من معارفها فاعتذرت منا وانضمت اليهم وتركتني أحترق بفضولي
لقد التقت شروق ياسر هناك, ويبدو أنه كان لقاء مثير وشائق على الأقل بالنسبة لشروق, فهكذا شعرت من أسلوب كلامها عنه
بدأت الندوة دون أن أستطيع الإنفراد بشروق مجددا, وفي أثنائها كانت عيني تتسلل لتراقب شروق حيث تجلس
إن شروق جميلة, ولكنها أول مرة أنتبه الى أنها فاتنة للغاية
تلك العيون السوداء الواسعة والتي يزيدها الكحل جمالا وجاذبية, ومع لون ظل مناسب للجفون تصبح فتنة حقيقية
كانت تستخدم الزينة بمهارة لتبرز جمالها وفتنتها
وكنت أنا عكسها تماما, فلا أضع الزينة إلا قليلا وأحب الألوان الهادئة والقريبة للون وجهي, كما أنني لا أحب أن أغير لون شعري أو عيناى
أما هي فإذا ما وضعت عدسات فهى تزداد جاذبية مع شعرها القصير الناعم المصبوغ بآخر صيحة في الألوان
وكلما حركت رأسها يهتز بنعومة شديدة حول وجهها
شروق من المراسلات ذات الجاذبية العالية ولها قبول على الشاشة, كما أنها لبقة ولطيفة, أعرفها منذ عدة أشهر فقد التقينا في النقابة وأمامها مرات عدة وفي مناسبات مختلفة, أكثرها بروزا يوم الإنتخابات, وكانت لدينا فرص كثيرة لتبادل أحاديث مختلفة, ولكن هذه المرة... يبدو أنني لن أستطيع أن أستمع الى بقية قصتها

.................................................. .......................
يتبع.............................................. ............
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الثلاثاء 4 يناير 2011 - 3:01

كنت أتأمل ياسر المنهمك في عمله على الكمبيوتر, وأكثر من مرة انتابني الشرود وسرحت في كلمات شروق ولقائها بياسر
فجأة وجدت نفسي أسأل أستاذ فؤاد : أستاذ فؤاد, أستاذ حمدى عضو النقابة أخبرني أن اللجنة سترسل قافلة قريبا الى غزة والدعوة مفتوحة للجميع
ما رأيك, ألا تود المشاركة؟
قال بأسى : تمنيت لو أشارك, ولكن تعلمين, لقد كبرت سني ولم أعد قادرا على القفز من هنا لهناك, لا شك أنها ستكون رحلة مرهقة للغاية
وتعرفين أن لدى اثنان في الثانوية العامة, سامحه الله محمد, لو لم يرسب العام الماضي وينضم لأخيه هذا العام لتصبح المصيبة مصيبتين لم صرت في هذه الحالة
ان الدروس الخصوصية تستهلكني استهلاكا, ولولا مساعدة ياسر لهما في بعض المواد لكنت الآن في المرستان
التفت الى ياسر الذي لم يبدو عليه أنه سمع أية كلمة من الحديث الدائر, ثم التفت الى كمال وقلت بلهجة جافة : وأنت؟ لا أظنك مرتبط بشيء
قال بسرعة : لاااا هل ستدور الدائرة على؟ ابتعدي عني
قلت : أنا أعرض عليك فرصة لتصنع منها تحقيقا قد ينقلك من كتاب الدرجة الرابعة لتصبح صحفي درجة أولى
قال هازئا : تريدين أن تفسدي سمعتي بين رفيقاتي!! سينفضون من حولي لو ظنوا بأنني مناضل
نظرت الى شيرين وقلت : شيرين, ها, ما رأيك؟
قالت : أنا لا زلت عروسا حديثة, وزوجي لن يسمح لي أبدا بالتغيب عن البيت كل هذه المدة, أنا آسفة, لا أستطيع
نظرت الى ياسر الذي لم يتبقى غيره, وانتظرت أن ينظر الى حتى, لكنه لم يفعل, كانت عيناه في شاشة الكمبيوتر وكأنه خارج عالمنا, لذلك فقد نهضت من خلف مكتبي وذهبت اليه وجلست أمامه وقلت : ياسر
قال مباشرة دون أن ينظر الى : نعم
قلت : أسمعت الحديث الذي دار قبل قليل؟
قال : بلى
قلت : وما رأيك؟ أتود أن تشارك؟
قال : كلا, لن أستطيع, فلدي عمل كثير ويجب أن أنهيه
قلت برجاء : لا زال الوقت مبكرا, تستطيع أن تنجز عملك ثم تأتي معنا
قال : آسف فرصيد اجازاتي لا يسمح
قلت بانفعال : هذا ليس بعذر
التفت الى فجأة وظهرت الدهشة على وجهه وقال : ولكنك تقبلتي أعذارهم جميعا دون نقاش
قلت بصدق : الأمر بالنسبة لك مختلف, فقد كنت هناك بالفعل, وليس هذا فحسب, لقد اخذا اجازة خصيصا لذلك, ولم تذهب بتكليف من الجريدة بل على نفقتك الخاصة
قال : وهذا هو ما أقوله, ليس لدى اجازات
قلت باصرار : سأتحدث مع زكي لأجلك
قال بلهجة محذرة : عفوا, ولكن فقط أذكرك أنني قلت لك من قبل أنني أستطيع أن أدبر شئوني بنفسي
قلت بانفعال : هل ستتهرب مثله؟
سمعت صوت كمال من خلفي يعترض باستنكار : الله!!!
قال ياسر بحدة ووجهه غاضب : ماذا تقصدين بكلامك هذا؟
زفرت بضيق : أعتذر, حقا أعتذر, ولكنك استفززتني
قال بدهشة : استفززتك!!
تجهم وجهه وقال بجدية : هل يمكنني أن أسأل ما الذي تريدينه مني يا آنسة؟؟
اندفعت أقول بصدق شديد : أريد أن نكون أصدقاء
فاجأته صراحتى للغاية وظهرت الدهشة على وججه
وسمعت صوت صافرة طويلة من كمال, جعلت ياسر ضائقا
أما أنا فقد تجاهلت كل ذلك, فقد كنت سعيدة بانطلاقي في الحديث معه, منذ صغري وأنا أكره أن أكتم شيء في صدري دون أن أبوح به, سواء كانت مشاعر سلبية أو ايجابية
فيقيني أن ما أخفيه عن الناس هو بالضرورة خاطئ
مما يجعلني أقاوم الخطأ وأتجنبه بالصراحة والصدق, حتى لو كانت صراحتى مؤلمة أو ربما توقعني في مشكلات
علمني أبي أن التصرف الذي لا أخجل منه, لا أخجل من أن أعلنه أمام الناس
نعم, لدى رغبة قوية في أن نكون أنا وهو أصدقاء, صداقة بريئة لا تشوبها شائبة كصداقتي ليحيى مثلا, أو أستاذ فؤاد
كان ياسر قد ترك كل شيء في يده وبقي صامتا يفكر
قلت أتعجله : ها, ما رأيك؟ لقد أطلت التفكير ولا أعتقد أن الأمر معقد الى هذه الدرجة؟
قال ببطء وكأنما يحاول اختيار الكلمات المناسبة : هلا أوضحتي لي مفهوم كلمة صديق لديكي؟
قلت بحماس وابتسامة واسعة تخرج من داخلي لتملأ كل وجهي : أعني أن أعرض عليك مقالاتي لتبدي فيها رأيك وكذلك أقرأ مقالاتك وأعطيك رأيي فيها, أن أساعدك وتساعدني أن أستشيرك في أمور العمل وغيرها, ونتناقش في كل الموضوعات مثلما أفعل مع أستاذ فؤاد, لا يهم ان اتفقنا أو اختلفنا, المهم أن يثري كل منا أفكار الآخر ونتبادل الخبرات والآراء
لم ينظر الى, انما كان ينظر لوجوه من حولنا, ويبدو أنه لم يكن مرتاحا لما قرأه في وجوههم, لكنه قال بهدوء : عفوا يا آنسة أميرة, ولكني مختلف معك في أساس وجوهر الموضوع
ابتسمت بود قائلة : لم لا تناديني أميرة كما يفعل الجميع
تنهدت قائلة : وأنا أدرك ذلك جيدا, ولكن ألا يبدو لك أن اختلافنا فقط في الشكليات والأمور الظاهرية؟ وحتى لو كنت مختلف معي في الجوهر كما تقول, لم لا نبدأ من الموضوعات التي نتفق فيها؟
أخذ يجمع مجموعه من الأوراق التي أمامه على المكتب ويرتبها ويقول : ليت الأمر بمثل هذه البساطة, ولكني لا أتقبل أبدا فكرة الصداقة بين رجل وامرأة
قلت ببساطة : اذا فأنت مصر أن نبدأ من نقطة خلاف, لا بأس, ما رأيك أن نتناقش في ذلك الموضوع على الغداء؟
التفت الى وأثر الصدمة باد في وجهه
أعلم الآن ما تقوله عيناه بصورة واضحة لا تقبل التأويل, تتهمني بالجرأة الشديدة
عجبا, هل أنا ماهرة حقا في قراءة لغة العيون أم أن عيناه تعبر عما في داخله بصدق لم أره في أى انسان آخر!!
بقيت صامتة أتأمل عيناه, أحاول أن أقرأ فيهما ما يحدثه به عقله
لكن يبدو أن تركيزي في وجهه أشعره بالحرج, فأدار وجهه وزفر بقوة, ثم حمل الأوراق التي رتبها وترك مكتبه متجها الى باب الغرفة, فلحقته بالسؤال بصوت مرتفع هذه المرة : لم أسمع ردك على دعوتي لك على الغداء؟
تجمد في مكانه للحظة, ثم قال بسرعة : أعتذر عن تلبية دعوتك, فكما قلت, لا أعترف بفكرة الصداقة بين الجنسين
غادر الغرفة وأخذت أطرق بأظفاري على زجاج مكتبه بضيق حتى سمعت كمال يقول بصوت وصل لمسامعي : ما أكثر المغفلين هذه الأيام
قالت شيرين : تسرعتي هذه المرة يا أميرة, كان عليكي أن تدركي أن ياسر لن يتقبل أسلوبك الجرئ بسهولة, وقد لا يفسر تصرفك بطريقة صحيحة فهو لا يعرفك جيدا
قلت ببساطة : على العكس, انه يفهم جيدا أكثر من أى انسان آخر أنني لا أعني بكلماتي سوى كل حرف نطقت به
قال كمال ساخرا : ألا تظني أنه بعقليته المتشددة قد يظنك فتاة سيئة
نظرت اليه نظرة قاسية : ياسر لديه عقل يزن به آلاف من أمثالك ذوي النوايا الخبيثة, فهو ليس لديه ظاهر ولا باطن, بل هو وجه واحد فقط
وما يقوله بلسانه هو حقا ما يؤمن به بقلبه ويصدقه عقله
زفر أستاذ فؤاد بضيق وقال : اذا فأنت تدركين أنه لا يمكن أن تعاملينه بهذه الطريقة, فهي تتعارض مع مبادئه وأفكاره
عدت الى مكتبي وأنا أقول له : أظن أنه آن الأوان ليغير بعضا من أفكاره
هز الأستاذ فؤاد رأسه بأسف ولم يعلق, لكن رأيه واضح تماما
وقد يكون محقا, فياسر شخصية في منتهى القوة والثبات على المبدأ
ولكنني منذ هذه اللحظة قررت أن أجعله يغير من نظرته لي ويصدق أنني أنا أيضا مثله بوجه واحد وقلب واحد, وما أقوله بلساني هو حقا ما أعنيه
.................................................. ..
يتبع...............................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الثلاثاء 4 يناير 2011 - 3:03

خاب ظني تماما عندما قرر ياسر تجنبي بكل وسيلة, فأصبح يبتعد عن أية أحاديث يمكن أن نشترك فيها, الا ما تقتضيه ضرورات العمل القصوى
لا أحب أن أقول هذا, ولكن ياسر يتجاهلني بشكل فج, وكأنني لست موجودة
لقد أثار غيظي الشديد
ولكن للأسف لم يكن لدي الوقت الكافي للوقوف على أسباب تغير معاملته لي( والتي أعرفها أنا والجميع بالطبع) ولا لمحاولة اصلاح الأمر
فلقد انشغلت بالحدث الأهم الذي استولى على عقلي ومشاعري, وهو التجهيز للقافلة المنتظرة
ورغم المقاطعة التي فرضها هو على فرضا, الا أنني استطعت خرق تلك المقاطعة لبعض الوقت وكررت عليه طلبي بإلحاح أن ينضم للقافلة وأنا أستحثه بشتى الطرق وأحدثه عن الثواب العظيم والفوائد الجمة من خبرات ايجابية و...و...و...
لكن رأسه كان يابسا كالحجر
لكنه في النهاية قال لي جملة غريبة : أتمنى لكم التوفيق والنجاح في محاولة الوصول الى هناك, احرصي على رأسك, والكاميرا لا تدعي أحدا يأخذها منك
اكتفيت من عناده والتفت الى مشاغلي مع الأستاذ حمدي وابتسام واللجنة, وانضم الينا أعضاء من نقابات أخرى وبخاصة نقابة الأطباء
وبعضهم كان يعرف والدي جيدا, وشارك معه في كثير من أنشطة ورحلات إغاثية تابعة للنقابة, مما جعلني أشعر بالفخر الشديد, وبأن لي ميزة لا يحملها غيرى
كما انضم كثير من شباب من أحزاب المعارضة المختلفة
وحشدت اللجنة الإعلام حشدا ووجهت دعوات لجرائد المعارضة وقنوات فضائية اخبارية
وكانوا يعلنون عنها عبر الإنتر نت وفي النقابة
وأدركت أنا أن معني كلمة قافلة مجازي بحت, فالأمر لا يتعدى ثلاث حافلات, وهو مجرد رمز ومحاولة ايجابية, وان نجحت فستتبعها محاولات أخرى
وفي اليوم المحدد استيقظت مبكرا وارتديت ملابسي على عجل, بعد ليلة تمتلئ بالأرق والتوتر والنشوى والقلق والإثارة وكأنني لا زلت طفلة تترقب شمس العيد تشرق بفارغ الصبر لتتذوق طعم العيد الذي طال عليها انتظاره
ذهبت مسرعة الى حجرة أمي, وبمجرد أن رأتني مستعدة للذهاب حتى تبدى لي قلقها الشديد رغم كثرة الرحلات التي قمت بها سابقا تبع الجريدة أو تبع النقابة
قلت محاولة أن أطمئنها : لا تقلقي, انها رحلة عادية كأية رحلة أخرى خرجت اليها سابقا
هزت رأسها بقلق : أخشى أن الأمر سيكون مختلفا تماما هذه المرة
لقد اشتعلت الجامعة ولم تهدأ حتى الآن
انتقل الى قلقها, ولكنني قلت بشجاعة ظاهرية : لا تقلقي, تعرفينني جيدا أستطيع أن أفوت في الحديد
ابتسمت بحنان : هل صليتي الفجر؟
قلت : أمي, تعرفين جيدا أنني لا أخرج من البيت أبدا دون أن أصلي
ضمتني بقوة وشعرت بدقات قلبها القلقة تخترق جسمي, وهي تقول : اعتني بنفسك يا حبيبتي,حفظك الله ورعاك وأبعد عنك كل شر
تأثرت كثيرا بهذا الموقف, ولكنني خرجت من عندها مسرعة قبل أن تخونني عيناى, ومررت في طريقي بحجرة أيمن ووقفت أمامها للحظات, وفكرت أن أدخل بالفعل, ولكنني تذكرت الحالة التى أراه عليها في كل مرة أدخل عليه حجرته فأصابني احباط كبير, فلكم تمنيت أن يرافقني فى تلك الرحلة
انطلقت بسرعة بعد أن تجاوزت تلك الحالة العميقة المفعمة بالعاطفة , وملأت عقلي بالقادم المجهول المقلق بحق
أوقفت سيارتي في موقف النقابة وغادرتها وأحكمت اغلاقها جيدا, وحملت حقيبتي وحقيبة اللابتوب وكاميرا الفيديو الصغيرة التي أهداني إياها يحيى
أمام النقابة التقيت ابتسام التى رحبت بي كعادتها بمرح وحفاوة : مرحى, في الوقت المحدد تماما, فليحيا الإنضباط
ابتعدت خطوتين وتأملتني من فوقي لتحتي : رائع, حذاء رياضي وبنطال جينز واسع, اذا ما جد الجد ستحطمين الأرقام القياسية كلها
ضحكت لعبارتها فقالت : تمنيت لو ارتديت الجينز اليوم لكن عمر لن يوافق أبدا
تأملت عباءتها الواسعة والمفتوحة من الجانبين, وتحتها بنطال من نفس لونها وارتقت عيني الى الوشاح السماوى الذي يغطي رأسها ورقبتها وقلت بمكر : نعم نعم, اذا فالخاطب الغيور لا يقبل بالبنطال
قالت بحماس : ولكنني لم أستسلم,
أشارت الى بنطالها الذي تنسدل عليه العباءة الى قدميها : انظرى ارتديت بنطالا رغم كل شيء
ضحكت كثيرا على عباراتها المضحكة الساخرة وقلت : لست سهلة أبدا, مسكين زوجك المستقبلي
هتفت ساخرة : مسكين!! بل هو محظوظ أن رزقه الله بي
انها دعوات أمه التي هي حماتي
لا شك ان وجود شخصية مرحة كابتسام في الرحلة يزيل الكثير من التوتر والقلق, أنا سعيدة أنني تعرفت بإنسانة مثلها
وصلنا معا عند الحافلة وهناك وجدت أستاذ حمدي منهمك في حديث في هاتفهه المحمول, ومجموعة من الشباب بجوار الحافلة ومعهم عمر خطيب ابتسام شاب أسمر نحيل ومن أقربائها
حياني أستاذ حمدي بيده وأشار لنا بالدخول الى الحافلة, وبعد قليل وجدت شروق تركب الحافلة ومعها مصور القناة, قمت من جوار ابتسام وسلمت على شروق التي حيتني بحرارة وقالت : سعيدة أن رأيتك هنا اليوم
ثم سألتني مباشرة : أين ياسر؟
قلت وأنا أدعي اللامبالاة : لم يأتي
ظiرت خيبة الأمل جلية في محياها : عجبا, توقعت أن يأتي, هل معك رقم جواله؟
تعجبت لسؤالها كثيرا وقلت بابتسامة ديبلوماسية : كلا, ليس معي
قالت : يا للخسارة
أخيرا انطلقت الحافلة بعد أن ركب الجميع, وانشغلت شروق بالتحدث مع المصور, وأستاذ حمدي لم يكف لحظة عن التحدث في هاتفه المحمول
وكنت أنا في قمة التوتر والقلق, بعد أن هدأت ابتسام وشغلت لسانها بترديد الأدعية وآيات القرآن
فجأة أغلق الأستاذ حمدي هاتفه ونهض من كرسيه والتفت الى كل من في الحافلة : يا شباب الجميع هناك في القطاع رجال ونساء وأطفال يجهزون لمسيرة حاشدة بعد صلاة الجمعة لإستقبالكم, ستكون احتفالية لا مثيل لها ويوم مشهود في حياتكم لن تنسوه أبدا, صرخ جميع الشباب من شدة الفرح ومنهم من كبر وهلل
وبدأت أعصابي ترتخي وتخالجني مشاعر أخرى خلاف القلق وأنا أستمع وأردد دعاء السفر مع الركوب
كانت مشاعر مختلطة تماما أعجز عن وصفها, كانت فرحة ورهبة في آن واحد
لكن الأمر فاق حدود المشاعر لتنطلق كل المشاعر الحبيسة بداخلي عندما بدأ الشباب في الحافلة يطلقون الأغاني الحماسية والأناشيد الوطنية التي تلهب الأحاسيس وتفجر المشاعر
أغاني لم أسمعها ولم أفكر أن أسمعها منذ سنوات طويلة
وعندما كانت تذاع في المناسبات الوطنية على شاشة التلفاز, كنت أشعر بالملل منها وأغير القناة
لكن اليوم كل كلمة في الأغنية اكتسبت معاني جديدة, ومذاق خاص, وروح جديدة
انها نفس الأغاني والأناشيد التي سمعناها آلاف المرات, نفس الكلمات والألحان, لكن المشاعر مختلفة بالمرة
شعورى الآن أعجز عن وصفه وأنا أشارك المجموعة في الأغاني والأناشيد
تلك الفرحة العارمة والحماسة المتدفقة واختلاجات المشاعر والقلوب
حتى النشيد الوطني الذي لا أذكر أنني رددته يوما سوى أيام الدراسة وبلا حماس, اكتسب اليوم مذاق رائع وحماس هائل
وها هو العلم المصرى والفلسطيني فوق الرؤوس والأكتاف, وأكاد أجزم أنه في كل القلوب
لا أذكر أن رأيت العلم مكرما ومحبوبا ومصدر فخر وحب وانتماء منذ 73 أكثر منه الآن
لقد انفعلنا جميعا وبلغ منا التأثر مبلغه, واشتعلت الحافلة بالمشاعر الملتهبة كبارا وشبابا
حتى شروق, اندمجت مع الجميع وكأنما تعرفهم منذ سنوات
وعلى طريق الإسماعيلية أخرجت هاتفي المحمول واتصلت بأمي, كان على أن أطمئنها, فقد كانت قلقة للغاية, ردت على الهاتف بعد رنة واحدة وكأنها كانت تنتظر تلك المكالمة
قالت بلهفة : أميرة. أين أنتى الآن؟
قلت بسعادة : إننا على طريق الإسماعيلية, أتسمعين الأغاني؟ نكاد نطير فرحا, الكل هنا سعداء بالرحلة ولا مشكلات
قالت بصوت هادئ : حسنا, اعتني بنفسك, في أمان الله
سلمت عليها وأغلقت الهاتف
ويبدو أنني كنت متفائلة للغاية, فالمشاكل بدأت بالفعل ونحن في قمة حماسنا وفرحنا
توقفت الحافلة وكلنا عجب وتساؤل ماذا حدث؟
غادر أستاذ حمدي الحافلة ونظرت من النافذة, كانت نقطة تفتيش
وبدأ القلق والإعتراضات يحل محل الأناشيد والأغاني الحماسية
سألت ابتسام عما يحدث, فقالت : سآتي لك بالخبر اليقين
نادت خطيبها الذي جاء الينا وسألته : ما الذي يحدث
قال بسخط : احتجزوا احدى الحافلات
غمرني القلق والضيق الشديد, وتركت ابتسام تحادث خطيبها وانشغلت بمراقبة ما يحدث على الطريق من النافذة
ولكن بعد قليل صعد أستاذ حمدي الى الحافلة وقال : حسنا يا شباب حلت المشكلة, فليلزم الجميع مقاعدهم لننطلق
هتف الشباب بفرح : هييه وكبروا وهللوا, وعدنا للإنطلاق من جديد
وعرفت من عمر أنهم أفرجوا عن الحافلة بعد أن أخذوا أرقام جميع الحافلات وأبلغوا بها
عاد الشباب للحماس والأغاني, ولكني سألت ابتسام : أخبريني, كيف تعرفتي الى عمر؟
قالت ضاحكة : سأخبرك بقصتنا, انه قريبي, ولكني لم أكن أعرفه عن قرب, فلم نكن نلتقي سوى في أفراح الأقارب أو المناسبات الإجتماعية
وكنت رافضة لمبدأ الزواج من الأقارب فقط لأنهم أقاربنا بغض النظر عن الخلق أو حتى القبول النفسي, كما أن لدي نشاط ملحوظ في أسرتي في الجامعة وأنا لا زلت في العام الثاني, ولم أكن لأضحي بكل هذا من أجل خاطب لا أعرف عنه شيء سوى أنه قريبي ويعمل صحفيا في احدى جرائد المعارضة
ورفضته دون مناقشة الأمر, دون حتى أن أسمح له بزيارتنا ليتقدم لطلب يدي, أو حتى أجلس معه في جلسة تعارف
ولكني فوجئت به يأتي الى الجامعة ويتحدث معي بكل احترام ويطلب مني فرصة للتعرف اليه والسؤال عنه وعن أخلاقه
ووجدت كلامه مقنعا
وزارنا بالفعل في البيت عدة مرات, ووجدته انسانا لا بأس به
وقبلت خطبته, ولكم كانت فرحتى عارمة عندما دعاني للإنضمام للجنة, من لحظتها وأدركت أن طريقي وطريقه قد اتحدا وصارا طريقا واحدا, لن تتخيلي كيف قاربت اللجنة بين أفكارنا ومشاعرنا
تحركت مشاعري وأنا أستمع لكلماتها, فما أجمل أن يجد الإنسان رفيقا لدربه, رفيقا لعقله ومشاعره
هذا هو الحب الحقيقي
حب يندمج فيه العقل والقلب والروح وتتحد المشاعر ليتحول الإثنان الى واحد
من يستطيع الحصول على حب كهذا ؟!!!
.................................................. ..
يتبع.....................................


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الثلاثاء 4 يناير 2011 - 3:05

عند كوبرى السلام توقفنا من جديد, وعرفنا أن الكوبرى مغلق, وعاد الإحباط من جديد, وعاد التذمر بين الشباب, لكن أستاذ حمدي بدأ يبث فيهم الهدوء بكلماته : يا شباب نريد أن نكون متحضرين, لا أريد أية اعتراضات ولا ردود أفعال غير محسوبة
هدأ الشباب قليلا
لكن الاعتراضات والتذمر بدأ من جديد مع طول مدة الإنتظار الغير مبررة
وخرج أستاذ حمدي والمسئولين عن القافلة يتحدثون مع المسئولين عن الكوبري, وكلما نظرت من نوافذ الحافلة يمينا ويسارا أجد السيارات تتكدس من حولنا على الجانبين وعلى طول الطريق
عندما ازدادت أعداد السيارات فتح الكوبري, ومرت عدة سيارات
وفهمت من الشباب وأحاديثهم المعترضة أن الأمن لا يوافق على عبور الحافلات
لكن بعد قليل عاد أستاذ حمدي وبشرنا بعبور الكوبري
بسرعة انطلقت الحافلة على الكوبري واشتدت أصوات الشباب في حماسة زائدة, وكانت تشتعل حماسة مع كل كيلو نقطعه على الطريق فنحن الآن في الأرض المحررة
بعد قليل التقينا بكمين, فتوقفت الحافلات واشتد التوتر بين الجميع
ونزل أستاذ حمدي وتبعه بعض الشباب
وبدأ أحد الأطباء الكبار يردد مجموعة من الأدعية ونحن نردد من خلفه : اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين
لا اله الا الله العظيم الحليم, لا اله الا الله رب العرش العظيم, لا اله الا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم
سمعنا أصوات من خارج الحافلة تعلو بالغضب
كان المسئولين عن القافلة يتفاوضون مع الأمن, والأصوات الغاضبة تعلو حتى صارت كالصراخ
وسمعنا عبارات صارخة من قبيل : هذا تعنت ... افتحوا لنا ... انها بلدنا كيف تمنعونا من التحرك فيها ... هل أصبحت سيناء محرمة علينا!!
اشتعل الجو في الحافلة وبدأت النساء في الحافلة تتوتر
أما الشباب الذين بقوا في الحافلة يتابعون الموقف من النوافذ فقد شعروا بتكهرب الجو وتوتر الجميع, فأخرج أحدهم رأسه من النافذة وهتف قائلا : فتشونا, ربما نحمل مخدرات, لا والله ما تفتشني, ما تفتش
يصرخ الثاني : اجلس يا مجنون قبل أن أفجرك بحزامي الناسف
أخرج ثالث مسدس لعبه من جيبه وصرخ : أنا معي آر بي جي, معي آر بي جي
فيرد رابع ساخرا : أفسحوا الطريق للإف 16
يرفع ذراعيه بمحاذاة كتفيه قائلا وهو يمط الكلام مطا : يا شباب, توكلنا على الله, الى الجنة
يصرخ فيه الثاني وهو يطبق ذراعه اليمني حول رقبته في مزاح ساخر : اخرس يا ارهابي يا متطرف, سأخبر العم بوش
قال عمر بهدوء : اسمعوا, لدي فكرة, ما رأيكم أن نختطف الحافلة ونطلب فدية
قال أحد الشباب : هأ, سيرسلون لك خطاب شكر مسجل بالبريد ومعه تأشيرة مغادرة بلا رجعة
استطاع الشباب التخفيف من جو التوتر العنيف الذي رسم حولنا دائرة سميكة عجزنا عن الخروج منها الا بتلك المسرحية الهزلية, والتي جعلتنا نضحك ونضحك وكأننا نفرغ توترنا بالضحك
لكن أستاذ حمدي صعد الى الحافلة وهتف فينا ووجهه أحمر وملامحه غاضبة : فليغادر الجميع الحافلة
أطاع الجميع دون كلام, ووجدت نفسي في مكان فسيح وحولي الرمال والحصى وأمامي الطريق الأسفلتي قد سد بحواجز من جنود الأمن بردائهم الأسود
وأمامهم حواجز حديدية مكتوب عليها قف
لا يزال المسئولين عن القافلة يحاولون التفاوض مع الأمن
فجأة هتف أحد الشباب بصوت جهورى هتافات اعتراضية وردد خلفه الجميع بصوت كالرعد
بقيت صامتة لدقائق أحاول التغلب فيها على خوفي وتوتري في موقف كهذا يواجهني لأول مرة, فحتى أيام الجامعة لم أشترك يوما في مظاهرة ولم يعلو صوتي بالهتاف, لذلك فقد كان الخوف يملأني
لكني نظرت يميني ويساري لأجد السيدات اللاتي يشاركنني في الرحلة من حولي يهتفون بنفس الكلمات وبدأت الشجاعة تتسلل الى قلبي, وشعرت أنني أذوب بينهم لأصبح جزءا من ذلك الكيان الكبير وعندما وجدت ابتسام تمسك بأصابعي بقوة وهي تصرخ مرددة الهتافات الغاضبة انفجرت في الهتاف معها بأعلى صوت لي وتوارى خوفي حتى انعدم ولم يعد له وجود, وارتفعت يدى تلوح لأعلى مثلهم
حقا لم أكن أتخيل أن لدي قدرات صوتية بهذه القوة, فلم أجرب يوما أن أصرخ بهذه الطريقة ولكل هذه المدة
ولمحت شروق والمصور يقومون بعملهم وبالطبع لم يسلموا من مضايقات الضباط الذين حاولوا أن يثنوهما عن التصوير
استيقظت من مشاعري الملتهبة على تذكري لحقيقة هامة ذابت في كل تلك المشاعر الجياشة التي انطلقت من صدري, وهو أنني صحفية أولا وأخيرا
أخرجت كاميرا الفيديو الصغيرة من حقيبة يدي وأخذت أصور بها وأنا أهتف في نفس الوقت
وبعد مدة, تقدم جدار من أجساد شباب ورجال القافلة بخطوات ثابتة نحو الحاجز واندمجت في تصويرهم وأنا أشعر باثارة هائلة
وللحظة ظننت أنهم سيشتبكون مع جنود الأمن, لكني فوجئت بالجنود يتراجعون أمامهم, ويزيح الشباب الحواجز الحديدية من أمامهم ويلقون بها بعيدا بغضب, واستمروا بالمسير
ونظرت خلفي لأجد الحافلات تتقدم أخيرا بعد أن فتح لها الرجال الطريق, وتبعت المسيرة مع نساء القافلة وخلفنا الحافلات حتى تجاوزنا الكمين وجنود الأمن, وصعدنا جميعا الى الحافلات التي انطلقت أخيرا
عندها اقتربت من شروق وسألتها : هل صورتي كل هذا؟
قالت : بلى, الحمد لله مرت على خير, أتمنى ألا يسوء الوضع أكثر
قلت بدهشة : ألا يزال هناك شيء
قالت ساخرة : أنت لم ترى شيئا بعد, في المرة السابقة أخذوا مني الكاميرا, أتمنى ألا يفعلوها مجددا
فجأة سألتني : ألا تعرفين حقا رقم جوال ياسر؟
نظرت اليها بدهشة : أخبرتك من قبل أنني لا أعرفه
قالت بإصرار : ألا تعرفين رقم أى شخص يمكن أن تطلبيه منه؟
رفعت احدى حاجبي وقلت : كلا, ولكن لم تسألين؟
قالت ضاحكة : لأنه هو الذي أعاد الى الكاميرا في المرة السابقة, حسني المصور لم يستطع فعل أى شيء, وبعد أن يأسنا أنا وهو من استعادة الكاميرا والأفلام التي صورناها عليها وجلسنا ننعي حظنا العثر
فجأة وجدته أمامي يقدم لي الكاميرا بكل تهذيب
صمت تماما أنصت لها وأنا أدعو الله ألا يقاطعنا أحد كالمرة السابقة وقالت هي : أتعلمين, إن له هيبة عجيبة تمنح من معه الشعور بالأمان, كما أن صدقه الشديد وتصرفاته الواثقة الشجاعة تشعرك من أول وهلة بأنه انسان ثقة يعتمد عليه
تمنيت أن أستمع الى تفاصيل القصة التي لم أسمعها بعد, ولكن مع الأسف توقفت الحافلة من جديد مما جعلها تقطع حديثها وتقفز من كرسيها وتذهب الى المصور وتعد نفسها لما سيواجهنا الآن
وأخذت أنا أنظر حولي في تلك الوجوه المشتعلة بالغضب الهادر وكأنما قد نفذ الصبر
انها نقطة تفتيش جديدة, وعندها تكرر نفس السيناريو بتفاصيله
التعنت وتعمد تأخير الحافلات
وأعضاء القافلة يحاولون معهم يرجونهم تارة ويهددونهم تارة ولا مجيب
لكن الأمر كان أشد هذه المرة مع الإستهانة والسخرية من الأمن بحديث الرجال الكبار
ونزل كل من في الحافلات من جديد وتجمعت سيارات عديدة للمسافرين على الطريق, وكلما طلب المسافرون من الأمن فتح الطريق ليكملوا سفرهم تعللوا بأن السبب هم من في الحافلات, مما أشعل الغضب في نفوس الشباب من جديد, ووجدت اللافتات ترتفع منددة بتلك المواقف المتعنتة والإعاقات الغير مبررة لقافلة خيرية ليس بها سوى مساعدات انسانية, وأخذ الشباب يهتفون من جديد, وهذه المرة لم أنس أن أصور ما يجري
ووجدت المسافرين قد غادروا سياراتهم وانضموا لأعضاء القافلة, وأخذوا يرددوا معنا الهتافات ويعبروا عن تضامنهم مع القافلة, ومرة أخرى تقدمت المسيرة وأزالت الحواجز واستطاع المسافرون والحافلات العبور
ودع المسافرون القافلة بالتلويح والإشارات بعلامة النصر والتأييد, وانطلقت أبواق السيارات على الجانبين تحيي القافلة بفرح, وردت عليهم أبواق الحافلات بما يشبه زفة سيارات لعروس في شوارع القاهرة
كانت تملأنا سعادة كبيرة رغم أن الوقت قد تجاوز بأضعاف الوقت الذي كان يجب أن نصل فيه, ولكن كان كل كيلو نقطعه يقربنا من هدفنا
وكما كنا نتوقع كانت نقطة تفتيش اخرى بانتظارنا, ولكن الجديد أنها أشد من سابقاتها
ويبدو أنه لم يعد هناك مزيد من الصبر لدى الشباب
فنزل الجميع من الحافلات دون انتظار أمر من أحد وقاموا بعمل مظاهرة أشد من سابقاتها كان الغضب هو المسيطر هذه المرة
وأغلقت المظاهرة الطريق القادم والذاهب احتجاجا على تعطيل الحافلات
الأمن أيضا لم يقصر واستمات في منع القافلة من التقدم بكل وسيلة, وشعر الجميع أن الضباط يعطلون القافلة في انتظار شيء ما
وبالفعل وصل ما ينتظرونه, وجاءت سيارات محملة بجنود بأعداد غفيرة
وشعرت بالخوف الشديد يجتاحني اجتياحا من ذلك المنظر المرعب, وقبضت على الكاميرا بكلتا يدي, وشعرت بيد ابتسام تجذبني للخلف فتراجعت معها لأحتمي بالحافلة
وفجأة تفجر الجنون الغاضب في المكان, واشتبك الشباب مع الجنود في مواجهه مرعبة, وانهال عليهم الجنود بالهراوات في نفس المكان الذي كنت أقف فيه من لحظات
ونظرت حولي لأجد النساء قد تجمعن خلف الحافلات, وأنا متشبثة بالكاميرا أصور كل ما يحدث
العصي تنهال على الشباب وتترك مكانها اصابات تتفجر بالدماء, وأنا أرتجف رعبا
فجأة وجدت أحد الجنود يجري نحوي, وتذكرت كلمات ياسر (احرصي على رأسك, والكاميرا لا تدعي أحدا يأخذها منك)
وفهمت أنه يريد الكاميرا, وأصابني رعب هائل وشلت كل أطرافي, فهي خبرة جديدة تماما على عقلي, ولم يسجل بعد في ذاكرته ردود فعل مناسبة لهذا الموقف
ماذا يمكن أن يفعل لو وصل لي؟ هذا هو كل ما كنت أفكر فيه
ولكن قبل أن يصل لي بسنتيمترات, وجدت أمامي ابتسام بوشاحها السماوي تحول بيني وبينه وهي تصرخ بعنف : ابتعد عنها
دفعها بذراعه فسقطت على الأرض وهو يهتف : هاتي الكاميرا
تجمع أمامه مجموعة من فتيات القافلة حتى لا يصل الي ومعهم ابتسام التي قامت بسرعة, وانضم اليه اثنان آخران من الجنود
وصرخت ابتسام في : اجري, اجري
كانت أقدامي أسرع من عقلي في الاستجابة, فلقد جريت بلا هدى لا أدري أين أذهب, وأنا أشعر أن الكاميرا أصبحت جزء من جسدي علي حمايته ولا أدع أحد يصل اليه
جريت على الطريق الأسفلتي وأنا أتلفت حولي وخلفي لا أدري أين أذهب, وبدأت أقدامي تتباطأ بعد أن شعرت أنني ابتعدت عن الخطر بما يكفي, فالتفت وأخذت أصور الشجار العنيف الدائر وأنا أقترب ببطء
ورغما عني كنت أبحث بعيني عن شروق وأنا متعجبة, ترى أين هي الآن؟
وشعرت بعد قليل أن القوى انقلبت وأصبحت السيطرة لشباب القافلة, وبدأ الجنود في التراجع
ولكن سرعان ما وصل عدد آخر من السيارات الضخمة وأفرغت حمولتها من جنود على الطريق, ثم وقفت بضخامتها بعرض الطريق وسدته تماما, وأمامها أكثر من جدار من جنود مدججين بالهراوات والدروع الواقية, وتحولت المنطقة الى ثكنة عسكرية
ورغم كل هذا كان الشباب لديهم اصرار رهيب على عبور كل هذه الحواجز واكمال الطريق مهما تكن النتيجة
خاصة بعد أن عرفوا عن طريق الهواتف المحمولة أن رفح كلها بشقيها تنتظر القافلة على أحر من الجمر
توقفت المواجهات ولم يجد أفراد القافلة حلا الا أن يفترشوا الطريق, وقام الأطباء بتضميد جراح المصابين ومنهم عمر الذي جعلت منظر جراحه دموع ابتسام تجرى فوق خديها
وقمنا بأداء الصلاة جماعة في المكان, وبعدها قام الطبيب الذي كا اماما لذلك الجمع بترديد دعاء مطول بصوت مرتفع امتلأ بالعبرات والنحيب
والجميع يردد من خلفه بتأثر والأمن حولنا يحاصرنا من كل الجهات
ثم عاد التفاوض من جديد بين المسئولين عن القافلة والأمن, ولكن هذه المرة بلا جدوى
جمع أستاذ حمدي شباب القافلة حوله وقال بصوت متأسف : يا شباب, لقد فعلنا كل ما نستطيعه, ولم نقصر, والله شهيد علينا
وإن لم نستطع الوصول, فقد نلنا شرف المحاولة وثواب النية وبذل الجهد, وحققنا دويا اعلاميا بعد أن صورت القافلة وما حدث لها عبر القنوات الإعلامية ووكالات الأنباء
أوجه لكم جميعا الشكر لمشاركتكم في هذه القافلة, انها محاولة رائعة تظهر حقيقة معدن الشعب المصري الأصيل
تنهد بأسى : أرجوكم عودوا الى الحافلات فسنرجع الآن
خيم ذهول الصمت على الجميع وظهر التأثر الشديد في الملامح والوجوه, وبعضهم جلس أرضا رافضا المغادرة وقرر الإعتصام في المكان
وسمعت أصوات النساء تجهش بالبكاء
ورأيت دموع الحسرة تملأ عيون الشباب وبعضهم بكى بالفعل
وشعرت بالأسى يغمرني فقد كانت لحظة شديدة على الجميع أدركت عندها مدى شوقي العارم ورغبتي الشديدة في الوصول الى غزة,
مجرد فقط الوصول
تلك الرغبة الجارفة التي لم تكن ظاهرة بذلك الوضوح قبلا
فكل ما كنت أشعر به وقتها أنني أقوم بعمل خيري بالإضافة الى الإثارة الصحفية
ولكني أدركت الآن أن مشاعرى تبدلت تماما منذ انطلاق الحافلة من القاهرة وتوحدت مع أفراد القافلة على هدف واحد, هو الوصول الى غزة
وفشل ذلك الهدف البسيط هو ما أصابنا جميعا باحباط هائل وألم لا يمكن وصفه
لكنني لم أذرف دمعة واحدة, رغم شعورى العميق بالألم, لم أستطع أن أبكي, فمنذ صغري وأنا لا أستطيع البكاء أمام أى انسان مهما بلغت الضغوط من حولي, لا يمكن أن أبكي أبدا أمام أحد, تلك هي طبيعة وجبلة جبلت عليها, ومهما كانت حاجتي للبكاء فلدى القدرة على كتمان تلك الرغبة حتى أنفرد بنفسي وعندها أستطيع أن أفرغ دموعي وألمي وضعفي
استفاق الشباب على حقيقة واضحة وهي أنهم لن يصلوا الى غزة, واشتعلوا بالغضب حتى أن بعضهم حاول أن يقتحم الطريق المسدود, لكن هذه المرة وقف رجالات القافلة الكبار في طريقهم وحالوا بينهم وبين الجنود تفاديا لكارثة قد تحدث في المكان
عاد التفاوض من جديد للسماح بمرور بعض التبرعات والمساعدات لكن الرفض قاطعا هذه المرة, ولم يستطع أفراد القافلة سوى الرجوع الى القاهرة بعد أن أصبح التقدم مستحيلا
ورأيت شروق تعود للإنضمام للقافلة وفهمت أنها كانت تصور من مكان لا يرونها منه
واتصل أستاذ حمدي بالهاتف المحمول لإبلاغ المنتظرين هناك على الحدود بما حدث للقافلة
وكانت رحلة العودة بخلاف رحلة الذهاب يغلب عليها الصمت الكئيب المحبط العاجز
وصلنا الى القاهرة بعد العشاء مع وعد من أستاذ حمدي بترتيب قوافل جديدة في محاولات جديدة لكسر الحصار
عدت للبيت واستقبلتني أمي بقلق شديد, وعندما نظرت في وجهي المقفهر ازداد قلقها وقالت : أميرة, أحمد الله أن وصلتي أخيرا, أأنت بخير؟
هززت رأسي بالموافقة, فلم أكن قادرة على الكلام بعد ذلك اليوم الطويل المرهق جسديا وعصبيا ونفسيا وروحيا
قالت بحنان : أنت متعبة, ارتاحي الآن ولنتبادل الحديث فيما بعد
صعدت الى غرفتي بصمت, وألقيت بحقائبي بجوار الفراش بلا ترتيب, وصليت بلا وعي تقريبا, واستلقيت على الفراش واحتضنت وسادتي, ووضعت خدي فوقها, وكأنما كانت وسادتي هي المفجر لدموعي الحبيسة من أول النهار, والتي كانت تثقل فؤادي وتكتم على روحي
انساب دمعي فوق الوسادة وأنا أستعيد التفاصيل المؤلمة لما حدث اليوم, وتحول الدمع الى نحيب وانخرطت في بكاء عنيف استسلمت له تماما
.................................................. ...
يتبع.....................................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الثلاثاء 4 يناير 2011 - 3:07

لا أدري كم استمر بكائي المؤلم, ولكني لم أستفق من تلك الحالة إلا في صباح اليوم التالي, وأدركت أنني نمت وأنا على تلك الحالة
ولكني لم أستيقظ على جرس المنبه ككل يوم, بل على جرس الهاتف, كانت شيرين تسأل عني فقد قلقت بسبب تأخرى عن موعدي وخشيت أن يكون قد حدث لي مكروه بسبب الرحلة
أغلقت الهاتف بعد أن طمأنتها وأخبرتها أنني سآتي اليوم الى الجريدة
نظرت حولي لأجد أن أحد قد أسدل على الغطاء, فأدركت على الفور أن أمي كانت تتابعني بقلق طوال الليل ولكنها لم تقترب مني وأنا أبكي, فقد كانت أكثر من يفهمني ويعرف طبعي, لذلك فقد تركتني أتحرر من ألمي ودموعي بحرية وحدي, وعندما استغرقت في النوم دخلت لتغطيني
غمرني شعور جميل بالراحة والإحتواء فأمي الحبيبة تعرف جيدا متى تراقب من بعيد ومتى تتدخل في الوقت المناسب
أخذت حمام في زمن قياسي وارتديت ملابسي على عجل وجمعت شعري في دائرة كبيرة في رأسي من الخلف على غير عادتي, وثبته جيدا وانطلقت بسرعة الى العمل, وقبل أن أخرج سلمت على أمي وطمأنت قلقها على
دخلت الى المكتب بخطوات بطيئة مرهقة على غير عادتي, ولم ينسى كمال أن يستقبلني بواحد من تعليقاته السخيفة : ها قد أتت المناضلة
قال الأستاذ فؤاد بتعاطف : كيف حالك يا أميرة؟ هل كل شيء على ما يرام؟
قلت ببطء : الحمد لله, أنا بخير
كان صوتي محشرجا يخرج بصعوبة, فقد بح من كثرة صراخ الأمس
قالت شيرين بقلق وهي تنهض لتستقبلني : عزيزتي, قلقنا عليك كثيرا
همست ممتنة وأنا أتنحنح : شكرا يا شيرين, لقد مر الأمر بسلام
وضعت حقائبي فوق المكتب وجلست بارهاق على الكرسي, وأنا أتعجب, الكل سأل عن أحوالي الا شخص واحد فقط نظر الى ولم يعلق رغم أن مكتبه يواجه مكتبي مباشرة, هل المقاطعة وصلت الى هذه الدرجة!!!
أزحت حاجياتي جانبا وأسندت رأسي الى كفي بإرهاق وأنا غير قادرة على النظر في أية ورقة, فالصداع يكاد يفتت عظام رأسي
قلت لأستاذ فؤاد برجاء : أستاذ فؤاد, هلا أمرت لي بكوب كبير من القهوة السوداء المركزة من فضلك؟
قال بود : بالتأكيد يا بنيتي
كنت شاردة أحاول أن ألملم أوجاع رأسي, عندما شعرت بشخص يضع كرسيا أمام مكتبي ويجلس عليه, وعندما رفعت رأسي وجدته ياسر
كانت تلك هي المرة الأولى التي يبادر فيها هذه المبادرة
قال بصوت هادئ به نبرة اهتمام : حمدا لله على سلامتك
قلت بدهشة : سلمك الله
قال : كيف كان يومك أمس؟
لم أستطع أن أنظر اليه فقد كنت أدلك جبيني بأصابعي وأنا أغلق عيني من شدة الصداع, ولكنني ابتسمت بسخرية وقلت بتهكم : لا أستطيع أن أجد الكلمات المناسبة التي يمكن أن أصف بها ذلك اليوم المشهود
فظيع ربما, أو مريع أكثر مناسبة
قال بلهجة هادئة : أنت متعبة للغاية, كان عليك البقاء في البيت للراحة
كنت مندهشة للغاية من تغير موقفه تجاهي, وأخذت أخرج ملفاتي وأوراقي من الحقيبة وأرصها على المكتب فقد كان آخر ما أتمناه هو أن أثير شفقته, وقلت بسخرية أحاول بها اخفاء مدى تعبي الذي بلغ مبلغه : لا بأس, انها فقط بعض الألعاب النارية التي تنطلق في رأسي وستهدأ بعد قليل
قال : عليك النظر الى الجوانب الإيجابية من التجربة وستجدين أن هناك الكثير منها
تنهدت بعمق : كل ما أخشاه أن يفعلها زكي معي كما فعلها معك, وعندها سيكون موتا وخرابا للديار معا, لن أتحمل ذلك أبدا, وقد أترك الجريدة
قال بلهجة من يثق تمام الثقة : اطمئني, سينشر مقالاتك بالتأكيد
فوجئت به يلملم الملفات والأوراق التي أمامي وهو يقول بجدية : سأقوم أنا بمراجعة هذه الملفات
قلت بدهشة وأنا لا أستطيع أن أفتح عيني : ما كل هذا الاهتمام!!!
هل قررت أخيرا قبول طلب الصداقة الذي تقدمت به الى معاليك!!!
لم تحمل لهجته الى أذني أية سخرية أو حتى أسلوب غير لائق, بل كان هادئا وجادا جدا وهو يقول : من الصعب أن أغير رأيي في شيء أنا مقتنع تماما به
قلت باسمة : أعلم, فأنت رجل صاحب مبدأ ومؤمن بكل خطوة تخطوها
قال وهو يقوم من كرسيه : إننا زملاء ويسعدني تقديم المساعدة
قلت : شكرا
ثم عاجلته بسرعة : شروق ترسل لك تحياتها
قال بدهشة وتساؤل : شروق!!
ثم أكمل وكأنما تذكرها : آه, نعم, هل كانت معكم؟
قلت : بلى, انها ممتنة لك لما قدمته لها من مساعدة في المرة السابقة
لا أدري لم أتيت على ذكر شروق الآن؟! هل كنت أحاول استفزازه!! لا أدري
ولكنه تقبل الكلام بطريقة عادية تماما وقال بصوت خالي من أية تعبيرات : أى انسان آخر في مكاني كان سيفعل ما فعلته وأكثر
فهمت من حديثه أنه يعتقد أن شروق قصت على ما حدث بينهما
آمنت تماما أنه شخصية واضحة للغاية في كل شيء, أفعاله وتصرفاته صادقة وواضحة للغاية, لذلك, لا يمكن لأى انسان أن يأخذ عليه أى مأخذ
ناديته بصوت منخفض بسبب احتباس صوتى : ياسر
ومن أول نداء التفت الى قائلا : نعم
اقترب ثانية من مكتبي ليستطيع سماع ما أقوله, فقلت له : هل يمكن أن أطلع على مقالاتك التى منعها زكي؟ أريد أن أعرف ما الذي كان يحدث قبل أمس والى أين وصل غيرى, أريد أن أفهم الموضوع بكل جوانبه
قال مؤكدا : سأفعل ان شاء الله
.................................................
وبعد أيام عندما عرضت التحقيق الذي كتبته بعناية على زكي والذي قرأه ياسر أولا وأبدى اعجابه به, كنت متوجسة أن يرفضه زكي كما رفض مقالات ياسر قبلا, لكن ياسر شجعني وأكد لي أنه لن يفعل
عجبا!!
من أين أتته كل هذه الثقة!!
عدت من مكتب زكي وأنا أكاد أطير فرحا بموافقته على نشر التحقيق, ودخلت المكتب وأنا سعيدة للغاية وأهتف : وافق, وافق, وافق, وافق,
ابتسم أستاذ فؤاد قائلا : رائع, لم أشك لحظة في كلام ياسر, فعندما يقول أنه سيفعل فسيفعل بالتأكيد
صفقت شيرين بسعادة وأشارت الى بإبهامها دليل التأييد : تقبلي تهنئتي يا عزيزتي, فأنت تستحقين كل الخير
قال كمال بأسلوبه السمج : ياسر, هلا توقعت لي ماذا سيفعل زكي بمقالي التالي يا بركة؟ وفي أى صفحة سينشره؟
نظرت اليه باستخفاف
لكن ياسر تقبل الأمر بصدر رحب على أنه نكتة, ورد عليه مازحا : إن شاء الله, عندما أقرأ لك فنجانك, أو ربما أحلم لك حلم من أحلام سي علام
ضحك الجميع لمزحة ياسر, أما أنا فقد كان حماسي وسعادتي يفوقان أية مشاعر أخرى
جلست أمام ياسر مباشرة وكعادته التي تقبلتها كإجراء اعتيادي منه لم ينظر لي واستمر يكتب على الكمبيوتر, وقلت بحماس كبير : هلا أخبرتني كيف توقعت أنه لن يعترض على نشر التحقيق؟؟
قال ببساطة : الأمر ليس فيه أية توقعات, لو لم ينشر التحقيق فسينشره غيره, ولا يمكنه المجازفة بخسارة صحفية نشيطة مثلك
أسعدني كثيرا اطرائه لي
احتفظت به في نفسي على انه اطراء, رغم أن ياسر لا يعرف المجاملات ولا الإطراء
أكمل : لقد حشدت اللجنة الإعلام حشدا, وأذيع كل ما حدث على القنوات الفضائية, وكثير من صحف المعارضة نشرته
فكان عليه أن ينشر التحقيق حتى لا يكون الجريدة الوحيدة التي لا تذكر الحقيقة
قلت بدهشة : ولكن لم لم يتعامل مع مقالاتك من نفس المنطق؟
قال : لأن المقالات التى كتبتها اعتبرها هو وجهة نظر من جانب واحد فقط, فقد كانت تصور ما يحدث في الجانب الآخر
كما أن هناك تشديد على عدم الحديث في هذا الموضوع في هذا التوقيت بالذات, عجبا!! فكما أن هناك حصار على أرض الواقع, هناك أيضا حصارا على تصوير هذا الواقع بإبعاد القنوات الفضائية وأخذ الكاميرات منهم
قلت بفهم : كما فعلوا مع شروق!!
قال : نعم, لقد حالفك التوفيق بالفعل لأنك لم تكوني هناك قبلا
والآن وبعد أن صورت القنوات الفضائية ما حدث فلا مانع من النشر
قلت بدهشة : اذا فما يحدث هو يحدث وسيحدث وبنفس الطريقة, ولكن التغير الوحيد هو السماح بالإعلان عنه
اذا فالوجه صار مكشوفا دون أى احساس بذنب أو حتى الاحتراز لردود أفعال العالم, أو اعتبار لأية انتقادات من أية جهة كانت
قال بتهكم يشوبه المرارة : رزق الصحفيين
قلت بابتسامة سعادة : رغم كل شيء فأنا أتفاءل بوجهك, ولا زلت أتمنى أن تقبل دعوتي لك على الغداء, هذه المرة كزملاء مكتب واحد, ان كنت لا زلت مصرا ألا نكون أصدقاء
دعوة بريئة فقط أعبر لك بها عن مدى امتناني لدعمك ومساعدتك لي
هتف كمال من خلفي بأسلوبه السمج : آخ, يعطي الحلق....
وتجاهلته تماما كعادتي, وكما تجاهل ياسر تلك المقالة الطويلة التي أفردتها في مدحه الآن, وكأنه لم يسمع حرفا مما قلت, وقال بجدية وعيناه في شاشة الكمبيوتر : كنتي قد طلبتي مني سابقا المقالات التي كتبتها في هذا الموضوع
صمت قليلا مشدوهة من ردة فعله, ثم زفرت زفرة ضائقة لا شك أنها أوصلت اليه مدى ضيقي بتجاهله لمشاعري وكلامي وقلت وأنا أضغط أسناني بغيظ : بلى, هل قررت سيادتك أخيرا أن تتفضل على ببعض من كرمك وتدعني أقرأها
للمرة الثانية يتجاهل تماما كل ما أقوله ولا ينظر نحوي حتى وهو يقول: حسنا, ستجدينها على مدونتي على النت , وسأرسل لك الرابط
رغم أنه لم يقل أى شيء يمكن أن يستفز أى انسان, ولكن في تلك اللحظة وجدتني أغلي بالغضب من أسلوبه اللا مبالي
ضربت سطح مكتبه بكفي بعصبية وأنا أهب واقفة, مما اضطره لأول مرة أن يبعد عيناه عن الكمبيوتر وينظر لي بدهشة وكأنما لا يتوقع أن أغضب
لكنني قلت بضيق به رنة سخرية : كلا, شكرا, لا ترهق نفسك, فأنا لا أحب القراءة من شاشة الكمبيوتر, أرجوك عد لعملك, فأنا آسفة حقا لمقاطعتك
عدت لمكتبي بعصبية واضحة ولم يفتني نظرات كمال المتهكمة ولا دندنته المستفزة التى تثير أعصابي أكثر وأكثر, ولكنني اعتصمت بالصمت ولم أصرخ في وجهه حتى لا يزل لساني بالخطأ من شدة انفعالي, فتحت الأوراق التي أمامي بعصبية رغم عدم تبيني لأى حرف منها لكيلا أنظر الى ما حولي أو أستفز من جديد, ولكن فجأة وعلى غير ما توقعت وجدت يدا يحمل خنصرها خاتم فضي مميز وأنيق تمتد أمام وجهي بملف أخضر وياسر يقول : تفضلي
تطلعت اليه وارتفع حاجبي الأيمن وأنا أتساءل بتجهم : ما هذا!!
قال بنبرة هادئة بها بعض الإعتذار : انها المقالات التي طلبتها, أعتذر عن سوء الفهم فلم أكن أعرف أنك لا تحبين القراءة عن طريق الكمبيوتر
وظننت أنك قد ترغبين أيضا في الإطلاع على بعض مما كتبته من قصص قصيرة وخواطر, انها موجودة على المدونة, والكثير منها كتبته مباشرة على الكمبيوتر دون أن أسجله في الدفتر البني
أظن أن أحدهم قد ألقى على بدلو من الماء المثلج في تلك اللحظة, ولم أجد أية كلمة يمكن أن أرد بها وأنا أتناول منه الملف سوى كلمة شكرا
عاد الى عمله دون أن يزيد, ونظرت أنا الى أستاذ فؤاد الذي رماني بنظرات لائمة معاتبة على عصبيتي وأسلوبي الجاف مع ياسر
من الصعب حقا أن تصل لشيء مع انسان له تهذيب ياسر
أختلف معه في أشياء كثيرة نعم, ولكنه يجبرني دوما على احترامه, وتقدير كل فعل يقوم به
ركبت سيارتي متجهه الى البيت وتوقفت في أول اشارة في الشارع الرئيسي الذي به مبنى الجريدة, فاليوم الزحام شديد, ولكن فجأة لمحت ياسر في نافذة الحافلة الصغيرة (ميكروباص) المتوقفة في الإشارة بجوار سيارتي
لم ينظر الى, فقد كان يقرأ في مصحف صغير بين يديه
لم أستطع أن أحول عيني عنه وأخذت أتأمله بشرود
لا زالت بداخلي تلك الأمنية, لا زلت أتمنى أن نكون أنا وهو أصدقاء, وكل موقف أو احتكاك ولو بالصدفة معه يزيد من تلك الرغبة بداخلي ويشعرني تجاهه بثقة كبيرة واحترام وتقدير لعقله وأفعاله
إنه...
كيف يمكن أن أصفه؟ لا أجد وصفا مناسبا أكثر من أنه رجل مستقيم, نعم مستقيم في أفكاره وأفعاله, لا يخفي شيئا ولا يضطر أبدا للكذب, نقي الروح, صادق اللسان, شامخ الشخصية, خدوم لكل من حوله
استيقظت من أفكاري عندما تحركت الحافلة الصغيرة التي تقله, وسمعت أصوات أبواق السيارات العالية من خلفي تنبهني أن الاشارة فتحت وأنا لم أتحرك, فحركت السيارة وعدت الى البيت بسرعة واضطجعت على الفراش وانخرطت في قراءة الملف الذى أعطانيه ياسر
وفهمت الآن فقط ماذا كان يعني بأن زكي اعتبر المقال هو وجهة نظر من جانب واحد
كان المقال يتحدث عن مأساة العالقين على المعبر من حملة الجنسية المصرية, والذين كانوا في زيارات لعائلاتهم الفلسطينية وأغلق عليهم المعبر ولم يجدوا الا أن يفترشوا أرض المعبر من الجانب الفلسطيني في انتظار أن يفتح لهم ليعودوا لبيوتهم في مصر, وأغلبهم من سكان رفح والعريش, وبيوتهم لا تبعد عن المعبر سوى بضعة كيلومترات
وأورد المقال صورة لبعض الحالات الإنسانية التى تعاني الأمرين من غلق المعبر فمن سكان مدينة العريش، عجوز بلغت الستين تحكي بدموعها عن ظروف احتجازها القاسية: قررت البقاء على بوابة المعبر لحين فتحه، وأنا أشعر بالقلق الدائم على أولادى الذين لم أرهم ولم أسمع عنهم شيئا لستة أشهر.

وأضافت "كنت في زيارة عند أقاربي في مدينة غزة، وفي كل مرة يتحدثون فيها عن فتح المعبر أذهب بسرعة إلى رفح لعلي أتمكن من العبور لكن دون جدوى
وسيدة أخرى تحكي : نعيش في مبنى بسقف دون جدران وكأننا على قارعة الطريق ينظر إلينا كل من يمر من هنا، ويرسل إلينا أهل الخير من المنطقة ماء وطعاما نسد به رمق أطفالنا".
وأضافت، أن قلبها يعتصر ألما وحزنا على أطفالها الصغار الذين يقاسون الأمرين بفعل ظروف انتظارهم الصعبة وتدهور حالتهم الصحية دون أن تتمكن من علاجهم، لنفاد مالها.
وسيدة أخرى تعرب عن بالغ قلقها وخوفها من أن يتسبب احتجازها في فقدانها لعملها وحرمانها من مصدر قوت أطفالها
ألقيت بالملفات بعصبية, فكلما قرأت كلما ازداد حنقي وغضبي
بل أدركت الآن كيف كان شعور ياسر وهو على المعبر
وفهمت أن زكي لم ينشر له تلك المقالات فقط للأسباب التى قالها ياسر, بل أيضا لأن أسلوب المقال قوى ويؤلم ويمتلئ بالإثارة وتهييج المشاعر
انتزعتني أمي من أفكاري ووجدتها فجأة تقف أمامي وعينيها تمتلئ قلقا وحيرة
قلت بدهشة : أمي!! منذ متى وأنت هنا!!
قالت : طرقت الباب عدة مرات ولكنك لم تردي, فدخلت لأسألك عن أحوالك وكما توقعتك مستغرقو في القراءة لدرجة عدم الشعور بمن حولك
قلت باسمة : انها مقالات ياسر, وأنا بخير والحمد لله
ولكني قلقة بعض الشيء
جلست بجوارى وقالت باهتمام : وما الذي يقلق أميرتي؟قلت : انها قلقة على الملكة الأم, هناك ما يشغلها ويقض مضجعها
نظرت الى بدهشة فقلت : هكذا أرى في عينيها
تنهدت بأسى وقالت : ماهرة أنت في لغة العيون
قلت باهتمام وقلق : أماه, ما الذي يقلقك الى هذه الدرجة؟ أهو أيمن؟
هزت رأسها موافقة فقلت : وما الجديد!! هو مصدر دائم للقلق
قالت : الجديد أنه يريد السفر للخارج
قلت بدهشة : أهي بعثة, أم منحة من جامعة أجنبية؟
هزت رأسها بإحباط : بل يريد السفر على نفقته الخاصة
قلت : لم؟ أينوي أن يدرس في أوروبا؟
قالت : الأمر لا علاقة له بالدراسة, هو فقط يريد السفر
قلت بدهشة : هكذا فقط دون أسباب مقنعة أو حتى تأشيرة محترمة؟
لا تقولي أنها هجرة كالتي نسمع عنها, هجرة البدروم والحجرات المظلمة والزوارق المطاطية!! هل جن!! لا أصدق أن أخي يفكر بهذه الطريقة!!
انتفضت من الفراش بغضب : سأذهب اليه لأصلح له عقله
قالت : لا تتعبي نفسك, هو مصر تماما على موقفه, يقول أنه أحب فتاة ايطالية يتواصل معها عبر النت وبمجرد أن يصل هناك ستستقبله ويتزوجها ويحصل على الجنسية
هتفت بغضب : وماذا سيعمل هناك؟ ماسح أحذية, أم غاسل للصحون, أم عامل لتنظيف المراحيض؟ !! أم سيعمل زوج السيدة!!!
أين العقل؟ أين الدين الذي تربى عليه!!! أهو حقا أخي؟ لا أصدق!!
اتصلي بيحيى ليأتي ويتحدث معه
قالت بيأس : فعلت, وتحدث اليه طويلا ولكنه لم يصل معه الى شيء
فأيمن مصر ولن يتنازل عن رأيه أبدا
قلت بدهشة : حتى يحيى فشل معه!! لكم تغير أيمن!!
حسنا, وماذا تريديني أن أفعل؟ ان كان يحيى قد فشل معه اذا فهو لن يتقبل مني كلمة كما تعلمين, وعندما نتناقش في موضوع ما فهو يزداد عنادا وتصلبا في الرأى
قالت بألم : لا أريد منك أن تتحدثي اليه, فأنا هنا لأتحدث اليكي
قلت بتعاطف : أعلم كم يبلغ ألمك يا أماه, شيء بشع حقا أن نراه يتدنى الى هذا المستوى
قالت بتوجس : أخشى أن يسوء الوضع أكثر
هتفت بغيظ : وكيف يمكن أن يسوء أكثر من هذا!! أهناك شيء لم يفعله بعد!!
قالت : أخشى أن تشتبكا معا أو تحدث بينكما مصادمات
قلت : وما الجديد, فنحن دائما ما نتصادم
ولكن اطمئني فمن هذه اللحظة لن أتحدث اليه في أمر السفر حتى لا أنفجر في وجهه وأخرج له القديم والجديد
قالت : لا أريدك أن تتفاجئي, ولكن أيمن يطالبني ببيع الأرض التى ورثناها جميعا عن أبيك ليأخذ نصيبه منها ملا ينفقه على السفر
هتفت بذهول : ماذا؟؟ لقد جن تماما,
اتجهت نحو الباب بعصبية وأنا أهتف : على أحد ما أن يوقفه عند حده, ولن أسكت بعد الآن عن تصرفاته المجنونة
قالت بسرعة : أيمن ليس في البيت
قلت هازئة : مرحى, هل خرج من قوقعته أخيرا!!!
آه, نعم, لا شك أنه يخشى من مواجهتي
قالت بحزن : أنا لم آت الى هنا لأسمع منك هذا الكلام, ولا لأشهد معركة بينك وبين أخيك, لقد أتيت لأجد معك حلا لتلك المشكلة
أيمن يريد المال ليسافر, ولا أخفي عليكي لقد قالها لي بوضوح أنه يريد حقه في ورثه من أبيه
قلت بعنف : الآن يبحث عن الحق هذا الفاشل المهزوم!! لم لا يدع الأجنبية تنفق عليه!! لم لم ترسل له تأشيرة محترمة ان كانت حقا تحبه!!
قالت بإحباط : وهل تعتقدي حقا أنها تحبة؟ إن نصيبه من بيع الأرض كبير, أظنه سيدفع منه لمن سيوصله الى ايطاليا
قلت : بلى, فالطريق طويل الى ليبيا, كما أن الزورق الذي سيعبر به البحر يحتاج مبلغا كبيرا ولكن سيتبقى لديه مبلغ كبير أيضا
أتعلمين فيما أفكر؟
أظن أن حبيبة قلبه ستأخذ منه مبلغا كبيرا للغاية لتتزوجه وتمنحه الجنسية
نزلت دموعها غزيرة : لقد وصلك ما وصلني تماما, رغم أنه ينكر ذلك بشدة
قلت بغيظ : كيف يصل الى تلك الدرجة من الدناءة والحقارة!!!
لا يمكن أن أوافق على ذلك, وان كان يريد السفر فليدبر أموره بنفسه, الأرض لن تباع
قالت : اذا فلقد قررتي أن تدخلي في عراك مع أخيك بسبب المال
قلت بتحدي : لا يا أمي, بل قررت أن أصعب عليه الأمر للغاية عله يستفيق من غيه
..................................................
يتبع.........................................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الأربعاء 5 يناير 2011 - 23:47

مرت أيام وصفعتني مفاجأة جديدة لا تقل قوة عن مفاجأتي أن أخي الوحيد سيهرب خارج بلاده مع أجنبية
فتحت الجريدة لأقرأ التحقيق الجديد لياسر لأفاجأ بأنه عن شركة الاستيراد التي تستورد القمح الروسي والذي يستخدم في صنع الخبز المدعم
استشطت غضبا, فما كنت أتصور أن ياسر يفعل هذا!!
أخذت الجريدة ووقفت أمامه وهو جالس خلف مكتبه وقلت بغضب : ياسر, ما هذا التحقيق الذي نشر لك اليوم!!
قال بهدوء : هل أعجبك؟
قلت بغضب : أتجرؤ أن تسألني أنا هذا السؤال!!
التفت الى بدهشة كبيرة وقال : ما هذه اللهجة التي تتحدثين بها؟!!
قلت بعصبية : ما كنت أعتقد أبدا أن تفعل هذا
أنت, أنت بالذات ما كنت أنتظر منه هذا!
قال بحدة وقد بدأ يغضب : مهلا, مهلا, أوضحي ماذا تعني بكلماتك
قلت وقد أعماني الغضب : أتدعي البراءة!!
انتفض من كرسيه وهتف بطريقة هزتني من الداخل : كفى, لن أسمح لك بكلمة أخرى
نعم
شروق محقة, إن لديه هيبة عجيبة حقا
لأول مرة يخرس لساني أمام انسان وأنا موقنة أنه أخطأ في حقي
لكن ياسر مختلف, حقا مختلف عن أى انسان قابلته في حياتي
كانت عيناه تشتعلان بالغضب من كلماتي
غضب مخيف, يبدو أنني تماديت كثيرا
ابتلعت ريقي وحاولت أن أسترد رباطة جأشي أمامه وأنا أقول : هذا التحقيق كان من المفترض أن أقوم به أنا
قال متهكما : لم!! أهو احتكار أم أن اسمك قد كتب عليه!!
قلت بعصبية : لا تستفزني بكلماتك
قال بحزم : وأنت التزمي حدود الأدب معي, فلن أتقبل أسلوبك هذا أبدا
تدخل أستاذ فؤاد بسرعة : توقفا أنتما الاثنان, لا يجوز أن تتراشقا هكذا بالألفاظ, تذكرا أنكما زملاء
قلت بغضب : انه لم يراعي أصول الزمالة معي
قال بغضب : اسمعيني جيدا, اما أن تقولي ما لديك مباشرة, أو تسكتي
قال أستاذ فؤاد : ما الذي جرى لكل هذا يا أميرة؟
قلت بضيق : الموضوع الذي أعمل عليه من مدة طويلة, موضوع شركة استيراد القمح الذي عرضته على زكى ووافق أن أقوم به, وتعبت كثيرا في جمع المعلومات عنه, وكنت أعد سلسلة من التحقيقات القوية
وأفاجئ اليوم بأن الأستاذ سبقني ونشره
قال ياسر بغضب : قبل أن تتهميني, اعلمي أنه لا معلومات لدي عما تقولينه الآن
قال أستاذ فؤاد : لا تتسرعي, لم لا تسألين زكي أولا؟
رفعت حاجبي الأيمن والغيظ يأكلني : حسنا, سنرى
خرجت من المكتب بخطوات غاضبة متجهة الى مكتب زكي, اقتحمت المكتب فقال بدهشة : كيف تدخلين المكتب بهذه الطريقة!!
هتفت : وكيف تفعل بي هذا!!
أسند ظهره للكرسي وقال ببرود : آه, فهمت
قلت : لقد سرقت عرقي وجهدي, وبعد أن أعطيتني موافقتك للعمل الجاد في هذا التحقيق
ألديك فكرة كم تعبت في جمع المعلومات حول هذا الموضوع!!
قال بابتسامة مستفزة : ولكنك تأخرتي
قلت باستنكار : تأخرت!! كيف تقول هذا!!
قال : ظننت أننى سأحصل على التحقيق سريعا, ولكنك سافرت الى العريش
هتفت بغيظ : انه يوم واحد فقط
أتعاقبني على سفري للعريش!! لقد قدمت لك تحقيقا لم تكن لتحلم به
قال : هذا صحيح, لقد كسبت الجريدة تحقيقك الرائع, وفي نفس الوقت خسرت مقالات ياسر, وكان على أن...
لم أدعه يكمل : الموضوع كان لي من البداية, وأنت وافقت عليه, فما دخل ياسر بالأمر؟
أتجامله على حسابي!!
قال : ياسر قدم تحقيقا رائعا وفي زمن قياسي, وأنت تأخرتي
صمت تماما أمام تلك الكلمات العجيبة, وأنا أحاول أن أعمل عقلي لأفهم ما الذي يريده زكي بالضبط
قال بمهادنة : لا تغضبي, أرجوكي, أعدك ألا يتكرر هذا الأمر ثانية, ولن...
قلت بلهجة مهددة : أنت تحاول الإيقاع بيني وبين ياسر, لقد جعلت الأمر كما لو كان سباقا بيني وبينه, دون حتى أن ندري بذلك, لقد استغفلتنا, وأشعلت نيران المنافسة بيننا
قال مدافعا : أنت لم...
هتفت بعنف : أنت لا يهمك سوى الإثارة والتوزيع والسبق الصحفي, لا يهمك أن تتحول غرف الجريدة الى بؤر للمنافسة الحارقة, وبدلا من التعاون تحترق بنيران الغيرة بين الزملاء
عجبا, لم تكن هذه هي السياسة التي تتبعها قبلا!!
آسفة, لا يمكنني الاستمرار في جو كهذا
تسابقت أقدامي خارجة من تلك الغرفة الخانقة وأنا أسمعه يهتف من خلفي : أميرة, انتظري, فلنتفاهم
عدت الى المكتب وأنا لا أرى شيء أمامي سوى الغضب, ولم ألتفت لأى انسان في المكان ولا حتى لشيرين التي هتفت : أميرة, ماذا فعلتي مع زكي؟
جمعت أشيائي بسرعة وأفرغت درج مكتبي بعصبية, وأستاذ فؤاد وشيرين يحاولان فهم أى شيء مني, ولكني قلت باختصار : زكي لا يمكن أن يكون مديرا محترما, ان ما فعله شيء لا يمكن احتماله
قال كمال ساخرا : لم تأتي بجديد
فجأة قال ياسر وهو واقف أمام مكتبي مباشرة : ترك الجريدة لن يحل المشكلة, عليكي البقاء ومواجهة المشكلة
فوجئت بكلماته وتجمدت في مكاني ونظرت اليه بصمت, فقد كان الخجل يغمرني, حاولت أن أقول له أى شيء, أى شيء لكنني لم أستطع, فحملت أغراضي وكدت أخرج من الباب, لكنه اعترض طريقي, وقال بحزم : يجب أن تفهمي أنك لن ترحلي من هنا بهذه الطريقة, ولن أكون سببا في تركك للجريدة
ابتلعت ريقي ونظرت اليه وأنا أستجمع أكبر قدر لدي من شجاعة الاعتذار وأنا أقول : ياسر, أنا. أنا آسفة حقا, عن كل ما قلته
زكي يريد الايقاع بيننا, يريد أن يحولنا الى متنافسين, لهذا كلفك بنفس الموضوع الذي كلفني به وانتظر أسبقنا اليه لينشرله
ما آسف له حقا هو أنني ما كان يجب أن أشك لحظة في نزاهتك
قال بهدوء : أخبرتك من قبل أنه ما من مكان في هذا الكون مكتمل, كل ما نستطيعه هو وزن العيوب والمميزات
صدقيني, لو تركتي عملك فستتعبين كثيرا للحصول على غيره
قلت : شكرا لنصيحتك, لكن الأمر بالنسبة لي منتهي
غادرت المكان وأنا أحترق غضبا, ومرت على عقلي كلمات ياسر, انه محق, أعلم جيدا أنني لن أجد عمل آخر بهذه السهولة وإن وجدت فلن يكون على نفس المستوى
لكن ما حدث لا يمكن أن أسكت عنه
في اليوم التالي كنت في النادي مع صديقي الوفي.. أصيل
ركوب الخيل هو الشيء الوحيد الذي يشعرني بالراحة, ويخفف عني الغضب والتوتر
كنت عصبية للغاية وأنا أجرى به في المضمار, لا أنكر أن أصيل صديقي تحملني وتحمل غضبي وضغطي عليه
بل كنت أقسو عليه وهو يحاول حمايتي
فهذا المخلوق الراقي له عقل وقلب ويفهم ويشعر كما البشر
لذلك فإن وجوده بجانبي يشعرني بأمان كبير وايناس
لم أنزل من على ظهره الا عندما شعرت بالتعب, وبعدها جلست الى احدى الطاولات التي لها مظلة في الحديقة, وتناولت عصير البرتقال وأنا أنظر الى ما حولي من خلف نظاراتي الشمسية بلا تركيز
سمعت رنة هاتفي المحمول, كان أستاذ فؤاد الذي قال مباشرة : مرحبا أميرة, أين أنت الان؟
قلت بلا حماس : مرحبا أستاذ فؤاد, أهناك شيء؟
قال : هل أنت في البيت؟
تعجبت من سؤاله وقلت : كلا, أنا في النادي
هتف بحماس : رائع, انتظريني سأكون عندك بعد قليل أنا وياسر
هتفت بذهول : ياسر!!!
استثارتني كلمة ياسر بقوة, وصمت قليلا مفكرة, فقال أستاذ فؤاد : أأنت معي؟
ارتفع حاجبي الأيمن تلقائيا وقلت : سأبلغ الأمن عند البوابة لتدخلا بسهولة, وسأنتظركما عند مضمار الخيل
قال : جميل, ونحن في الطريق
أغلقت هاتفي والاثارة تغمرني, أسرعت الى السائس وطلبت منه أن يعد أصيل, ثم أخذت أعدل من مظهري وأطمئن الى أناقة ملابسي, وأخذت أتحسس شعري المربوط على شكل ذيل حصان وأحكمت قبعتي الرياضية البيضاء حول رأسي
عندما أمسكت بلجامه بين أصابعي, وأخذت أربت على عنقه وجبينه أخذ يهز رأسه وكأنما يسألني عما غير مزاجي, فهمست في أذنه : اليوم سأعرفك الى صديقي, نعم, هو صديقي حتى ولو لم يرغب في صداقتي, يكفي أنني أعتبره كذلك
فكرت قليلا ثم قلت بحزم : هناك صديق آخر يجب أن يراه ويتعرف اليه
أخرجت هاتفي المحمول من جيبي واتصلت بيحيى وكالعادة اعتذر وتحجج بالعمل, لكني مارست عليه أشد أساليب الضغط والتهديد, حتى استسلم أخيرا ووعدني أنه سيأتي حالا
أخذت أترقب وصولهما بشغف والاثارة تملؤني وقلبي يدق بشدة وأنا فوق حصاني
حتى رأيته قادما من بعيد فأخذت أختال بحصاني يمينا ويسارا وأدرت وجهي وكأنني لم أره, وبدأت في الاستعراض فأخذت أسرع بالحصان وأقوم بالحركات الصعبة, وعندما اقتربا من المضمار ناداني أستاذ فؤاد بصوت عالى
التفت نحوهما ولوحت بذراعي وأنا أهتف : مرحبا, سأنتهي حالا وأنضم اليكما
ضغطت أسناني بغيظ وأنا أقول لنفسي : ويل لك مما سأفعله بك إن لم تأتي الان يا يحيى
كنت أستعرض مهاراتي مع الحصان ثم التفت نحوهما ولكم أغرقني الغيظ عندما وجدت ياسر قد أدار ظهره لي واندمج في الحديث مع أستاذ فؤاد, فضلا عن تلك النظارة السوداء التى استبدل بها نظاراته الطبية التى يلبسها باستمرار
كان الغيظ يأكلني وأنا أراه لا يلتفت حتى لي, كانا يقفان خارج المضمار بالقرب من أحد الحواجز العالية, فانطلقت بالحصان بأقصى سرعة نحو الحاجز وقفزت من فوقه مما أفزع أستاذ فؤاد الذي هتف : هاى, اهدئي قليلا أفزعتينا
التففت بالحصان نحوهما, وعدلت قبعتي الرياضية فوق جبيني
أخيرا التفت ياسر نحوى
بداية طيبة عندما ينظر الى حصاني تجعلني أأمل أن ينظر يوما ما لمن فوقه
نعم, أنا متأكدة أنه ينظر الى الحصان رغم أنه يخفي عيناه خلف تلك النظارة السوداء السخيفة
قال أستاذ فؤاد مازحا : أتسمح الفارسة القديرة بالنزول قليلا عن حصانها لنحصل منها على حديث صحفي
قلت باسمة : حالا سأكون معكما
أدار ياسر وجهه الى جهة أخرى
أعلم أنه لا يصوب نظراته نحوى أبدا, ورغم أن تلك العادة تدل - كما علمني أبي - على مدى تمتع صاحبها بالاحترام والتهذيب, الا أنني شعرت بالغيظ الشديد من لا مبالاته وعدم التفاته لي
في بعض الأحيان يكون الانسان مهذبا أكثر من اللازم!!
قلت أستفزه لينظر لي : مرحبا ياسر, كيف حالك؟
فشلت خطتي فقد رد على دون أن ينظر نحوى : الحمد لله
أخيرا , سمعت صوت يحيى يناديني, ولوحت له بسعادة : يحيى, مرحبا, تعالى
نزلت عن حصاني وانضممت لهما ولم تمضي لحظات حتى اقترب يحيى منا وصافحته بحرارة : كيف حالك, ألا يمكن أن أراك الا مصادفة؟
قال مازحا : لا يحق لك لومي فالصحافة هى التي أخذتك منا
قدمتهما اليه قائلة : أستاذ فؤاد, تعرفه بالطبع, وياسر زميلي في المكتب
راقبتهما وهما يتصافحان وقلت : يحيى, صديقي العزيز
لا شك أن هدوءه وجمود ملامحه سوف يصيبني بالجنون
منذ أن جلسنا نحن الأربعة حول طاولة مظللة في الحديقة ولم تخرج من فمه كلمة واحدة, يا له من رجل!! حتى الجدية والتحفظ في مكان مثل هذا!!
تكلم الأستاذ فؤاد كثيرا عما حدث في الجريدة وعن زكي, ولكن ما استفزني حقا أن كلمة (ياسر) تخللت حديثه الطويل بعدد لا يحصى من المرات
ياسر قال.. ياسر فعل.. ياسر ينصح.. ياسر لا دخل له...
والمذكور في الحديث لم ينطق بربع كلمة ولم يعبر عن نفسه أو يقول أى شيء
وكانت الجلسة للترضية, وتدخل يحيى في الحديث وطلب أن يسمع القصة كلها وحكى له أستاذ فؤاد, وأنا صامته أتأمل ياسر من خلف نظارتي الشمسية وأنا متأكدة أنه لا ينظر نحوي ولو حتى خلسة, فهذه هي أخلاقه كما أعرفها, كما أنه يمم وجهه نحو أستاذ فؤاد ويحيى
رن هاتف أستاذ فؤاد, فتحه وابتسم ابتسامة واسعة وهو يقول : مرحى
ثم صمت قليلا, وبعدها قال : هذا رائع, نحن هنا في النادي, حسنا, سننتظرك
أغلق هاتفه وأنا أشك في شخصية المتحدث, حتى أعلنها وأكد لي ظنوني : زكي قادم الآن
قلت بعصبية : زكي!!
وما الذي يريده؟ أنا لن أعود للعمل في الجريدة, هذا قرار نهائي
هتف يحيى : الأمر لا يستحق كل هذا الانفعال, فما أكثر ما نواجهه من مقالب ومشكلات في مجالات العمل المختلفة, وما أكثر المواقف السخيفة التي ستقابلينها في عملك, لو كل موقف صدرتي له عنادك وغضبك فلن تبقي في عمل واحد أكثر من أسبوع
وصل زكي وتنحنح بإحراج وبدأ يقدم الاعتذارات أمام الجميع
قلت بلوم : لقد جعلتني أظن السوء في ياسر وأخطئ في حقه
قال باسما وهو يلقي بنظرة خاصة نحو ياسر : وهو لم يقصر, لقد ترك استقالته على مكتبي وهددني إن تركتي العمل في الجريدة فسيتركه هو أيضا, إنه مستقيم للغاية وصاحب مبدأ
هتف أستاذ فؤاد لياسر : ماذا!!! لم لم تخبرني بذلك؟!
اعتدلت فجأة وقلت بذهول : أفعلت هذا حقا!!! لماذا؟! كنت تنصحنى ألا أترك العمل والا فسأتعب كثيرا حتى أحصل على غيره
لأول مرة يتكلم ياسر منذ أن جلسنا في هذا المكان, قال بهدوء : أخبرتك من قبل أنني أبدا لن أكون سببا في تركك للجريدة
صمت تماما أتأمل ذلك الكائن الغريب الذي لا أدري أى شهاب أو نيزك ألقى به على أرضنا هذه
لفترة طويلة كنت أعتقد أن ذلك النوع من البشر قد انقرض, أو في طريقه للإنقراض
دائما ما يسبقني بخطوة, فعندما غادرت الجريدة غاضبة لم أفكر كيف سأرسل لهم باستقالتي, ربما بالفاكس, أو أعطيها لأستاذ فؤاد, لم أهتم بالتفكير في هذه النقطة
أما ياسر فقد كتب استقالته وقدمها بالفعل
لأى شيء؟ لأجلي, لأجلي أنا, لأجل أن أظل في الجريدة!!
بل إنه لم يحادث أحدا بما فعله سوى زكي, لم يخبر حتى أستاذ فؤاد الذي رافقه طوال الطريق
ما هذا الرجل!! ما هذه الشخصية العجيبة المملوءة بالقوة والحزم!! ودون ضجة أو ثرثرة أو اعلانات أو استعراضات!!!
هل يمكن أن أطلق عليه رجل المواقف والأفعال وليس الكلمات
ولكن ما أقرأه له على صفحات الجريدة ليست كلمات بل طلقات رصاص , فأسلوبه كما قلت سابقا قوى للغاية ومؤثر
إن ذلك الضغط الذي مارسه على زكي جعله يقدم على خطوة ما توقعتها أبدا منه, لقد أتى بنفسه ليعتذر لي
بالتأكيد لا يمكنه أن يتحمل أن تخسر الجريدة ياسر وأنا في نفس الوقت
قال زكي بلهجة اعتذار : إن كان هذا الموقف قد أصابك بكل هذا الضيق, فأعدك ألا يتكرر ثانية, وأنا..
لم أستمع لأغلب كلامه, فقد كنت أتأمل ياسر من خلف نظاراتي
لا أستطيع أن أستوعب أننا حتى الآن لسنا أصدقاء!
كيف أستطيع التغلب على تلك الفكرة التي في رأسه!
كيف يمكنني أن أكسر ذلك الحجر الذي وضعه بيننا!!
إن رفضه لفكرة صداقتنا تثير جنوني, كيف يمكن أن أجعله يثق بي وبأخلاقي مثلما أوليته ثقتي التامة
بل إن شعورى بالثقة والاحترام نحوه فرض علي فرضا
انتهت الجلسة برجوعي الى العمل وتمزيق زكي لإستقالة ياسر أمامنا جميعا, وصافحهم يحيى جميعا, وكذلك أنا, ولكن عند ياسر ومددت اليه كفي قائلة بمكر : مع السلامة, أراك غدا في الجريدة
لم يرفع يده ليصافحني كما كنت أتوقع, بل تجمد تماما أمام ما فعلته
فقلت بخبث شديد ويحيى بجواري يراقب : آه, نسيت أنك لا تصافح النساء
أعلم أن ما فعلته من باب الخبث والمكر
ولكن كان على أن أفهم يحيى كل شيء عن ياسر وكيف يفكر ليعطيني رأيه وانطباعاته عنه بصورة صحيحة, وأعلم أن الرسالة وصلت يحيى بدقة
رحل الجميع ووقفت بجوار يحيى أراقب ياسر وهو يبتعد وكأنني لا أرى سواه, حتى أيقظني يحيى بضربة خفيفة على كتفي وقال بصوت اتضح فيه الغضب : هل يمكن أن تشرحي لي ما يحدث هنا؟
ما هذا الذي أحضرتني الى هنا لأراه؟
قلت بحماس : ها, ما رأيك؟ أليس رائعا؟
أرأيت كيف أجبر زكي أن يأتي الى ؟
قال بغيظ : لقد جننتي!!
لا يمكن أن تكوني معجبة بذلك الشخص ذو الأفكار المنغلقة؟
قلت باستنكار : اذا فأنت لم تقرأ شيئا مما كتبه؟
قال : لا يمكن أن تكون فتاة مثقفة ومتفتحة مثلك, وتعجب بشاب من هذه النوعية!!
قلت معترضة : مهلا مهلا, وما المانع؟
أنت لا تعرف كم هو رائع وذو شخصية قوية ومحبوب من الجميع, إنه ليس كما تظنه
أو بمعنى آخر, ليس كما تصوره السينما والتليفزيون منغلق متخلف جاهل مقزز حافي يتقعر في الكلام, ولا يفهم شيئا في الحياة
إنه مختلف كلية عن تلك الصورة الكاريكاتيرية التي نراها على الشاشات, فهو مثقف للغاية وذو أفق واسع وجم التهذيب واجتماعي
حتى كمال التافه السخيف زير النساء يحترمه ويقدره بل ويمزح معه أحيانا كثيرة
أرأيت بنفسك كيف أن أستاذ فؤاد الذي يكبره بأكثر من ضعف عمره مبهور به وبشخصيته وبكلامه؟
عاد اليه الهدوء فجأة, وعندها فهمت أنه يعد لخوض معركة طويلة في اقناعي كما كان يفعل معي دائما وأنا صغيرة
قال بهدوء : سأفترض معك أن كلامك صحيح, وأنك معجبة به وترغبين في التقرب اليه
هل تعتقدي أنه هو أيضا لديه نفس الرغبة؟ أو حتى يستطيع الاقتراب منك؟
هل فكرتي لحظة واحدة كيف ينظر اليك وكيف يفكر فيكي
قلت وأنا رافضة لفكرته التي اتضحت فجأة أمام عيناي : ماذا تعني؟
قال بأسف : أعتذر عما ستسمعينه مني, ولكني أحب أن تسمعينه مني أنا لا منه هو
فأنت تدركين كم أحبك وأخاف عليكي وعلى مشاعرك أن تجرح لأى شيء ومن أى شخص مهما كان
إن هذا النوع من الرجال يا ابنة أختي الحبيبة يراك فتاة متحررة لا يمكن السيطرة عليها أو تحويلها لتابع له يواريه في بيته ويشكله حسب أفكاره ومعتقداته, لذلك فأنت أبعد ما يكون عن تفكيره
يجب أن تصدقيني, فأنا أفهم ذلك النوع جيدا
فهو لا يمكن أن ينظر الا لفتاة تتوافق عقليتها وتصرفاتها (وملابسها) مع أفكاره
فهمت تماما ما يعنيه وهو يضغط حروف كلمة ملابسها, وقلت بتوجس وأنا أشير الى وجهي في دائرة : أتعني...
قال بصراحة : بلى, فتاة ترتدي الحجاب ولا تختلط بالرجال
قلت باعتراض : لكن كل هذه شكليات لا تعبر عن الجوهر الحقيقي للإنسان
قال : مع الأسف, قد تكون تلك الشكليات أهم عند ذلك النوع من العقليات من الجوهر نفسه
كنت محبطة تماما من كلام يحيى, لا شك أنه أثر بي تأثيرا كبيرا
أيمكن أن يكون ياسر بهذه العقلية المنغلقة!! أيمكن أن يكون مظهري الخارجي هو الحائل بيني وبينه!!
كانت تلك الفكرة تحرقني من داخلي وتقض آمالي, وتهزم ثقتي بنفسي
فهى تعني أن ياسر ينظر الى كفتاة متحررة
كلا, فلأكن صريحة مع نفسي وأختار التعبير الأصح, (فتاة منحلة) تعرض صداقتها على الرجال وتضع الزينة وتكشف أجزاء من جسمها
نفضت رأسي بقوة محاولة أن أقاوم تلك الفكرة الكئيبة التي سيطرت على
مستحيل أن تكون هذه فكرته عني
مستحيل
فهي فكرة خاطئة تماما
..........................................
يتبع.......................................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الأربعاء 5 يناير 2011 - 23:48

أهناك شيء يا أميرة!!
أأنت متعبة؟
نظرت الى الأستاذ فؤاد وأدركت أنني شردت كثيرا
فكلمات يحيى لا زالت تسيطر على عقلي منذ أسابيع, تزورني في صحوي ونومي, وياسر كما هو يعاملني برسمية ولا يزيد في الكلام, ولا ينظر نحوى
ألقيت عليه نظرة خاطفة, كان يعمل على الكمبيوتر كعادته لا ينظر لأى شيء حوله
قال أستاذ فؤاد : أراكي مهمومة منذ مدة, أكل شيء على ما يرام؟
قلت محاولة ابعاد كلمات يحيى عن ذهني : أفكر في مشكلة أيمن, لا أدري ما الذي يمكن أن يصلحه؟
قال بأسف : إنه لأمر محزن للغاية, لن أخفي عليك, فلا يمكنني أن أتخيل أن يفعل ذلك واحد من أولادي, قد أموت بالحسرة والقهر لو أن ذلك حدث معي
تنهدت بألم : وهذا ما يقلقني, فأمي تحاول أن تتظاهر أمامي بالقوة, ولكني أعلم أنها تتمزق من داخلها
سمعت فجأة رنة جوال ياسر المميزة والتفت تلقائيا تجاهه, ورد هو على الفور : السلام عليكم...
انتفض فجأة من كرسيه هاتفا : ماذا!!! أأنت متأكد!!
انتبهنا جميعا لردة فعله الغير طبيعية والتي تنبئ بخطب ما, وانتظرناه يقول أى شيء, لكنه أغلق الجوال وانطلق يجري خارج الغرفة
هتف أستاذ فؤاد بقلق : الى أين؟
أجاب وهو يسرع للخارج : الى التلفاز
تبعته بلا وعي وقد بلغت قمة الإثارة, وقد كنت الأقرب للباب, وفوجئت بأن الأستاذ فؤاد خلفي مباشرة
ويبدو أن ردة فعلنا دفعت شيرين وكمال يتبعوننا أيضا
اندفع ياسر الى قاعة الاجتماعات وشغل جهاز التلفاز ذو شاشة العرض الكبيرة المثبتة على الجدار, وأمسك جهاز التحكم وأخذ يقلب بين القنوات الفضائية الاخبارية, حتى توقف عند احدى القنوات
التف الجميع حول الشاشة وأخذوا يراقبون ما يعرض عليها باهتمام
كانت القناة تبث صورة حية لمجموعة من النساء في حالة اندفاع ومواجهة مع جنود وحولهم دخان كثيف يغطى أغلب المشهد, ثم فجأة انفجرت خراطيم المياة في المكان, لقد فتح الجنود مدافع الماء على مجموعة النساء اللاتى كن في حالة تدافع واندفاع عنيفة
هتف أستاذ فؤاد بدهشة : ما الذي يحدث في الضفة!!!
سمعت صوت من خلفي يقول : ليست الضفة, انها الحدود
رفع ياسر صوت التلفاز ليطغى على أى صوت آخر, وعرفت مراسلة القناة من صوتها, انها شروق بالطبع :
قامت عشرات النساء باقتحام المعبر يقدر عددهن بما يزيد على 50 وقام جنود الأمن بالتصدي لهن بقنابل الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه مما تسبب بسقوط حالات اغماء كثيرة بين المتظاهرات وتم نقل بعض الحالات الى المستشفيات المصرية،
وتقول النساء المحاصرات داخل المعبر أن الأمن يحشد المزيد من جنوده المددجين بالعصي للضغط على المتظاهرات للعودة، وتصر النساء على عدم التراجع الا بعد كسر الحصار وفتح البوابة المصرية
مما جعل الكثير من الصحفيين المتواجدين بالمكان يصفونها (بانتفاضة النساء)
هتفت بلا وعي : ما الذي يفعلونه بالنساء
هتف كمال بانفعال : ما هذه القناة!! أليس هناك غيرها!! انها متحاملة علينا دائما
ينتقدوننا ويبرزوا كل ما نفعله وكأنه جريمة
اختطف جهاز التحكم من ياسر وبدل القناة، فهتفت بغضب : كمال، أريد أن أستمع لتعليق شروق
ما كان صياحي في وجهه يمكن أن يجعله يترك جهاز التحكم، لكن نظرة الغضب العنيفة التي ظهرت في عيني ياسر أجبرته أن يعيده اليه بصمت ويعود ياسر الى نفس القناة التي تبث الأخبار وكانت شروق تكمل :
(.... اسرائيل امداد الوقود الى محطة الكهرباء الرئيسية في غزة يوم الثلاثاء مما خفف بعض الشيء من الحصار الذي أغرق معظم القطاع في الظلام التام يوم الأحد الماضي عندما توقفت المحطة عن العمل تماما
ويذكر أنه ليس لإسرائيل وجود في رفح, الا أن اتفاقا بينها وبين الفلسطينيين أبرم بوساطة أمريكية يقضي بعدم فتح المعبر دون موافقتها)
انتهى الخبر,. وانتقل المذيع الى خبر آخر وغرقت القاعة في صمت تام
لا أنكر أنني تأثرت بعمق، مهما يكن فهم مجرد مجموعة من الفتيات والنساء, وفي المقابل جنود مسلحين بالعصي والهراوات بل ويحتمون خلف الدروع
أظنني أستطيع الإحساس بمشاعرهن بما لي من تجربة سابقة مشابهه
هتف كمال : إنها قناة سخيفة ومبالغة وتبث الأخبار من وجهه واحدة فقط
لم أكن أستطيع أن أصدق أن ذلك يحدث بالفعل، كانت هناك شوكة في قلبي يكبر ألمها كل لحظة
قلت بصوت خفيض : أستاذ فؤاد، من من الجريدة هناك؟
قال : لا أدري بالضبط، سمير أو عبد العزيز
قال أحدهم من خلفي ممن تجمعوا من المكاتب الأخرى لمتابعة الخبر الهام : عبد العزيز هناك
نظرت شذرا الى كمال : غدا سنعرف من الصادق ومن المبالغ
قال كمال بعناد : أتصدقين ذلك حقا!!! إنه كذب وافتراء
قال ياسر بصوت غريب لم أسمعه منه من قبل : إن كانت القناة تكذب فالصورة لا تكذب
التفت اليه ونظرت الى جانب وجهه وبدا لي لحظتها أن لون وجهه مختلف، وأنه أصبح داكنا أكثر, كما أن الجمود الذي كسا ملامحه اختلط بقسوة شديدة
شعرت بالقلق وشغلني التفكير في تصرفاته وردود أفعاله
حتى سمعت من خلفي أحدهم يقول : لماذا؟ ما الذي سوف يستفيدونه من تلك المعمعة والدعاية السيئة؟ ألم تضخ اسرائيل الغاز لهم اليوم؟
هتف كمال : حتى تصدقوني, انها مجرد تمثيلية لإثارة الرأى العام ضدنا
قال الأستاذ فؤاد بضيق : لا يجوز أن تقول هذا, هل اختزلت كل المشكلات والحصار المميت في ضخ بترول يكفي لإعادة الكهرباء ليوم أو يومين وبعدها يعود الظلام من جديد!! وماذا عن الطعام والدواء وبقية الاحتياجات الانسانية!!!
هتف كمال : كل هذا بسبب تلك الصواريخ اللعينة التى يطلقونها, هم يلعبون بالصواريخ البدائية العبثية ونحن نحرج ونهان أمام العالم, وليس لنا في الطور نصيب ولا الطحين كما يقول المثل
التفت الي كمال وقلت بغضب : هل تفقه حقا عن أى شيء تتحدث!!
ألديك دماء تجرى في العروق وقلب ينبض!!
ألديك بعضا من عقل!! أتفهم ماذا تعني كلمة مقاومة !!
هناك بشر يموتون كل يوم لعدم وجود دواء, وأطفال يعيشون في البرد والظلام, كل ما بيننا وبينهم هو مجرد باب
وعليك أن تسأل نفسك من أغلق هذا الباب؟
لا أفهم لم أضيع وقتي في التحدث مع شخص مثلك لا يفهم ولا يقدر ما يبذله الآخرين من تضحيات
الكلام معك ما هو الا مضيعة للوقت
هتف كمال بعصبية : أنتما تصدقان!! حسنا هذا شأنكما
ولكني متأكد أن هذه القناة متحيزة وتقدم الخبر من منظور واحد فقط
خرج كمال من القاعة غاضبا وتبعته شيرين ثم خلت القاعة من كل من تجمعوا من المكاتب الأخرى،وخرج أستاذ فؤاد وهو يحوقل ويضرب كفا بكف
التفت الى ياسر لأجده متجمدا أمام الشاشة وكأنما لا يرى سواها
قضى ياسر بقية النهار صامتا شاردا يحملق في شاشة الكمبيوتر كالتمثال دون أن يحرك أية عضلة من جسده
لم أره أبدا غاضبا الى هذه الدرجة، حتى أننا جميعا خشينا الاقتراب منه أو التحدث اليه، وظلت نظرات الدهشة و القلق تدور بيننا أنا وشيرين وأستاذ فؤاد, أما كمال فقد رحل حتى لا يضطر الى سماع المزيد من الاهانات
في المساء اتصل بي أستاذ حمدي وطلب مني الحضور للنقابة
وبالفعل ذهبت مسرعة الى هناك، ووجدت المكان مزدحما والتقيت ابتسام وخطيبها ورفقاء الحافلة، أما شروق فهي هناك بالطبع على الحدود
وقفت في أحد الأركان أبحث عن شخص ما وشعور قوي في داخلي يؤكد لي أنه موجود هنا اليوم، ولكني لا أجده، وتعجبت كثيرا كيف يكون مؤمنا بالقضية الى هذه الدرجة ولا يشارك في أية فعاليات للنقابة ناهيك عن كونه لم ينضم الى اللجنة حتى الآن!
انتهت الأمسية وتركت شحنة عاطفية شديدة بعد مظاهرة الشموع التى قام بها الأعضاء والندوة التي عقدت بعدها وألقى فيها الأستاذ حمدي كلمة صادقة مؤثرة سالت فيها دموعه ودموعنا وانتهت بدعاء يهز المشاعر ويفتت القلوب من أحد أساتذة الأزهر علا فيه النحيب والبكاء وتلوعت القلوب
وعدنا الى بيوتنا على وعد بالخروج بقافلة جديدة الأسبوع المقبل
واكتملت ليلتي بالجلوس أمام الانتر نت لأعيش مع أحداث اليوم بالصوت والصورة، حتى أنني نمت أمام شاشة اللابتوب
سمعت أمي يوما تقول : قد تفعل الأم أي شيء من أجل أطفالها
انه الخوف الذي دفعهن الى ذلك
خوف الأم و الزوجة والبنت
أخرجهن الظلام والموت, ودفعهن دفعا الى المواجهة
لكن خوفهن لم يجد له سوى خراطيم المياه المثلجة في قسوة الشتاء و الغازات المسيلة للدموع
التوقيت كان في غاية الأهمية
فإسرائيل تحاول اقناع العالم انها لا تقتل غزة بالحصار, وما ضخ البترول الهزيل الذي لا يكفي لإضاءة المدينة لبضعة أيام الا دعاية واستعراض لإسكات الضغوط العالمية التى تطالب برفع الحصار المميت
كانت المظاهرة النسائية واقتحام المعبر على الهواء مباشرة
مما حرم الصهاينة من الاستفادة الاعلامية من ضخ البترول
فقد كانت أنظار العالم موجهة نحو نساء خرجن من داخل الظلام والموت للمطالبة بحقهن في الحياة
انهن النساء ثانية..
عندما خرجن لإنقاذ الرجال المحاصرين في بين حانون بصدور مفتوحة لإستقبال الرصاص الحي في مواجهة أخرى ولكن هذه المرة مع الصهاينة
عندما ذهبت الى الجريدة ما كنت أتوقع أبدا ما حدث
غاب ياسر هذا اليوم ..
وفوجئت بمكالمة من ابتسام على هاتفي المحمول أصابتني بصدمة ذهول
لقد فتحت الحدود
لا.. بل تم اقتحامها
............................................

الأخبار تقول أنه تم تفجير الجدار الحديدي بين رفح فلسطين ورفح مصر،ودخل عشرات الألاف من الفلسطينيين الى رفح المصرية
كانت مفاجأة مذهلة بحق, وبعد مرور عدة ساعات فقط على أحداث أمس
هرولت مسرعة الى النقابة التي تحولت الى خلية نحل، وبعد مناقشات كثيرة واقتراحات عديدة اتفق الجميع على تأجيل أمر القافلة بضعة أيام حتى تتضح الصورة ويتبين لنا ما هي المواد التي تنقصهم هناك ليتم تجهيزها وارسالها مع القافلة
أصابني الكثير من الاحباط من هذا القرار شأني شأن الكثير من شباب اللجنة، فقد كان منتهى أملنا أن نكون هناك الآن ٍ
في اليوم التالي كنت في الجريدة، وأدركت بشكل يقيني أن ياسر ذهب الى رفح عندما لم أجده على مكتبه في الصباح
وأصابتني حالة ضيق غريبة سيطرت تماما على عقلى، فقط لو كان أخبرني لكنت ذهبت معه دون تردد
لم أكن أعتقد أن أحلامي اقتربت الى درجة كبيرة الا عندما وجدته يدخل علينا المكتب عند الظهيرة
قفزت من مكاني وأنا أهتف بسعادة فائقة : ياسر!!!
ورحب به أستاذ فؤاد بحرارة
سلم على الجميع بعجلة وهو يتجه الى مكتبه مهرولا ويبحث في أدراجه ويجمع أوراقه وينظمها في حقيبته
كان يبدو عليه التوتر والعجلة، اتجه اليه أستاذ فؤاد وقال : أستطيع تقديم المساعدة
قال ياسر مباشرة : شكرا لقد انتهيت
حمل حقيبته ونهض من مكانه مغادرا, وجريت نحوه وأستاذ فؤاد يقول بدهشة : الى أين يا ياسر؟
قلت بحماس : الى الحدود بالطبع
اعترضت طريقه فهتف قائلا : ماذا تريدين؟
قلت بحسم : سآتي معك
صرخ في وجهي صرخة أخرستني وجمدتني في مكاني : كلا
ثم أردف بتوتر : عليكي أن تبقي بعيدة، أنت بالذات يجب أن تبقي بعيدة
رحل مهرولا ووقفت أنا ألملم أعصابي المبعثرة تحت وطأة غضبته المخيفة، وسألت أستاذ فؤاد بدهشة : ألا ترى معي أن ياسر يهتم بهذا الموضوع اهتماما زائدا عن اللآزم!
قال : ومن منا لا يهتم، الأمر هذه المرة فاق حد التصور
قلت : ولكني أشعر أن غضبه هذه المرة أشد
قال : إن لم يكن هو سيغضب، فمن سيفعل!!
كما أنه متدين وملتزم
هو ينظر للأمر كعقيدة ولاؤه الأول لها
.................................................. .......
لا أدرى هل أنا مجنونة!!
كيف اتخذت مثل هذا القرار بهذه البساطة!!
كانت سيارتي تنطلق نحو الحدود وأنا فيها, كيف انطلقت هكذا بلا تفكير!!
ان كل ما شعرت به هو الغيرة, الغيرة المهنية العنيفة
لقد انطلق ياسر بلا تردد ليواكب الحدث في وقته ودون انتظار توجيه أو أمر من أى انسان
انطلق فقط بحسه الصحفي
وأنا لست أقل منه, أنا أيضا لدي دافع قوي, لقد كنت هناك سابقا وعدت بالكثير من الألم والاحباطات
لكن هذه المرة الوضع مختلف, والكل متفائل
لكن المشكلة أنني هنا وحدي تماما
وما المشكلة...
ليست هذه هي المرة الأولى التي أسعى فيها خلف خبر وأسافر لجمع المعلومات عنه
اتصلت بأمي التي فوجئت تماما بنبأ سفري, وحاولت بكل وسيلة اثنائي عن ذلك
ولكنني كنت قد حسمت أمري ولم أتصل بها الا وأنا في منتصف الطريق الى الاسماعيلية حتى لا أستسلم لضغوطها وأضطر للعودة, واستسلمت هى مرغمة لعقلي العنيد
وصلت عند كوبرى السلام قبل المغرب بقليل, يالحظي, لقد كان مغلقا, وقفت بين طوابير السيارات المتراصة في انتظار فتح الكوبرى الذي يدعون أنهم سيفتحونه بعد قليل
أخذ قلبي يدق بعنف, فلم أكن أتحمل كلمة عودي مرة ثانية
مر الوقت بطيئا وأنا أكاد أموت زهقا وقلقا
خرجت من السيارة فلفحني الهواء البارد, وسرت في جسدي القشعريرة
كان الجو باردا ويزيد من برودته توتري وقلقي
لففت ذراعي حول جسدي وتمنيت لو كنت عدت الى البيت لآتي بمعطف أو سترة جلدية تقيني قسوة الجو البارد في ذلك الوقت من العام, فسترتي الصوفية لا تشعرني بالدفء
ولكن كان هناك شعور آخر لذيذ الى جانب البرد والقلق والتوتر بدأ يحتل جزءا من مشاعري المرتبكة
لكم كنت دوما أعشق لون السماء عندما تميل للغروب بنفس قدر عشقي لها وهي تشرق بالضياء عند الفجر
فهي تترك في القلب لمسة شاعرية دافئة ورجفة نشوى لذيذة تتغلب على البرد القارص
ومع الجو المشبع برائحة الماء المالح المميزة تملأ القلب روعة ما بعدها روعة
أخذت أروح وأجيء أمام سيارتي لعل الحركة تمنحني بعض الدفء, وأنا أتأمل الحافلات والسيارات التي تجمعت في انتظار افتتاح الكوبري وكانت أغلبها تحمل بضائع ومساعدات وامدادات للعريش
عمار يامصر
لكم أشعر بالسعادة لأنني أنتمي لهؤلاء البشر وهذه البلاد
جذب أذني اسم جلال, إنه اسم أبي تشعر أذناي نحوه بالألفة في أى وقت وأى مكان
ورغم هذا لم ألتفت للمنادي الذي ينادي بالتأكيد على شخص يعرفه
لكن تكرار الاسم بدأ يوقظ انتباهي, كما أن شعوري بأنني سمعت هذا الصوت قبلا جعلني التفت
كدت أكذب عيناي, لا يمكن أن يكون هو!!
ياسر!!
نعم هو
تفجرت فرحة عارمة في قلبي لتغمر وجهي بابتسامة كبيرة وأنا أراه يطل من باب احدى الحافلات الواقفة على بعد أمتار من سيارتي
كان يلوح بذراعه كله لأراه ورأيت الخاتم الفضي يلمع في يده في ضوء شمس الغروب
أخذت أقدامي تتسارع باندفاع تجاهه وأنا أراه يقفز من الحافلة ويسرع الخطا نحوي
لا يمكن أن أصف مشاعري الجياشة التي تفجرت فجأة لرؤياه
وكأنني داخل فيلم عربي رومانسي قديم
كان قلبي يدق بعنف وفرح هائل وعيناي على ابتسامته الواسعة التي تلونت بألوان الشفق
صدقت عيناه أخيرا فقد كانت تنطق بالفرح لرؤياى
توقفنا على بعد عدة خطوات, وهتفت بسعادة بالغة : ياسر!! لا أصدق أنني التقيتك أخيرا!!
لا أدري لم قلت هذا رغم أننا كنا معا منذ عدة ساعات في الجريدة
ولكن في هذه اللحظة كنت أشعر وكأنني أراه بعد غياب طويل
لم يرد مباشرة, ابتلع ريقه ووضع كفيه داخل جيب سترته الجلدية السوداء والتف بزاوية وكأنما يحاول أن يسيطر على تلك السعادة الغامرة التى كنت أراها بوضوح في عينيه ووجهه
أصبح الآن منتهى أملي أن أعبر معه الى الشاطئ الآخر, أنا واثقة أننا سنفعلها معا, لقد فشلت سابقا, ولكن هذه المرة سننجح, فأنا أتفاءل كثيرا بوجهه
نظرت الى جانب وجه الذي لم تختفي ابتسامته الكبيرة وهو يقول بلهجة عتاب هادئة : لم تستمعي لكلماتي, وقطعتي كل تلك المسافة وحيدة!!
قلت ضاحكة : تريدني أن أضيع تلك اللحظات النادرة وذلك السبق الصحفي العظيم
لم أشعر بالاستياء أو الضيق من كلماته, بل انتابني احساس غريب أن نصيحته لي وربما صراخه في وجهي كان دافعه الأساسي هو الخوف على, لدى رغبة قوية لأصدق هذا سواء كنت على صواب أو خطأ ليس مهما, المهم أن أحيا تلك اللحظات في ظل تلك المشاعر وبين تلك الأجواء ومع هذا الإنسان
أخذت أتأمل جانب وجهه الذي تغير لونه بفعل اضاءات السماء الرائعة, وغمرني احساس غريب بالدفء رغم نسمات الهواء البارد التي تلفح وجهي وتحرك شعري وتعبث بملابسي
قال بصوت هادئ ودون أن يلتفت نحوي : كان عليكي احضار ملابس ثقيلة فالجو شديد البرودة
قلت باسمة : لم أستطع العودة الى البيت, فلم يكن الوقت كافيا
أعتقد أن هناك ضحكة تريد أن تخرج من صدره وهو يكبحها وهو يقول : أو ربما تخشين اعتراض شخص ما على تلك الخطوة
قلت بصدق : لم تكن أمي لتوافق, لذلك فلم أخبرها الا عندما اقتربت من الاسماعيلية
بدأ الخفوت يزحف على ابتسامته كما يزحف الليل على مياة القناة
وشعرت من تغير ملامح وجهه (رغم أنه لم يوجه أى نظرة نحوى) بالاعتراض وعدم الرضا عن تصرفي وقال : أنت عنيدة للغاية
قلت باسمة : والدي كان يقول لي هذا دائما
صمت تماما, فصمت أنا أيضا واتجهت نظراتي الى القناة والكوبري الذي طال انتظارنا له
لم نتبادل أى حوار بعد تلك الكلمات القليلة سوى طلبه مني من وقت لآخر البقاء في السيارة, وكنت أفعل في أحيان وفي أحيان أخرى لا أستطيع من الزهق ونحن في ساعات الانتظار المملة, لم أكن بحاجة لأى حديث معه وخاصة وهو ضائق ومتوتر الى هذه الدرجة, كان يكفيني الشعور بوجوده في المكان ليزول كل قلقي وتوتري
لكن الوقت طال علينا أكثر من اللازم وبدأ الضيق والملل يتسرب الينا, ومن وقت لآخر يذهب ياسر الى الأمن ليسأل متى سيفتح الكوبري, فلا يحظى بإجابة محددة سوى كلمة بعد قليل
ساعات وساعات ونحن ننتظر حتى بدأ الصبر ينفذ, وقال ياسر بضيق : يجب أن تعودي
قلت باعتراض : كلا, لن أستطيع ليس للمرة الثانية, لن أحتمل ذلك, هذه المرة يجب أن أصل الى هناك حتى لو قضيت أياما في الانتظار
تنهد بضيق ثم تركني واتجه الى حافلته فهتفت بلا وعي : ياسر!! لا يمكن أن تتركني وحدي هنا
نظر نحوى قليلا ثم عاد الى حافلته
ارتد الى القلق فجأة مضاعفا, وشعرت بالغيظ الشديد من تصرفه هذا
.................................................. ..
أخذت أدلك ذراعاي بكفي
سمعت صوته خلفي مباشرة يقول بجدية : هيا بنا
نظرت اليه بدهشة كبيرة غير مصدقة، ألقى بحقيبة سفره الصغيرة في المقعد الخلفي لسيارتي وفتح الباب الأمامي وهو يقول : فلنتجه للمعدية ربما حالفنا الحظ هناك
ركبت خلف المقود وتحركت بالسيارة وأنا لا أكاد أصدق أنه هنا بجانبي
لم يشأ أن يتركني وحيدة في مكان غريب أطأه لأول مرة
أعلم أنه غير راض عن ذلك الوضع، وغير مقتنع بسفرى وحيدة، ورغم ذلك يأبى عليه خلقه ورجولته أن يتركني وحيدة
كان واضحا عليه الضيق الشديد والزهق لذلك فقد ربط لساني جيدا لكيلا ازيد من غضبه وضيقه، يبدو أنه يشعر أنه لن يستطيع الوصول الى هناك، أما أنا فقد كان تفاؤلى بلا حدود، مما جعلني أتحمل الوقت الطويل الذى قضيناه في انتظار المعدية
وانقشعت تلك الغيمة بمجرد أن دخلت السيارة الى المعدية, غادر السيارة ووقف بجوارها يتأمل الماء بشرود وكفيه في جيبه
غادرت السيارة ووقفت الى جواره وأنا لا أشعر ببرودة الجو, وتنهدت بفرح قائلة : أدعو الله أن يفتح لنا الطريق كما فتحه على أهل غزة
التفت الى ونظر الى بشرود لكني لا حظت التأثر يبدو في عمق عينيه, أدار وجهه الى الماء وبقى صامتا شاردا, فسألته بدهشة : لم أنت صامت!! أتحمل هم نقاط التفتيش؟
قال : لا أدري ما هو الوضع هناك الآن أدعو الله أن يكون دخول العريش ميسرا بلا معوقات
غادرنا المعدية لنلتقي بأول نقاط التفتيش, كان من الواضح الجلي أن الإجراءات المتبعة مشددة للغاية
حتى أنني بدأت أعتقد أن تلك الإجراءات المتعنتة انما هي لإرهاق المسافرين واصابتهم باليأس ليعودوا من حيث أتوا, لكنا كنا نحمل في قوبنا عزيمة ورغبة في الوصول الى هناك تتحدى كل المعوقات والصعاب
غادر ياسر السيارة وجلس الى مقدمتها في انتظار أن يفرج الله علينا بمواصلة المسير, كان دائم التمتمة والهمس وهو يزفر بضيق, وأدركت أن الاستغفار والدعاء هما دأبه, مما منحنى دافع قوى لتقليده فلزمت الاستغفار قدر استطاعتي وأنا أدعو الله أن يحقق لنا أملنا
وبمجرد أن عبرناها حتى تنفسنا الصعداء وطلب مني ياسر أن يتولى هو القيادة, وأدركت أنه يريدني أن أرتاح قليلا من عناء القيادة
وبالفعل تبادلنا الأماكن, ومع كل نقطة تفتيش جديدة كان الوقت يمضي بطيئا ثقيلا قلقا, وياسر صامت شارد يحاول أن يسيطر على قلقه بالدعاء والاستغفار
كانت ليلة في غاية الغرابة, فأنا وياسر معا على الطريق لساعات طويلة دون أن نتبادل كلمة أو حوار أو حتى سؤال
بل أنه لا يكاد يستقر في السيارة فبمجرد أن تتوقف عند احدى نقاط التفتيش فهو يغادرها ويبقى خارجها الى أن نعود للتحرك من جديد, كان يبدو لي وقتها وكأنما يحمل هما فوق طاقته
توقف فجأة على جانب الطريق, وعندما سـألته عن السبب, قال باقتضاب : على أن أصلى الفجر
أخرج من حقيبته سجادة صلاة صغيرة وزجاجة ماء وبدأ يتوضأ منها
لم أستطع أن أقف بعيدة طويلا, فتقدمت منه وأخذت الزجاجة التى وضعها فوق السيارة وبدأت أسكب له الماء على كفيه لأساعده على الوضوء
فوجئ تماما بتصرفي وبقي متجمدا للحظات, وظهر الإستنكار الشديد على وجهه
ولكني خفضت عيناى ولم أظهر له أننى أبالى باعتراضه الصامت
فعاد للوضوء بصمت
نعم,لم أسأله أو أستأذنه قبل أن أفعل هذا
فأنا أعرف الإجابة مسبقا, سيرفض بالتأكيد ويقول لي ككل مرة : استطيع الاهتمام بشئوني بنفسي
لم أكن لأجرؤ على فعل ما أفعله مع أى رجل آخر
ولكن مع ياسر شعورى بالأمان لا حدود له وتتحول تصرفاتي الى التلقائية الشديدة
فأجد نفسي دون وعي أو احتراز أو حساب لأى شيء أتصرف وأتحدث بتلقائية وسجية غريبة
انتهى من الوضوء وحدد مكان القبلة كما لو كان يعرف المكان جيدا
انتظرته حتى بدأ الصلاة وأخذت النصف الباقي في زجاجة المياة وتوضأت به بسرعة, ثم أخذت الوشاح الكبير من درج السيارة وصليت خلفه بعد أن سبقني بركعة
أنهيت صلاتي ووجدته يقف بعيدا وظهره لي, اقتربت منه وبمجرد أن شعر بي حتى التفت وقال وهو يبتسم ابتسامة صافية : فلنكمل الطريق
عدنا الى السيارة وأخذ هو يتمتم بالتسابيح والأذكار بهمس وبدأت في تقليده من جديد
استغرقنا وقتا طويلا للغاية في الطريق, ومع كل نقطة تفتيش نتجاوزها كان الأمل يزداد ويكبر, حتى أشرقت الشمس
لم أصدق نفسي عندما سمعت صوت ياسر ينطق بأول كلمة منذ وقت طويل ويقول بعاطفة : العريش
التفت له بدهشة لأفاجأ بابتسامة حالمة زينت وجهه
رغم أنه لم يلتفت الى ولم تترك عيناه الطريق لكنى لم أستطع أن أبعد عيناى عن ابتسامته, كانت ابتسامة نادرة بحق, لم تكن فقط ابتسامة بل هى تحمل في طياتها مشاعر جياشة وعاطفة غامرة
لم أرى ياسر يوما على هذه الصورة
أصدق تماما أن سعادتي ما كانت لتصل أبدا لهذه الدرجة لو كنت اجتزت هذا الطريق مع القافلة
لقد غير ياسر كل شيء
أكاد أقسم أنه لولا وجوده ما كنت تحملت تلك الليلة الطويلة العصيبة
بل ربما كنت عدت مع أول عائق عند كوبرى السلام, لكن الأمر مختلف هذه المرة ومع شخص مميز للغاية
كانت ابتسامته تشرق في وجهه كما تشرق الشمس في ساعات الصباح الأولى ونحن نعبر بجوار لافتة مرحبا بكم في العريش
وكأن تلك اللافتة كتبت خصيصا لأجلنا
أخيرا بدأ ينطق بعد ساعات صمت الليل الطويلة, وقال بمرح دون أن يحول عيناه عن الطريق : أهذه هي أول زيارة لكى للعريش؟
قلت بسعادة : بلى, أول مرة أدخلها, زرت محافظات كثيرة غيرها, ولكنها أول محافظة أشعر بكل هذه السعادة لمجرد أن دخلتها
ومع شروق الشمس, انه أمل جديد
أخذت أنظر للطريق, عجبا مع ساعات الصباح الباكر أرى زحاما كبيرا
بشر كثر على جانبي الطريق وزحام من سيارات, بشر يحملون أشياء كثيرة, صناديق ومتاع وحقائب
قال ضاحكا وهو يهز رأسه : لقد قضت العريش ليلة لا تنسى!!
أنا أيضا لم أكن أصدق ما يحدث, كما لم أكن أحلم يوما أن أرى ابتسامته المتلألئة ولا لمعة السعادة الغامرة التى تشرق في عينيه
لكنى فجأة انتبهت على صوته : الله أكبر, أعتقد أن السيارة لن تكمل معنا الطريق
جرت عيناى الى عداد البنزين وأصابني فجأة الاحباط
لكن العجيب أن ياسر لم تتأثر سعادته الغامرة, بل قال بمرح كبير : لا مشكلة سنكمل على أقدامنا
أوقف السيارة على جانب الطريق وأخرج حقيبته وأحكم اغلاقها وأعطاني المفاتيح
سألته بقلق : ولكن, ألا يمكن أن يسرقها أحد؟
قال باسما بثقة : لا تقلقي, لن يحدث لها شيء بإذن الله
غمرتني ثقته ومحت أى أثر للقلق
تبعت خطواته الواسعة قفزا بحذائي الرياضي, وهواء الصباح البارد يلفنا, ولكن الحماسة والسعادة والنشوى تدفئ قلوبنا, كما أن زحام كبير ابتلعنا وشعرت وكأنني أسير في العتبة أو الموسكي ليلة العيد
أو كأنني أصلي في ميدان عمرو بن العاص ليلة 27 رمضان
نعم ان الشعور الداخلي للإنسان لا يفرق بين مكان ومكان أو بين ليل أو نهار
فهى نفسها تلك النشوى والعاطفة والحب الفياض, وكأننى أعيش اللحظة ذاتها رغم اختلاف الزمان والمكان وحتى الجو
ولكن تبقى المشاعر واحدة في داخلنا
من وقت لآخر كنت أنظر لياسر, لم يكن يسير, بل كان يطير على أجنحة السعادة
وأخذت أتأمل الناس في الزحام
نعم كما لو كنا ليلة عيد حيث ينهمر الناس على الأسواق, لقضاء احتياجاتهم وشراء ما يلزمهم للعيد
وكأنني بالفعل في العيد
انه ذلك الصخب والثرثرة وصراخ الأطفال ومرحهم, الكل يسير في كل اتجاه, وهناك ترى كل أنواع الركائب من سيارات ودراجات نارية وعربات تجرها الحيوانات بل وجميع الحيوانات من خراف وعجول وغيرها
خشيت أن أبتعد عن ياسر وأتوه في الزحام بعيدا عنه, فبقيت قريبا منه
فجأة سمعت بعض سائقي سيارات الأجرة ينادون بعالي الصوت : غزة, غزة
نظرت نحو السائق بدهشة كبيرة, ثم التفت الى ياسر وقلت بعجب : لا يمكن أن تكون هذه السيارة متجهة الى غزة بالفعل
ضحك بسعادة وقال : وما المانع؟ لقد فتحت الحدود أخيرا
وكأنما انتقلت الى مشاعره, فوجدت السعادة تغمرني وأنا أتأمل في وجوه الناس الفرحة من حولي
انها مشاعر لا يمكن أن توصف
مشاعر لم أشعر بها ابدا في حياتي من قبل, وأنا أتذكر أن هؤلاء البشر حرموا من كل مقومات الحياة لشهور طويلة
حرموا من الأشياء البسيطة التى تحيي الإنسان
بل حرموا أن يعيشوا بشرا
والآن يستعيدون بعضا ولو قليلا من حقهم في الحياة
تأملت واجهات عرض المحلات والدكاكين التى خلت من البضاعة المعروضة, حتى توقفت أمام احدى الصيدليات التى لم يعد فى واجهة عرضها الزجاجية ولو دواء واحد
وتذكرت الحافلات وسيارات النقل التى تحمل البضائع والطعام والدواء وهى قابعة عند كوبري السلام, وأدركت بوضوح لم لم تقوم اللجنة بتسيير قافلة سريعة الى غزة في هذا اليوم؟
فهمت الآن فقط كيف سمح لنا باستكمال الطريق والوصول الى هنا
لأننا لم نكن نحمل شيئا, لا بضائع ولا مساعدات ولا شيء
لقد بدأت العريش تخلو من البضائع بعد أن اشتراها أهل غزة بأموالهم, ترى هل لا زالت الأسعار على حالها؟!!
أتاني صوت ياسر يناديني ليوقظني من أفكاري, فاتجهت اليه وأعطاني سترته الجلدية قائلا : هل تسمحين؟
أخذت السترة وقال هو : سأغيب فقط دقائق, سأشترى بعض الحاجيات
هززت رأسي بصمت وراقبته وهو يختفي داخل محل مزدحم بالبشر, وسمعت من خلفي صوت مجموعة تتحدث مع بعضها البعض وهم سائرين, واستفزني للغاية ما سمعته, فقد كان أحدهم يقول بسخط : اشتريت كيلو سكر بخمسة وعشرون جنيها
قال الثاني : وليتني وجدته بهذا السعر, لقد اختفي بعد أقل من ساعة
ومن جديد عدت الى أفكارى, أهل غزة يشترون البضائع بأضعاف ثمنها ورغم هذا لا يجدونها, لقد أصبحت العريش هي الأخرى منطقة محاصرة, وغلو البضائع يعنى ندرتها
والبضائع هناك مكدسة فى سيارات النقل عند كوبرى السلام, اذا...!!
عاد ياسر ليقطع أفكارى من جديد وهو يمد يده الى بحقيبة بلاستيكية صغيرة بها بعض المعلبات والبسكويت, ويقول بأسف : معذرة, هذا هو ما تبقي في المحل, تناولت منه الحقيبة وأنا شاردة في أفكاري, ثم تبعته الى احدى سيارات الأجرة المتجهة الى رفح, وجلست في المقعد الخلفي وأخذت أراقب ياسر الجالس في المقعد المجاور للسائق, كان شاردا من الفرح يتأمل كل ما حوله من النافذة ويستنشق الهواء بعمق, يشمه ويتذوقه
حاولت أن أفعل مثله وأغلب السعادة على القلق الذى عشش بداخلي
أظنه هواء بطعم الانتصار, لم يستطع أحد أن يكسر الحصار, لكن غزة استطاعت بعد أن كانت على شفا الاحتضار
انتصرت ارادة الحياة والبقاء
شعرت فجأة أنني جزء من تلك اللوحة الرائعة, بل شريكة فيما يحدث الآن
وصلنا الى رفح وكان علينا السير عدة كيلو مترات حتى نصل الى السور الحدودي
وكان ياسر يستحث السير بعجلة وفرحة وكنت أنا ألاحقه جريا في خطواته الواسعة
وقف فجأة وتوقفت أنا بدورى أنظر اليه ووجدت تعبيرا غريبا على وجهه لا أستطيع أن أصفه, كان دهشة وفرح وذهول وسعادة متمازجة بشكل عجيب وهو ينظر نحو البوابة الحدودية المفتوحة وكأنما لا يصدق نفسه
قلت وأنا ألهث : لم توقفت؟ هيا لنجتاز البوابة
التفت الى فجأة وعيناه تلمعان بحماس وقال : أميرة, على أن أنجز بعض الأمور الهامة, سأتركك هنا و...
هتفت بدهشة وارتباك : تتركني!! لم؟ وكيف؟
ألن, ألن نبقى سويا ونعود معا؟؟
صمت قليلا وكأنما يفكر ثم قال : أعطيني مفاتيح سيارتك
قلت بدهشة : ولكن هل..
هتف فجأة : أعطينيها دون نقاش
قلت بارتباك وأنا أمد يدي اليه بالمفاتيح : ولكن أريد أن أفهم...
قال بثقة : فقط ثقي بي
يجب أن أرحل الآن
هتفت بضيق : ياسر لا يمكن أن تتركني وحدي, فأنا هنا غريبة تماما
نظر الى, لا يمكن أن أصدق, بالتأكيد يهيوء لي
لا يمكن أن يكون ما أراه في عينيه صحيحا
كانت في عينيه نظرة حنان غامرة وابتسامته الواسعة تزين شفتيه وهو يقول بلهجة مطمئنة : أنت هنا لست وحيدة, أنت مواطنة مصرية على أرض مصرية, وبمجرد ابراز هويتك ستعودين الى بيتك في أى وقت تريدينه
لا تقلقي من أى شيء, انظرى لما حولك
لا تنسي في أى لحظة أنك صحفية, تأملي في وجوه هؤلاء البشر, فخلف كل وجه قصة
أريد منك تحقيقا لا مثيل له
كنت أنظر اليه مشدوهة لا أستطيع أن أحول عيني عن وجهه أو حتى أتكلم
كنت كالمنومة مغناطيسيا, فكلماته الواثقة القوية تنفذ الى خلاياي وتسيطر على عقلي
نظر خلفي وقال باسما : انظرى خلفك وستجدي أنك هنا لست وحيدة أبدا
التفت خلفي أنظر الى حيث ينظر, ورأيت شروق تقف بعيدة تتحدث الى الكاميرا التي يحملها زميلها المصور
قلت باعتراض وأنا أعود لأنظر اليه : كلا, لن أنضم الى شروق وكما أتينا سويا فسنعـ...
فوجئت أنه اختفى من أمامي, فأخذت أتلفت حولي يمينا ويسارا وأنا أناديه بغيظ شديد
لمحته يجرى بعيدا بين الناس ويذوب وسطهم , فناديته بصوت أعلى عله يسمعني ويعود, ولكنه لم يفعل
شعرت باحباط هائل وغضب شديد, وانتبهت فجأة للسترة الجلدية السوداء التى لا زالت بين يدي
فمنذ أن خلعها ياسر عند محل الأطعمة وأعطانيها ونسيت أنها لا زالت معي, وهو أيضا لم يطلب استردادها
ولكن لم أسأل نفسي أبدا لم خلعها؟؟
ان استنتاجا واحدا فقط يطرق ذهني بقوة, وهو أنه ترك لي سترته لأنه شعر أن ملابسي ليست كطافية لتقيني لسعات البرد
أتعجب دائما منه ومن تصرفاته وأفعاله, فإن كان الأمر كذلك فلم لم يقدمه لي أمس ونحن على الطريق طوال الليل؟؟!!
هل خجل من هذا التصرف؟؟أو ربما خشي أن أفهم تصرفه بطريقة خاطئة
وربما لأنني كنت أقضي أغلب الوقت داخل السيارة فتحميني من البرد, ولكن الآن السيارة ليست معي
يا الهي!! ما الذي يمكن أن أفعله معك أيها الفارس النبيل؟؟
لا, النبيل هنا ليست اللفظ المناسب, انه فارس خجول
هو يعلم أني بحاجة لشيء يدفئني, ولكنه لا يستطيع أن يقدمه الى مباشرة
ابتسمت ابتسامة حالمة وأنا أرتدي سترته وغمرني دفء شديد
فجأة سمعت صوت من خلفي يقول : أميرة!! أنت هنا؟
.................................................. .....

يتبع..............................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الأربعاء 5 يناير 2011 - 23:52

كيف حالك؟
كانت شروق
التفت اليها وسلمت عليها بحرارة, وقالت هي : جميل حقا أن أراك هنا اليوم, لقد أتيت مع ياسر, أليس كذلك؟ لا يمكن أن يفوت موقف كهذا فهو الأولى بالحفل
ولكن, أين هو؟ سمعتك تنادينه قبل قليل
قلت : تركني وذهب لينجز مهامه الصحفية
قالت ضاحكة : بالتأكيد, فما أسعده اليوم
تأملتني قليلا ثم قالت بلهجة لم تعجبني : تلك السترة رجالية!! أظنها لياسر, أليس كذلك؟ رأيته يرتديها من قبل
شروق كانت معتادة ثرثرة بحكم مهنتها كمراسلة بالإضافة لطبيعتها الأنثوية الفضولية
ولكني لم أكن أستطيع الرد على الأسئلة الخاصة بياسر بالتحديد, فاكتفيت بعبارات مثل حقا, ربما, نعم
فقالت : جيد أن ياسر هنا, أريد منك رقم جواله
أصابتني صدمة, فلأول مرة أنتبه أننى لم آخذ رقم جواله
قلت لها الصدق : أتصدقين!! نسيت أن آخذ منه رقم جواله
نظرت الى باستنكار وقالت ساخرة : نسيتي!!قضيتما معا على الطريق أكثر من عشرين ساعة وأعطاك سترته ولكنه لم يعطيك رقم جواله.. ما أغرب ما يحدث في الحياة!!!
انشغلت بعملها مع المصور, وتركتني ألعق الغيظ
لم أشعر في حياتي أنني بلهاء أكثر مني الآن
والآن تجلت الحقيقة المؤلمة أمامي, فكيف سنلتقي لنعود سويا
اذا فزميلي في الرحلة ولى ولم يعقب
شغلني السؤال أين هو الآن؟؟
لا شك أن له أصدقاء كثر هنا بحكم زياراته المتكررة للعريش, وكما هو واضح من معرفته التامة للطريق
تذكرت كلماته لي أنني صحفية ولا بد أن أستغل كل دقيقة في العمل وأغتنم تلك اللحظات النادرة
أخرجت الكاميرا وبدأت أصور, ولكن ماذا أصور؟
ان مشاعري مختلطة ومرتبكة للغاية وتفكيرى مشوش
وقفت أمام البوابة مباشرة وفكرت كثيرا أن أجتازها, ولكنني لم أجرؤ, ولا أدري لم!!
هل لأنني لم أكن واثقة من أن تظل مفتوحة حتى أعود؟ أم لأن خلفها أرض لا أعرفها وليس لي فيها أحد أعرفه
أرض يقتلها الحصار ببطء وتنتظر حكما بالإعدام ما بين لحظة وأخرى من جيش يتحرش بها ويهددها ليل نهار
وبالتأكيد لقاء الأشقاء هذا لن يعجب اسرائيل
أم لأن ما معي من مال قد لا يكفيني لرحلة العودة, وربما احتجت لشراء طعام؟
تذكرت الآن فقط أنني جائعة فأخرجت المعلبات والبسكويت الذي تركه لي ياسر وأكلت وأنا أتمشى وأتأمل المكان, ولكني لم أتجه ناحية البوابة, بل سرت في خط موازى لها وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني أريد أن أرى السور الذي هدمه أهل غزة وكسروا الحصار
ولكن الحقيقة هي أنني لم أكن أجرؤ على اجتياز الحدود دون شريك رحلتي
أدركت الآن أن كلمة حدود هي ليست فقط أسوار وبوابات بل هي بداخلنا أيضا
وصلت الى السور الذي سقط
يقال أنه تم تفجيره والإجهاز عليه بالجرافات, وهناك من يقول أنه تم قطعه بالأكسجين
أيا كان السبب فالنتيجة التي أراها الآن هي رائعة بكل المقاييس
رأيت الناس مقبلون من رفح الفلسطينية جماعات يدوسون السور بأحذيتهم
أخرجت الكاميرا وبدأت تصوير وجوه تضيئها السعادة والفرحة لإنفراج الأزمة
أصوات الناس وصخبهم يمنح المكان حياة
وجدت شيخا يسوق أغناما متجها بها الى رفح الفلسطينية, وكلما سأله أحد : هل هناك المزيد من الأغنام
يهتف فرحا : بلى هناك المزيد والمزيد ستجدوا كل ما تريدونه هناك
سمعت صوتا من خلفي يصرخ بسعادة غامرة : نعم يا أماه, أنا في مصر
التفت فوجدت شابا يعبر السور وهو يصرخ : أنا في مصر يا أماه, أنا في العريش
أدركت ان فرحته تجعله لا يدري أين هو ولا من حوله
كنت أضحك بسعادة وأنا أصور منظر الشيوخ والعجائز والنساء والرجال والأطفال وهم يجتازون السور وهم سعداء تملأ الآمال أعينهم والفرحة ملامحهم
وسمعت طفلة صغيرة تهتف لأمها : أهذه مصر يا أماه
قالت الأم بفرحة : بلى نحن في مصر
بدأت أستوقف المارة وأجري معهم الأحاديث والحوارات ولم أكن بحاجة لأسألهم عن مشاعرهم الواضحة كالشمس
ولكني سمعت عجبا
رأيت رجلا يحمل فرشا للسرير, فاستوقفته وسألته : هل أتيت كل هذه المسافة لتشترى فرشا للسرير!!
قال : لقد اشتريت غرفة نوم ولم أجد فرشا في غزة, وفتح الحدود الآن حل لي مشكلة الفرش
قابلت فتاة ومعها أخويها الصبيين, لقد أتت للعريش لتبحث عن دواء لأمها لا يوجد في غزة, فالحصار يكاد أن يقضي على مخزون الدواء بأكمله
الكثير ممن قابلتهم عائدين من العريش لم يجدوا ما أتوا لشراؤه
فبالإضافة الى أن البضائع تضاعفت أسعارها الى خمسة بل وعشرة أضعاف, فلم تعد موجودة في العريش
وقفت شاردة مشدوهة مما أسمعه من أعاجيب, عندما صكت أذني أصوات زغاريد فرحة
التفت خلفي لأجد عروسا ترتدي ثوب الزفاف قادمة من الجانب الفلسطيني ومحاطة بأقربائها, والسيدات يلقين بالحلوى والورود على رأس المارة ويطلقن الزغاريد
جريت بسرعة لأنضم الى ذلك الجمع السعيد, ولأحتفظ بذلك المشهد الرائع في ذاكرة الكاميرا
ووجدت نفسي بين أغاني الأفراح الشعبية السعيدة التي تغنيها قريبات العروس والحلوى والورود تتساقط فوق رأسي ويتلون المشهد الرومانسي بألوان الورد عندما يظهر العريس على الجانب المصري يرتدى بدلة العرس السوداء اللامعة ويستقبل عروسه بثوبها الأبيض المتلألئ ويأخذها معه ليركبا سيارة الى رفح المصرية
وسمعت من النساء القصة, فالعريس مصري والعروس فلسطينية, وهما أقرباء
عقد قرانه عليها من ثلاث سنوات, لكن الزواج تأخر كثيرا عن موعده بسبب الحصار واغلاق المعبر, ولولا فتح السور أمس, لما التئم شمل العروسان
لكن ما يدمي القلب حقا هو أن بيت العروس لا يبعد عن بيت عريسها سوى كيلو متر واحد
مما أطلق في رأسي آلاف الأسئلة : ما معنى الحدود والمعابر؟
وكيف يوضع سور داخل قرية كلها عائلات وأقارب ويشقها الى نصفين؟؟
وكل نصف تابع لبلد لها جنسية ولا بد لها من جوازات سفر لكل من يفكر بزيارة أقاربه ولو كان يبعد عنهم بضعة خطوات فقط!!
ما هذا الجنون!!
قد نتقبل هذا من الإحتلال فغايته ومبتغاه التفرقة, ولكن الآن!!
اندمجت تماما في التصوير والحديث مع البشر وأصوات الميكرفونات تدور في كل مكان تحذر من أن الحدود ستغلق في الساعة الثالثة, واشتد قلقي
كان الفلسطينيين يعودون الى غزة, وأنا أمشي في خط موازي للسور, عائدة الى آخر مكان تركني فيه ياسر, وفي عقلي أمل أن أراه هناك ينتظرني لنعود سويا
وفي طريقي رأيت شاحنات كبيرة تحمل أسلاكا شائكة, وفهمت أنها لسد السور الذي تحطم
اذا فالوضع سيعود الى ما كان عليه بل وربما أسوأ
وكأن الأمر يومان فقط خارج السيناريو الإعتيادي لهذه المنطقة
كان الوقت يمر وأنا في انتظار ياسر الذي لم يأتي
واضطررت الى مغادرة المكان وحدي بعد أن أغلقت الحدود وتحول المكان الى ثكنة عسكرية بكل الألوان من جيش وشرطة
لم أجد شيء يقلني، فسرت لساعات الى العريش، ومع مرور الدقائق يتساقط مني جزء من الأمل مع تساقط دموعي ويملأ المرار فمي وتعشش الحسرة في صدرى
وكل خطوة أخطوها في هذا الإتجاه تزيد من وحدتي وحسرتي
وصلت العريش منهكة وركبت احدى الحافلات الى القاهرة
فسيارتي بلا بنزين، ولا بنزين في العريش، والعريش خلت من كل شيء، وبدلا من تزويدها بالبضائع من المحافظات الأخرى، تم غلقها وتحولت الى ثكنة عسكرية، وعاد الوضع أسوأ مما كان، والسولار الذي ضخ من المعابر الإسرائيلية لن يكفي لبضعة أيام وتبتلعه الأرض العطشى
كانت عودتي الحزينة خلاف ذهابي الفرح المتفائل، بعد أن تكشفت لي أن ما حدث ما هو الا إنعاش مؤقت، مجرد ضماد يوضع على الجرح النازف، ولا علاج حقيقي
صارت أفكاري ظلامية كالظلام المحيط بالحافلة من كل مكان، ولا رفيق معي يضيء لي الطريق بشعاع من أمل ولو ضئيل
واحد/صفر، واحد/صفر، واحد/صفر
إنها واحد/صفر، ترددت تلك الكلمة كثيرا حول أذني في الحافلة
إنتصرت مصر في أول مباراة لها في كأس الأمم
حديث الساعة اليوم وكل يوم
عدت الى البيت أخيرا
وفي الصباح التالي على الإفطار لامتني أمي كثيرا
كنت متعجبة من موقفها للغاية, فليست هذه هي المرة الأولى التى أسافر فيها كصحفية خلف خبر صحفي
ردت بضيق كبير : ولكنها المرة الأولى التي تسافري فيها دون تكليف من الجريدة
قلت بدهشة : وماذا عن القافلة!! لم تكن بتكليف من الجريدة
قالت : القافلة كانت تابعة للنقابة, ولكنك هذه المرة سافرت وحدك تماما وليلا أيضا
قلت مباشرة : لم أكن وحدي, لقد التقيت ياسر على الطريق
عقدت حاجبيها وتجهم وجهها وهي تقول : ياسر!! أهو زميلك في الجريدة!!
قلت بلا تردد : بلى, حدثتك عنه سابقا
زفرت بضيق : هل من المفترض أن أتقبل هذا كشيء عادي وطبيعي!!
لم تعجبني تلميحاتها ولكني قلت بصدق : بلى, لأنه بالفعل كذلك
قالت بعد تفكير طويل : أميرة, منذ وقت طويل ولم أكن أحتاج للفت انتباهك, أو انتقاد أى من تصرفاتك, فبالنسبة لي كانت دائما تصرفاتك عاقلة ومتزنة, ودائما ما تحكمين عقلك قبل أن تقدمي على أية خطوة, لذلك فإن ثقتي في حسن تصرفك بلا حدود
ولكن, هذه المرة أرى أنك قد تجاوزتي كثيرا
قلت بدهشة : لا يا أمي, لا يمكن أن تكون هذه هي نظرتك للأمور
لقد سافرت في عمل, وقريبا جدا ستقرأين مقالاتـ...
قالت بتجهم : أنت تغالطين نفسك, وترفضين الإعتراف بالخطأ, سفرك هذه المرة يختلف كليا عن أية مرة سابقة, ويجب أن تعترفي أنك تسرعت
قلت بضيق : لا يا أمي, لن أعترف بخطأ أنا مقتنعة أنه عين الصواب, أنا لم أخطئ
قالت بهدوء : وإن كنت مقتنعة أن ما فعلتيه صائب, لم لم تتصلي بي الا بعد أن وصلتي الى الإسماعيلية؟
لم لم تأتي الى البيت أولا لتخبريني بنفسك ولنتناقش في الأمر قبل أن تقدمي عليه؟؟
على الأقل لتأخذي معك ملابس ثقيلة تقيك من البرد
تذكرت فجأة سترة ياسر السوداء التى لم ترها أمي بعد
ترى ماذا ستقول عندما تراها؟؟
بدأت تهتز ثقتي بنفسي بشدة, وانتابني احساس عميق بالذنب
ورغم ذلك قلت بعناد وكبر وكأنني أدافع عن موقفي الضعيف : لم يكن هناك وقت لأى شيء, أتدرين أنهم أغلقوا الحدود و..
لم تدعني أكمل وقالت مباشرة :بل لأنك متأكدة أنك مخطئة وأنني لن أوافق أبدا على سفرك وحيدة ليلا
لذلك فضلت وضعي أمام الأمر الواقع
هتفت بضيق : أنا لم..
قاطعتني ثانية بحزم : أنا لن أناقش ما حدث, فهو قد حدث رغما عني, ولكن إن أردتي الإحتفاظ بصداقتي فعليك أن تعديني ألا تفعلي شيئا متهورا كهذا أبدا, على الأقل حتى نتناقش فيه
يبدو أن الليل استمر بداخلي طوال هذا النهار
ياسر لم يأتي, وصدى كلمات أمي معلق في أذني ويكبلني احساس فظيع بالذنب لم أتوقع أن أشعر به يوما, فلم أندم يوما على شيء لأننى تعلمت أن أحسب حساب كل خطوة قبل أن أخطوها جيدا
كان على انتظار القافلة التى ستطلقها اللجنة, وعندها بالتأكيد كنت سأكمل الطريق الذي قطعه على ياسر وأعبر الى الجهة الأخرى من المعبر
وبعد يومين جاءني رجل في الجريدة لا أعرفه وأعطاني مفاتيح السيارة وأخبرني أن ياسر كلفه أن يوصل السيارة لي فى الجريدة
غمرتني الدهشة, لم لم ينتظر حتى يأتي بها بنفسه؟؟ وفهمت أنه ينوي ألا يأتي الآن وقد تطول مدة غيابة
وشعرت بضيق هائل و لم أتكلم مع أحد, ولا حتى أستاذ فؤاد
لكنني تلقيت الصدمة الحقيقية عندما اتصلت بي ابتسام لتفجعني بخبر هز كياني
.................................................. .......
أستاذ حمدي طريح الفراش في الرعاية الفائقة بعد أن أصابته ذبحة
هرولت الى المستشفى، وهناك التقيت ابتسام وخطيبها، ومجموعة كبيرة من اللجنة ومنعنا من زيارته فحالة الرجل الطيب لا تسمح بالزيارة
وهناك كانت زوجته وأولاده، فسلمت عليهم، وعرفت من ابتسام ما حدث
لقد خرج أستاذ حمدي في قافلة سريعة وكل أمله أن يصل الى غزة
ابتسمت ابتسامة متهكمة مريرة وأنا أتذكر شاحنات النقل وهي تفرغ حمولتها من الأسلاك الشائكة استعدادا لغلق الحدود من جديد، واستمعت لابتسام وهي تقول : ولكنهم أجبروه هو والقافلة على العودة ولم يسمحوا له بدخول سيناء
حاول أن يخفي ألمه ومرضه عنا وبقي صامدا حتى وصلنا القاهرة، وفجأة ودون مقدمات سقط بيننا من القهر والصدمة، فنقلناه الى المستشفى على الفور
كان الليل الذى أطبق بظلامه فوق قلبي هذه الأيام يزداد ظلاما وكآبة تخنق روحي
كنت أفرغ الأفلام التي صورتها على المعبر في الأوراق وكان على اعادة صياغتها في مقالات بأسلوبي
وكلما بدأت في كتابة المقال أشرد بعيدا وأعجز عن كتابة كلمة
لا أدري ماذا دهاني لكن الفكرة المسيطرة على عقلي كانت غريبة بحق
فلا أجد في رأسي سوى 1/صفر
كانت دائرة الظلام بداخلي تتسع وتزداد عمقا يوما بعد يوم
فياسر لم يعد بعد وبدأت الظنون تساورني’ هل تم اعتقاله, أم حدث له مكروه؟
لكن أستاذ فؤاد فاجأني بقوله أن مقالات ياسر لم تتوقف يوما وله تحقيقات جديدة من قلب غزة
غمرتني الدهشة, اذا فياسر يرسل مقالاته بانتظام!! ولكن أين هو؟؟
وأجاب زكي عن سؤالي بمجرد أن سألته
لقد أرسل بطلب اجازة بالفاكس ليحضر زفاف أخته
عدت من عند زكي شاردة, لا شك أنهم استدعوه في البلد بالجوال, ذلك الجوال الذي لم يعطيني حتى الآن رقمه
فقدت حماسي تماما للكتابة, أو حتى لصياغة الأحداث التي صورتها عند المعبر
وخاصة بعد الشجار الذي انخرطت فيه مع أيمن بسبب رفضي لبيع الأرض
كان شجارا عنيفا, رميته فيه بكل التهم ونكأت جراحه بعنف
وانقطعت العلاقات بيننا تماما ورأيت دموع أمي الغالية تهطل على خديها مما زادني حزنا وألما وكآبة
وعادت غزة تظلم من جديد, وأدركت أن مقالاتي صارت بلا قيمة حقيقية بعد أن انتهت دقائق الحلم
فقد فازت مصر ببطولة أفريقيا, ورفعت الكأس عاليا
وأستاذ حمدي بين الحياة والموت, ولا كهرباء في غزة ولا وقود
مصر بطل أفريقيا
مصر بطل أفريقيا
مصر بطل أفريقيا
ظلت تلك العبارة تدور في رأسي وكأنما أبحث عن شيء يلقي ببعض الفرح أو الفخر في قلبي
ولكن العبارة كانت تعمل في رأسي كالإسطوانة التي نسمعها في فوانيس الأطفال في رمضان, ودائما ما يكون ازعاجها أشد من فرحنا بها
وعلمت أن أستاذ حمدي من الشخصيات الممنوعة من دخول سيناء
ياااه
هل أنا غبية لهذه الدرجة!!
لقد كنت هناك بالفعل, كنت على بعد خطوات منها ولم أدخلها
الرجل يكاد يقتل نفسه على أعتاب غزة, فقط ليدخلها, وأنا واتتني الفرصة وكانت أسهل من أن يتوقعها أى انسان, ولم أفعل!!
جبنت, نعم هذه هي الحقيقة, كنت خائفة
زاد حزني وهمي بعد ضياع تلك الفرصة الرائعة التي لن تتاح لي في المدى القريب وربما أيضا البعيد
أخيرا عاد ياسر
دخل علينا المكتب يحمل حقيبة سفره الصغيرة وحقيبته الجلدية, وفي يده مجموعة من الجرائد التي تصدرها المؤسسة وعلى وجهه ابتسامة كبيرة
رحب به الجميع, ووقفت أنا في مكاني لا أدري ماذا أقول له
اقترب من مكتبي وهمهم بكلمات مهذبة : مرحبا آنسة أميرة, كيف حالك؟
لم أرد فقد كنت مشغولة بقراءة عيناه وملامح وجهه رغم أنه غض طرفه سريعا بتهذيب
لا أدرى لم شعرت بأن ابتسامته تختصني أنا من دون الجميع, أو ربما أتوهم!!
قال أستاذ فؤاد : حمدا لله على سلامتك, لقد افتقدناك كثيرا
رد بابتسامة دافئة : وأنا أيضا افتقدتكم كثيرا, والحمد لله أنني استطعت أن أنهي واجباتي وأعود
في الحقيقة.. كنت بحاجة لأن أعود
مرة ثانية بدت عبارته غريبة في أذني
جلس خلف مكتبه وبدأ يتصفح الجرائد باهتمام
اقتربت من مكتبه وبمجرد أن جلست على الكرسي أمامه حتى وجدت ابتسامته تتسع رغم أنه لم يحول عيناه عما يقرأ أو ينظر لي
ورغما عني شعرت أنه يبتسم لي
سألته مباشرة : أين كنت كل هذه المدة؟
قال وهو يقلب صفحات الجريدة : تعلمين أين كنت
قلت : ولكنك تأخرت كثيرا
قال : كان على واجبات والتزامات يجب أن أقوم بها
قلت بفهم : نعم, عرفت, مبارك عرس أختك
قال باسما : بارك الله فيك, أخيرا أكرمنا الله بها, إن زواج الفتيات بات صعبا للغاية هذه الأيام في ظل الظروف الإقتصادية التي نمر بها
قلت مباشرة : لم لم تتصل بي
قال بهدوء : لم يكن هناك ما يستدعي ذلك
ثم أردف : هل وصلتك السيارة؟
قلت : آه. نعم’ شكرا لك ما كان عليك أن ترهق نفسك
ثم قلت بتردد : ياسر, أريد رقم جوالك
لم يرد كان منهمكا في تقليب صفحات الجريدة باهتمام وكأنما يبحث عن شيء ما
قلت بإلحاح : ياسر, هل سمعتني؟
قال : لحظة واحدة من فضلك وسأوافيك حالا
صمت في انتظار أن ينتهي, ولكنه رفع عيناه الى بعد قليل وقال متسائلا : أين مقالاتك التى كتبتها عن المعبر
صدمتني عبارته, فآخر ما توقعته أن يسأل هذا السؤال
ابتلعت ريقي وقلت : لم انهها بعد
اختفت ابتسامته فجأة وحلت محلها دهشة كبيرة ممزوجة بشيء من غضب : ماذا!!! لم تنهها!!
بدأ الضيق والغضب يتضح في صوته وأسلوبه : أيمكن أن أعرف لم لم تنشريها؟
قلت وأنا أشيح بوجهي بعيدا : ليست جاهزة بعد
نعم, الغضب الآن أوضح في صوته, وبه الكثير من التهكم : ولم ليست جاهزة بعد يا آنسة؟ ألم يكفيك كل هذا الوقت؟ ربما تحتاجين الى مدة أطول, ما رأيك بمهلة حتى نهاية العام, أو حتى العام الذي يليه, ما المشكلة أن ننتظر أعواما أخرى فلا شيء يستحق العجلة
استفزني أسلوبه بشدة فقلت بحدة : منذ متى وكلامك يتخلله التهكم والسخرية؟
قال بغضب : لا تتهربي من الرد على سؤالي, لم لم تنشري مقالاتك؟
اشتعل الغضب في رأسي وانتفضت من الكرسي وأنا أقول بانفعال : لست مضطرة للإجابة عن أى سؤال, وربما على أن أقول أنه ليس من شأنك
هب قائما وهو يهتف بغضب : بل هو شأني, لقد كنت في انتظار أن أقرأ عما حدث هناك
هتفت بدوري وقد بلغ منى الغضب مبلغه : وإن كنت مهتما الى هذه الدرجة بما حدث على الحدود فلم لم تبقى هناك وتكتبه بنفسك؟ فأنت النجم الأول في هذه الجريدة
يمكنك أن تقرأ الأخبار التي أرسلها عبد العزيز من هناك
التف كل من في المكتب حولنا وهم ذهول مما يحدث وسمعت عبارات التساؤل والتهدئة تتطاير من هنا لهناك له ولي
ولكننا لم نلتفت لها في غمار العراك المشتعل بيننا
قال بغضب شديد : أواعية أنت لما تقولين!! أهذا هو كل ما تستطيعين قوله لتغطي كسلك واستهتارك بالأمر؟؟
صرخت في وجهه : أنا لا أسمح لك بإهانتي فأنت لا..
أخرسني فجأة بصرخة عنيفة غاضبة : أعطيني ما سجلتيه هناك
نظرت اليه بذهول ولم أتحرك, فأكمل غاضبا : هيا أعطني المعلومات التي جمعتيها من هناك
لا أدري كيف انعقد لساني أمام غضبته الشديدة, ولا أدري كيف عدت الى مكتبي بصمت وأخرجت الأوراق التي أفرغت فيها ما سجلته بالكاميرا
ولكن بمجرد أن أمسكت الأوراق بين يدي ووقعت عيناي على الكلمات التي تراصت على الأسطر ومعها عادت ذكرياتي الى هناك حتى تفجر غضبي مضاعفا, والتفت اليه قائلة : أهذا ما تريد قراءته؟ مع الأسف, لا يساوي ثمن الورق الذي كتب عليه, لم يعد له أية قيمة, فقد عاد كل شيء أسوأ مما كان
لقد أغلقوا الحدود وكثفوا عليها الحراسة
والقوافل والمساعدات معلقة بلا أى أمل
وبعد أن فازت مصر في الكرة ما الذي تريدني أن أقوله لمن يقرأ – ان كان هناك من يقرأ – باب فتح فأغلق!!
هتف بعنف : لا يمكن أن تكوني صحفية محترفة وتقولي هذا الكلام
إن كان هذا هو تفكيرك, فلم عملت بالصحافة؟ ولم سعيت للعمل في هذه الجريدة؟ لم لا تتركين مكانك لصحفي حقيقي يدرك واجباته ويؤمن بقلمه ويعرف قيمة كل كلمة يكتبها
صمت قليلا مذهولة من كلماته النارية, ثم هتفت بعنف : ألم تفهم بعد أن كل ما حدث كان حلما وانتهى؟ وأن الجميع استيقظ من النوم
غزة أظلمت من جديد, أظلمت تماما, وعداد الموتى عاد للعمل داخل المستشفيات وغرف الرعاية الفائقة
وأستاذ حمدي ملقى طريح الفراش وبين لحظة وأخرى قد يصلني خبر يفجعني فيه
كما أنه ممنوع من دخول جزء من بلده التي يحمل جنسيتها
اعتصر الألم والقهر قلبي, وأنهلت على الورق تمزيقا بكلتا يدي وأنا أصرخ : لا فائدة من أى شيء لا أحد يقرأ
ظهرت المفاجأة قاسية في وجهه والذهول في ملامحه وهو يهتف : يكفي, يكفي, قلت لك توقفي
ألقيت بالقصاصات الممزقة في سلة المهملات, وأخذت حقائبي بعصبية وغادرت المكان وأنا لا أتبين ما حولي من أصوات ووجوه, ولا أذكر حتى كيف وصلت الى البيت وأنا أسيرة تلك الحالة الرهيبة من الغضب العارم والغيظ والكآبة والإحباط واليأس
لكن كل ما أذكره هو أنني قضيت الليل ما بين بكاء وغفوات ملئ بالكوابيس وأرق قاتل يجتر معه تلك الأحداث والكلمات الأليمة
في اليوم التالي لم أستطع الذهاب للعمل بعد تلك الليلة الفظيعة
أو ربما أهرب من مواجهته, لا أدري؟
وبقيت حبيسة حجرتي لا أرد على الهاتف ولا المحمول, ولا أدري عن العالم أى شيء
حتى عادت أمي من عملها بعد العصر, وحاولت معي من جديد لتعرف ما بي, وأجبتها بنفس الإجابة التي قلتها لها في الصباح متوعكة قليلا
قالت : شيرين لم تكف عن الإتصال بك, وأستاذ فؤاد أيضا, هل حدث شيء في الجريدة أمس؟
قلت : مشكلات العمل لا تنتهي, اطمئني يا أمي, سأرتاح اليوم وأعود للعمل غدا إن شاء الله
قالت باسمة بحنان : نعم, فلترتاحي اليوم بعد المجهود الذي بذلتيه في الفترة السابقة
همت بالخروج, ولكنها عادت تلتفت الى قائلة : بالمناسبة, التحقيق الذي كتبتيه هذه المرة أعجبني للغاية, يمتلئ بالحياة, كما أن الوصف رائع وكأنني هناك أرى وأسمع ما يحدث
كنت أستمع لها وأنا شاردة, وتدريجيا انتبهت لكلماتها وقلت : هه!! ماذا تقولين؟
عن أى تحقيق تتحدثين؟
مدت يدها الى بالجريدة وهي تقول : عن التحقيق المنشور لك اليوم
اختطفت الجريدة وفتحتها بسرعة لتصفعني كلمات ياسر, وأسلوبه يصرخ من كل كلمة داخل التحقيق
لكن هذه المرة التحقيق يحمل اسمي أنا, وأنا أكاد أجن
ما الذي يريده هذا الرجل!! وكيف يفعل هذا!!
قرأت جزءا من التحقيق إنها بالفعل كل المعلومات الموجودة في الأوراق التي مزقتها أمام عينيه, واللقاءات مع نفس الشخصيات التي حادثتها هناك
مستحيل!! كيف استطاع أن يفعل هذا وبهذه السرعة؟
كانت الجريدة بين أصابعي وأنا شاردة تماما عاجزة عن استيعاب ما يحدث
هتفت أمي : أميرة!! ما بك؟
أفقت من ذهولي أخيرا وقلت لها : أين هاتفي المحمول؟
ناولته لي من جوار فراشي وفي عينيها ألف سؤال
فتحت الهاتف المغلق واتصلت بأستاذ فؤاد وسألته عما حدث
فأخبرني بكل ما استنتجته ودار في خيالي عندما رأيت التحقيق
وأخذت أستمع اليه بذهول وهو يحكي كيف أخرج ياسر الأوراق من السلة وأخذ يرتبها ويعيد الممزق منها الى جوار بعضه البعض, ويلصقه بدأب عظيم
واستغرق في هذا العمل وقتا أطول بكثير من الوقت الذي قضاه في اعادة صياغة التحقيق, وظل في الجريدة يعمل الى ما بعد الفجر, حتى استطاع أن ينشره اليوم
أنهيت المكالمة وأنا لا أكاد أصدق
لن يكف أبدا عن اثارة ذهولي ودهشتي
كيف يفعل هذا دون علمي, دون حتى أن يسألني
واشتعل الغضب حارقا في نفسي
.................................................. .
يتبع..................................


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   الأربعاء 5 يناير 2011 - 23:55

فهمت أمي كل شيء من خلال المكالمة التي سمعتها ورغم أنها لم تعلق بكلمة لكن الاستياء الشديد كان واضحا للغاية في عينيها، وكيف لا والأمر حقا يدعو الى الصدمة والدهشة
الصدمة من تصرفي والدهشة مما فعله ياسر
في اليوم التالي كنت مضطرة للذهاب رغم عدم رغبتي لمواجهته
الأمر كله غريب، موقف لم أتعرض له من قبل
عندما دخلت الى المكتب في الصباح وأنا أقدم رجلا وأؤخر الأخرى وعندما رأتني شيرين قالت بلهفة : أميرة!! اتصلت بك كثيرا أمس وهاتفك مغلق
قلت بهدوء : شكرا لك يا عزيزتي، أخبرتني أمي باتصالك
جلست خلف مكتبي ونظرت أمامي، لم يكن ياسر موجود بالمكان
كنت مندهشة وأجاب كمال بأسلوبه السمج على سؤال لم أسأله : لا تتطلعي كثيرا الى المكتب الخالى من صاحبه، فهو الآن في قاعة الاجتماعات يشاهد التلفاز
نظرت اليه نظرة قاسية فعاد لعمله بصمت
لم أستغرق طويلا في التفكير، خاصة عندما أومأ لي الأستاذ فؤاد مشجعا أن أذهب اليه وأحاول إصلاح الأمر
دخلت قاعة الاجتماعات واقتربت منه بطء، كان يتابع القنوات الإخبارية
نظرت الى ما كتب أسفل الصورة وتعجبت، لم يكن خبرا محليا ولا حتى عربيا كما كنت أعتقد بل كان خبرا عن استقلال كوسوفا والاحتفال برفع العلم في عاصمة الإقليم (برستينا)
أنصت باهتمام للمراسل : كوسوفا هي سادس ولاية تعلن استقلاها عن صربيا منذ عام 1991 بعد سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا والبوسنة ومنتجرو، ورغم الجهود الروسية والصربية لعرقلة قيام الدولة في البلقان، الا أن الاعترافات الدولية بكوسوفا تتابعت بدءا بالولايات المتحدة، ثم باريس ولندن وألمانيا، ثم توالت الاعترافات تباعا ....
بعدها بدأ المراسل في استطلاع آراء أهل الاقليم في تلك الخطوة، ومدى تأييدهم لإعلان الدولة في هذا التوقيت، وتوقعاتهم بشأن مستقبل الدولة الوليدة وردود أفعال العالم تجاهها
وفي خلفية الصورة احتفالاتهم وأفراحهم
تنهدت وأنا أجلس في أحد الكراسي ٍالموازية له وقلت دون أن ألتفت اليه : كنت أظنك تتابع خبرا محليا أو عربيا
عندما طال صمته ظننت أنه قد اتخذ مني موقفا ومقاطعة تامة،لكنه قال بعد صمت طويل بصوت عميق : انه خبر اسلامي
تذكرت لحظتها أن كوسوفا 93% من سكانها مسلمون
سألته والصور تتداعى في رأسي : اذا فهذا هو سبب اهتمامك الكبير بهذا الخبر!!
لم أعرف بالضبط هل تلك الزفرة الحارة التى خرجت من صدره ضجرا من كلماتي أم تأثرا بما يراه على الشاشة التى لم تتركها عيناه لحظة،ولكنه قال بجدية تمتلئ بالأسى : ليس هذا فحسب، بل هي رغبة قوية لرؤية اكتمالا لمشهد دموي حفر آثاره العميقة في الذاكرة بالألم
أنصت اليه باهتمام وعقلى تتداعى اليه ذكريات وصور عن مذابح الصرب وجرائمهم البشعة في البلقان
وكأنما صوته يخرج من عقلي وهو يقول : إن الحرية لها ثمن غالي لابد من دفعه
كوسوفا لم تنل الاستقلال إلا عندما تخضبت أرضها بالدماء
ثم أردف بلهجة حزينة هزت قلبي : إنها دماء مسلمة
"معركة كوسوفو التاريخية بدأت قبل ستة قرون ولم تنته ، آن الأوان لاسترداد الصرب لأرض كوسوفو ، نحن مستعدون أن نضحي بثلاثمائة ألف مقاتل صربي لاستئصال الإسلام من سراييفو إلى مكة؟"*
لازال أبي يردد تلك الكلمات حتى موته ورغم اختفائها من ذاكرتي بمرور السنوات لكنها تعود لتطفو فوق أفكار العقل مع أى مؤثر ولو بسيط
قلت بتأثر : بلى لازلت أذكر، كانت مذابح (سربرينتسا) رهيبة ومفزعة
قال بهدوء : (سربرينتسا) في البوسنة لا كوسوفا
أسكتتني غصة مؤلمة في حلقي ومرارة في قلبي وصورة أبي ماثلة أمام عيني وهو يحكي لنا عن تلك الأيام الرهيبة المؤلمة
ثم قلت بخفوت : نعم، لقد اختلط على الأمر
ابتلعت الغصة بسرعة ومعها دموعي التي بدأت أشعر باقترابها وقلت باستفسار : ولكن كيف لأمريكا أن تسمح بإقامة دولة مسلمة في أوروبا!!
قال بلهجة ساخرة : عندما تدخل أمريكا لعبة فمن المؤكد أنها لن تخرج منها قبل اصطياد عشرة عصافير على الأقل
فهي تعاقب روسيا خصمها القديم على موقفها من الدرع الصاروخي
كما أن استقرار الوضع في البلقان يعني سحب قوات الناتو لإعادة نشرها في أماكن أكثر اشتعالا كالعراق وأفغانستان
قلت بتعجب : ولكن دولة اسلامية!!
قال : بل دولة علمانية بدستور علماني, وربما بتدخلات أوروبية أمريكية عند اللزوم
وبرغم التهديدات الصربية وضغوط روسيا لإفشال تلك الخطوة وانذارها باستخدام الفيتو
يبقى ما حدث شيء رائع بكل المقاييس وخطوة هامة وأمل جديد لشعب عاني من الاحتلال والابادة العرقية لإلتقاط أنفاسه وتذوق بعض الحرية
قلت بشرود : وربما أملا لشعوب أخرى لتحقق ما حققته كوسوفا
التفت الى الشاشة أتابع مراسم رفع العلم في اعادة للصور والمشاهد المصاحبة للخبر
تذكرت فجأة أستاذ حمدي واشتعلت مشاعر غريبة في قلبي
اندفع سؤال من عقلي وخرج الى لساني مباشرة بصدق : ترى هل سيحدث يوما ما أن نشهد مراسم رفع العلم في القدس وعلى سائر فلسطين بإعلان استقلالها؟؟
عقد حاجبيه والتفت الى ببطء وتجمد كل شيء فيه
ارتجف قلبي بقوة من ذلك الصدق الهائل والقدرة الخاصة على التعبير
كانت لحظة نادرة أستطيع فيها قراءة عيناه بسهولة, كانت عيناه تشبهان نهرا شديد الصفاء أستطيع أن أرى أعماقه بوضوح
فلقد أدركت أن هذا السؤال بالذات هو الذي كان يدور في رأسه في نفس هذه اللحظة
ولم تخفى علىّ دمعة التأثر التى سكنت عمق عيناه,
الا أن جمود ملامحه بات هو المسيطر على عضلات وجهه
نهض من مكانه متجها الى باب القاعة بصمت, فقلت أستحثه : لم لم تجب على سؤالي؟
توقف لحظة وقال دون أن يلتفت الى : ليس المهم أن نرى ذلك, بل أن نبذل جل طاقاتنا ليحدث في القريب
غادر دون أن يزيد كلمة, ولكنه ترك في قلبي ألما عميقا وندم كبير أن تكلمت
فلقد كنت أشعر أنه رماني بسهم نافذ يعني به ما فعلته, أقصد ما لم أفعله في الحقيقة
.................................................. ....
كنت موقنة أنه لا يزال غاضبا مما حدث, وأنا أيضا كنت أتحرق وأتألم لذلك الأسلوب الجاف المتحفظ الذي يعاملني به
ورغم أنه شديد التهذيب معي منذ أن عرفته وفي كل المواقف , الا أنه مستاء للغاية, كل تصرفاته تقول هذا
استغرق الأمر مني أياما كثيرة حتى أستطيع فقط أن أستجمع شجاعتي وأتجه الى مكتبه في محاولة لكسر الحاجز النفسي الصعب الذي علا بيننا منذ آخر مواجهة, وكان أستاذ فؤاد يشجعنى دائما للتحدث اليه, وفي كل الأحوال كانت لدى رغبة لإنهاء ذلك الموقف على أى وجه
جلست أمامه وكالعادة لم يلتفت لي
لكن الجديد أنه ترك فأرة الكمبيوتر من يده وبفي ساكنا مما أوحى لي أنه مستعد لأن يسمع ما سأقوله
قلت بعد تردد : كنت, كنت أريد أن أشكرك على ما فعلته
قال بصوت هادئ يحمل رنة سخرية مريرة : وبعد!!
صمت قليلا أحاول ابتلاع سخريته, ثم قلت بصدق : منذ أن أغلقت الحدود ثانية وأنا أشعر بألم كبير وندم لأنني لم أعبر الحدود وأذهب الى هناك
قال بأسف : صدقيني, ما كان الأمر ليحدث فارقا كبيرا, لقد كنت هناك وأعرف
قلت بصراحة : كل شيء كان يطبق على روحي, لم أستطع أن أحرك القلم أو أخط حرفا, وكأنني أصبت بالشلل
قال بأسى : لم أكن أنتظر هذا منك!!
قلت بضيق : لقد تركتني هناك وذهبت
قال بهدوء : ظننت أنك قد فهمتيني عندما طلبت منك أن تبقي هناك وتسجلي كل ما تشاهدينه
ولكن يبدو أنني لم أستطع أن أشرح لك هدفي بوضوح, لقد أردتك أنت بالذات أن تنقلي الصورة بكافة أبعادها من هناك
قلت بانفعال : وما الذي يمكن أن أضيفة!! عبد العزيز هناك ينقل الأخبار أولا بأول
التفت الى بحدة وقال : ولكني أثق بقلمك أنت, تلك القضية لا يكتب عنها الا من يستشعر نحوها بانتماء حقيقي
من سكنت قلبه كعقيدة ووطن, من على استعداد أن يدفع روحه ثمنا لها عن طيب خاطر
أخرستني كلماته لبعض الوقت, فقد أشبعتني عباراته ألما
قلت بخفوت : تمنيت أن أذهب معك الى هناك
قال : تعلمين أنني لم أكن أستطيع ذلك, كما أنه كان على انجاز الكثير من المهام والواجبات
قلت بصدق : تمنيت أن أسير معك الى هناك
قال بلهجة جادة : تريديني أن أسير معك في شوارع غزة!!
سأقولها لك بكل صراحة, فقط أرجو ألا تغضبك صراحتى, إن ما لا أرضاه لأختي لا أرضاه لك
صمت تماما أفكر في تلك العبارة التى قالها, ورغم أن تلك العبارة كانت من المفترض أن تثير في نفسي عاصفة من الغضب, لكنني وجدت نفسي سعيدة وهو يشبهني بأخته
اذا فهو يحمل لي تقديرا خاصا على أى وجه, حتى لو أخويا
أعلم أنني قد أكون مخطئة بنسبة كبيرة ولكني كنت متمسكة بذلك الشعور الرائع ولا أريد أن أفكر في معان أخرى لكلماته أو أفلسف الأمر
بل أخذت الكلمات بحروفها
ورغم ذلك قلت بعناد ومكابرة : ولكنه عمل, محض عمل
رد بهدوء : وعلى المعبر أيضا عمل
لقد أراد لنا زكي أن نكون متنافسين, وأردت أنا أن نتعاون
أنا هناك وأنت هنا, وكنت أظن أنك ترغبين في ذلك أيضا
لقد كنت أخطط لعمل تحقيق مشترك كبير عليه اسمينا معا يشرح الصورة بكافة أبعادها
لكن زكي قوض هذا الحلم
كنت أرسل اليه المقالات وأنا معتقد أنه ينشرها في نفس الصفحة التي تكتبين فيها
لم يخبرني أنك توقفت عن الكتابة حتى لا يفاجأ بأى رد فعل من جهتي وهو يعلم أنني لن أقرأ الجريدة الا عند عودتي
لا زلت لا أفهم, كيف استطعت الا تنشري المقالات!!
قلت بأسى : لم أعد أثق بأن هناك من يقرأ
قال : لا تشغلي بالك بالآخرين, أنت صحفية ليس عليك سوى الكتابة, لا التفكير فيمن يقرأ ومن لا يقرأ
قلت ساخرة : لقد طغت الكرة على كل شيء, أتدري كم عدد الصحف الرياضية الموجودة على الساحة الآن؟! ان أخبار الكرة هي الشيء الوحيد الذي يقرأ هذه الأيام
رد بنفس السخرية : هل تتمنين أن تعملي في الصحافة الرياضية!!!
ربما كنت محقة فهي أربح كثيرا
وربما التقيت بلاعب كرة مليونير أو مدرب شهير يطلبك للزواج
لم أتحمل ما قاله, فبصورة ما شعرت أنه يشبهني بنجلاء
لم أستطع أن أرد عليه, فعدت الى مكتبي بصمت
لقد خذلته, اعتمد على وخذلته, لم أفهم هدفه من كل هذا, لم أقدر ما يفعله حق تقديره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ
*سلوبودان ميلوسوفتش في نوفمبر 1989




قد يعتقد البعض أنني سعيدة بالتحقيق الذي كتبه ووضع عليه اسمي
لكن الحقيقة خلاف ذلك, فهذا التحقيق على وجه الخصوص هو الشاهد على فشلي, لقد أصابني باحباط لا مثيل له وبدأ الشعور بالفشل يستقر في أعماقي
لقد كشفني ياسر أمام نفسي, فأنا صحفية فاشلة لا أجيد التحكم بمشاعري, ولا أجيد استغلال المواقف ولا البحث عن الأخبار ولا استقصاء الحقائق رغم أن ياسر يسر لي كل شيء ليخرج التحقيق في أكمل صورة
ولكنني لم أستغل الفرصة بل عجزت حتى عن التحكم في انفعالاتي
مما بنى بيني وبينه حاجز أشد وأعلى فأنا الآن التي لا تستطيع الاقتراب منه ولا النظر في وجهه حتى لا أتذكر فشلي
وبقيت أتألم لمدة طويلة, فلا تمر ليلة الا وتشرب الوسادة من دموعي, فما أقسى الشعور بالفشل
وسافر أيمن ضد رغبة الجميع، وصمت ولم أتكلم حتى لا أزيد من ألم أمي
فقط لو يعلم ذلك الغبي كم الألم الذي تركه في قلوبنا لما أقدم على تلك الخطوة الحمقاء
واستبدل الحوار بيني وبين أمي بالصمت كما لو كنا نخشى أن نتحدث فيجرنا الحديث الى منطقة الألم والفشل المسماة بأيمن
لم أكن أريد أن أتحدث عنه أبدا..
يكفيني ما يحدث لي كل ليلة عندما تجتمع علىّ ذكريات حياة طويلة تشاركناها معا بضحك ودموع وفرح وألم وتعاطف ومودة
كان على أن أفعل أى شيء للتخفيف من الشعور باليأس والإحباط والألم الذي سيطر على, مما جعلني أكثف من زياراتي للنادي وركوب الخيل لأشعر بنفسي وبأنه لا زال هناك شيء يحقق لي لذة النجاح والتميز
ولكني فوجئت يوما وأنا في مدرج الخيل أن هناك غيري يركب أصيل
كانت صدمة أشعرتني بضيق كبير, رغم أنني اتصلت بالسائس قبل حضوري كالعادة, ولكني وجدت ذلك الشاب يركبه بدلا مني
عندما رآني السائس أتى الى وأخذ يعتذر كثيرا فقد أخبر د. وسام ألا يركبه, ولكنه أصر ودخل بنفسه الى الاصطبل وأخذه
قلت منهية الموقف : لا تعتذر, لم يحدث شيء
سألني : هل أعد لك حصانا آخر
قلت : لا داعي, لن أركب اليوم
غادرت مدرج الخيل والضيق يملأني وألقيت بجسدي على كرسي بجوار احدى طاولات الحديقة المظللة والملل والضيق يكاد يفتك بي, حتى وجدت فجأة من يقف أمامي مباشرة ويقول بأسلوب مهذب : أرجو المعذرة يا آنسة
نظرت اليه بدهشة, هو نفس الشاب الذي كان يركب أصيل
قلت باقتضاب : نعم؟
قال : أود أن أعتذر منك, فلم أكن أدري أن من عاداتك ركوب أصيل بالذات
صمت ولم أرد وأخذت أتفحصه
تلك الوسامة المفرطة, والابتسامة الساحرة والعيون الجريئة واللباقة المتناهية والقوام الرياضي الممشوق والأناقة الشديدة, صورة تصلح...
قطع أفكاري وهو يقول بجرأة : أتسمحين لي بالجلوس قليلا؟
جلس بالفعل عندما لم يتلقى ردا مني
ولا أدري لحظتها لم انعقد لساني أمام جرأته ولم أرد, واستمر هو بالكلام : أخبرني السائس أن أصيل هو حصانك المفضل, من اللطيف حقا أن يكون للمرء حصان خاص لا يركب غيره, عندها يعتاد الحصان عليه ويتفهم عاداته وأسلوبه ويعرف ما يحب وما لا يحب و..
كان يتحدث بلباقة شديدة وثقة عالية بالنفس بها بعض الغرور
وكان يتفحصني بعينين جريئتين وأنا لا زلت صامتة لا أرد
قال فجأة : عفوا, لقد أخذنا الحوار بعيدا ونسيت أن أتشرف بمعرفة اسمك, دعيني أخمن ما اسم الفارسة؟ أظنه لويزا
ضحك بخفة, ثم صمت عندما لم يجد أى رد فعل لدي
قال : حسنا, لست ماهرا في القاء النكات بمثل مهارتي في ركوب الخيل
لذلك تسرني دعوتك لمشاركتي ركوب الخيل, وسأركب أنا حصانا آخر
أذهلتني جرأته ونزعت نظارتي بحدة, فهتف قائلا : واو, أتعلمين أن لديك أجمل عينان رأيتهما في حياتي!! من الظلم أن تخفيهما خلف نظارة قاتمة كتلك
من جديد بقيت صامتة متجمدة تماما ولم أرد, لكن حاجبي الأيمن ارتفع
قال باسما : ما رأيك؟ هلا شاركتني تلك الهواية التي أعشقها؟
قلت فجأة : هل تريد ذلك حقا؟
قال بثقة : سيسعدني ذلك بكل تأكيد
قلت : اذا افعل ما يسعدك
نهض سعيدا وهو يقول : سأخبر السائس ليجهز لنا الخيل
بمجرد أن اختفى من أمامي حتى انتفضت من مكاني بتأفف وعصبية شديدة وحملت حقيبتي وغادرت النادي كله
لا أدري من أى قصة من قصص المراهقين الرخيصة خرج ذلك الأراجوز ليفرض نفسه على, لم يجرؤ أحد على فعل ذلك من قبل
منذ أن شببت عن طور المراهقة وشباب النادي لا يحاولون مجرد محاولة الاقتراب مني, فالجميع هنا يعرفني ويعرف أسرتي ويعرف رأيي عمليا في علاقات النادي
نعم لي صداقات من الجنسين, ولكني أختار أصدقائي بعناية كبرى وبعد تفكير ودراسة وكلهم شخصيات غاية في التهذيب والاحترام فكرت كثيرا أن أقلب عليه الطاولة وأسمعه ما لم يسمعه في حياته، لكن شيء ما جعلني أسكت، وكأني كنت أنتظر أن يقع بالكلام ويعترف بسذاجة هكذا بعلاقته بيحيى
فلقد سمعت السائس يناديه بدكتور وسام
كلمة دكتور خرقت طبلة أذني
يبدو أن يحيى لم يعرف بعد أنني كففت منذ سفره عن قراءة قصص المراهقين الرخيصة ليرسل لي ذلك النموذج الغريب!!!
لعلني اسيء الظن بيحيى والأمر كله مجرد مصادفة؟
وهل مصادفة أن يركب حصاني المفضل قبل دخولي الى النادي بدقائق!!
ترى هل شكت له أمي من الحالة النفسية التى أمر بها هذه الأيام فأرسل لي تلك الدمية السمجة لتسليني!!
أو ربما لتلهيني عن التفكير بياسر
أقسم بالله يا يحيى لو ثبت لي أنك خلف هذه الدمية السخيفة لتواجه بعاصفة عنيفة من عواصفي القديمة
لا شك أنني مجنونة تماما، فحتى الآن لم أرد له سترته الجلدية السوداء، ولا أدري لماذا؟
هو أيضا لم يطلبها أظن أن خجله وحياؤه منعاه من ذلك
في أحيان كثيرة أخرجها من خزانة الملابس وأعلقها على بابها وأتحدث اليها كما لو كنت أتحدث الى صاحبها
قد يكون التحدث الى الأشياء مفيدا في بعض الأحيان فقد وضعت يدي على مشكلتي بدقة
فمشكلتي هي أنني أشعر بالانكسار أمامه, ولن أستطيع مواجهته أو التحدث اليه أو حتى العودة الى سابق عهدي معه الا لو شعرت أنني أكافئه , وعدت قوية كما كنت
فهو لا يهدأ ولا يكل تحقيقاته تتوالى بغزارة ويزداد تألقا ونجاحا يوما بعد يوم, أما أنا فقد شغلت نفسي في التفكير في كيفية استعادة مكانتي السابقة والعودة الى تألقي بموضوع تحقيق جديد يهز الجريدة ويرفع من نسبة مبيعاتها
رغم أنني لا زلت أحرر عمودي, لكنني لم أكن مقتنعة بما أكتبه
فقد كنت ضائقة ملولة يائسة, ولا أدرى كيف الخلاص من تلك الحالة المدمرة؟
..............................................
كان يوم ينتظره الجميع ويعدون له العدة, بعد كل الحملات والدعاية والمناقشات التي دارت حوله على الانترنت وفي صحف المعارضة
انه يوم الاضراب المصرى, وفي اليوم السابق له اجتمع زكي بكل الصحفيين وجعل غدا يوما مفتوحا ينتشر فيه الجميع في المحافظات لتغطية أحداث ذلك اليوم الهام
كانت قاعة الاجتماعات مزدحمة, البعض امتلأت بهم المقاعد والبعض وقف في الخلفية ومنهم ياسر وباستقراء بسيط لعقليته فهمت الى أين سيذهب, وكان على استباقه واستباق الجميع لأحصل على ذلك المكان الهام
قلت بسرعة قبل أن يسبقني أحد عندما سألنا زكي عن الأماكن التي يمكن أن نذهب اليها : أنا سأذهب الى المحلة
صمت زكي وظهر عدم الاقتناع واضحا على ملامح وجهه, ثم قال : المحلة مكان غير مناسب لك, لا أظن أن الأمر سيكون سهلا
قلت بإصرار : أعلم, ولكني سأنجز تحقيقا جيدا ان شاء الله
هز رأسه موافقا باستسلام, رغم أن كل تعبيراته تقول أنه غير مقتنع
ألقيت بطرف عيني الى ياسر الذي كان واقفا في الركن عاقدا ساعديه وصامتا تماما ولم يشارك بأية كلمة, لدرجة أن زكي لاحظ ذلك فسأله : وأنت يا ياسر! علام انتويت؟
قال بهدوء : سأفكر ثم أبلغك
صمت زكي على مضض
وانتهى الاجتماع, وشعرت بنشوة انتصار, كنت أعلم أن ياسر ينوى الذهاب الى المحلة, ولكني سبقته هذه المرة
وكما توقعت, بمجرد أن عدنا الى المكتب قال لي مباشرة : أميرة
قلت ببساطة مدعية اللامبالاة : نعم, أهناك شيء؟
قال بحزم : أريدك أن تتخلي عن فكرة الذهاب للمحلة
قلت بتحدى : اطمئن, أستطيع الاهتمام بشئوني جيدا
تجهم وجهه وقال بضيق : ألا تعلمين أنهم يصدرون بيانات شديدة اللهجة وتحذيرات مخيفة
الأمر هناك سيكون مختلفا عن أية محافظة أخرى
كما أن العمال ينتظرون هذا اليوم ويعدون له العدة
قلت بعناد : فرصة عظيمة لصناعة موضوع جيد
هتف بغضب : أتظني أنها لعبة!! الوضع سيكون في غاية الخطورة وعليكي ألا تذهبي الى هناك
قلت بتحدى : لا يملك أن يقول لي ذلك سوى المدير المسئول
التمعت عيناه ببريق الغضب وقال منذرا : اذا فأنت مصرة على عدم الأخذ بالنصيحة؟
غافلتني ابتسامة سعادة وخرجت من داخلي لترتسم على وجهي : أشكر لك نصيحتك, ولكني كما قلت لك أستطيع تدبر أموري بنفسي
زفر بغيظ وغادر المكتب, أستطيع أن أستنتج بسهولة الى أين سيذهب الآن بعد أن فشل في اقناعي
أخذت أترقب عودته من عند زكي بتوتر حتى موعد الانصراف, ولم يعد
وأخذتني الأفكار, ترى هل رفض زكي لذلك غادر ياسر الجريدة؟
في الصباح كنت أنطلق بسيارتي الى المحلة, وكان واضحا بشكل كبير أن الاضراب قد بدأ بالفعل, وأن المراهنين على قدرة الشعب على القيام بالاضراب والصمود من أجله سيكسبون
فها هي البشائر هلت, بدت الشوارع هادئة بشكل ملحوظ, ولا زحام
رن هاتفي المحمول, كان زكي الذي قال بعجلة : أميرة, هناك أمر هام جد, لقد اعتذر أحمد لظروف قهرية, وعليك الذهاب مكانه الى وسط البلد
قلت بحسم : ابحث عن غيري, فأنا الآن في الطريق الى المحلة
هتف قائلا : كلا, لن تذهبي الى المحلة
قلت بعد أن تأكد لي ما فهمته : اذا, فقد أرسلت ياسر الى هناك؟
اتفقت معه على تلك التمثيلية برغم أنك وافقت أمس
قال بحدة : الأمر ليس مؤامرة عليك, لقد تحدث الى وأقنعني بوجهة نظره
المحلة ستكون مكانا خطرا للغاية اليوم والعيون كلها مترصدة لما سيحدث من مواجهات, والتدابير الأمنية ستكون أضعاف أى مكان آخر
قلت بغضب : لا يهم, سأذهب رغم كل هذا, ولن تستطيع منعي
قال : وأنا كمديرك غير موافق, وستتحملين عواقب مخالفتك..
قاطعته بانفعال : لقد وافقت أمس أمام الجميع, أتذكر؟؟
لن يستطيع أحد اثنائي عن هدفي
أنا ذاهبة الى المحلة ولا تتصل بي مجددا لأنني لن أرد عليك


صار الأمر واضح لكل عين
الإضراب بدأ بالفعل، الشوارع الرئيسية في العاصمة بدت خالية وهادئة
وصلت الى المحلة وأخذت أتجول فيها، في الميادين الرئيسة كانت الاستعدادات الأمنية متواجدة بشكل مكثف وغير عادي
صفوف من الجنود بزيهم الأسود وخلفهم السيارات المصفحة الضخمة
تذكرت رحلتي مع اللجنة وما دار فيها
أخذت أسترجع كلمات ياسر، كان محقا في كل كلمة، فالمشهد مخيف بالفعل
نفضت الخوف وأخذت أصور المكان, كانت أغلب المحلات والدكاكين مغلقة والأعداد قليلة في الشوارع
مررت على بعض المدارس الثانوية وسألت البواب عن نسبة حضور الطلبة والمدرسين اليوم
بالفعل كان الحضور قليل بشكل ملحوظ, ثم أجريت حوار مع بعض الناس في الشارع
على خلاف ما توقع المتشائمون, كان هناك وعى جيد بفكرة الإضراب ورغبة حقيقية في انفاذه
ولكن على نحو آخر كان هناك قلق وخوف مما يمكن أن يحدث جعل الكثيرين يتركون أشغالهم ويلزمون بيوتهم رغم عدم ايمانهم بالإضراب وجدواه
مر نصف النهار بلا مشاكل، وأتاني اتصال على هاتفي المحمول من رقم غير مسجل لدي
رددت : من؟
جاءني صوت ياسر : أين أنت الآن؟
هتفت بدهشة عارمة : ياسر!! أأنت حقا!!
قال بضيق : هل على أن أبحث عنك في المحلة كلها؟
قلت وأنا تحت تأثير الدهشة : كيف حصلت على رقم هاتفي؟
سمعت صوته حقيقيا من خلفي : لم تثيرين المشكلات دائما؟
التفت بحدة لأجده واقفا على بعد عدة أمتار مني
عندما أراه أعجز حقا عن التحكم في ابتسامتي التى تتفجر تلقائيا من داخلي
رأيته متجهما فتقدمت نحوه وأنا أقول بفرح حقيقي : هل أستطيع أن أقول أن هذا هو أول تعاون مشترك بيننا؟
صمت طويلا ولا حظت أن التجهم اختفى من ملامح وجهه, بل إن هناك ابتسامة تريد أن تشق طريقها بين قسماته لكنه يكبحها
قال بهدوء : لم تعاندين كل من حولك؟
قلت باسمة محاولة الهروب من حصاره : أتعلم؟ الجو هادئ تماما هنا خلاف كل التوقعات لدرجة أنني بدأت أندم على اختيارى لهذا المكان, أتمنى مكانا أكثر اثارة
تنهد مستسلما, ثم تلفت حوله متأملا متفحصا المكان : لا تتعجلي, لم تحن بعد ساعة الصفر
عند خروج العمال سنرى ما سيحدث
قلت بمرح : أين كنت؟
قال : كنت عند المصنع
تعجبت من قدرته على ابتلاع غضبه وتبديل مزاجه بسرعة
قلت : وما الأحوال هناك الآن؟
قال : هناك مفاوضات مطولة مع العمال والكل ينتظر نتيجتها التى ستحدد كيف سيصبح المكان بعد ساعات؟
قلت بزهق : اذا علينا البقاء قرب المصنع
قال : لقد بدأ الناس يتجهون الى هناك بالفعل
نظر الى وقال متعجبا : ما هذا الذي ترتدينه؟
نظرت الى ملابسي وقلت بدهشة : ما بها؟ انها ملابسي العادية
قال متهكما : أتأتين الى مكان كهذا في يوم كهذا بملابسك العادية؟
لم أفهم ماذا يعني, لكنه سألني : أين سيارتك؟
قلت مشيرة الى الشارع الجانبي : هناك
قال بسخرية مرحة : أحضرتيها معك الى هنا!! أهنئك على جرأتك
ألا تثير هذه المناظر أية مخاوف لديك على السيارة؟
قلت وأنا أدور بعيني في المكان : حقا, ان التواجد الأمني غير مسبوق, لا أفهم هل يستعدون لخوض حرب ما؟
قال ساخرا : لا ينقص المكان سوى ثلاثة ميركافا واثنين أباتشي وصلحوا
ضحكت من تعليقاته الطريفة
كانت المرة الأولى التى أشعر فيها بتباسطه معي في الكلام, رغم أن حدوده كما هي لا يتخطاها أبدا
وصلنا الى السيارة وقال هو : علينا ابعاد السيارة من هنا, أعطني المفاتيح
قلت بدهشة : لا أعتقد أن الأمر خطير
قال : الاحتياط واجب
هتفت وأنا أعطيه المفاتيح : ولكن, كيف سنتنقل دون سيارة؟
قال باسما : لا مشكلة, سنعيش عيشة أهل البلد لبعض الوقت
حتى ينجح عملك هنا, عليك أن تكوني مواطنة محلاوية اليوم
عندها ستنجحين في وصف حياتهم ومعاناتهم وسعادتهم وآلامهم وآمالهم بدقة
أسرني تواضعه وسماحته وبساطته
عندما عدنا الى المصنع كانت الأعداد المتجمعة بالمكان كبيرة جدا, ويقابلها أعدادا أكبر وأكبر من جنود الأمن
انتشرنا أنا وياسر نجري حوارات مع الأهالي
الكل مترقب بوجل وتوتر ولهفة ما سيفعله العمال عند خروجهم من الوردية
فالعمال بأعدادهم الهائلة يمثلون الغالبية العظمى من أهل البلد والإضراب الموازى أشعل آمال الناس بأن شيء ما يمكن أن يتغير
صلينا العصر في مسجد قريب وهناك أدركت ما كان يعنيه ياسر بأن أكون مواطنة محلاوية
فلقد صليت بين مجموعة من نساء البلدة مرتدية رداء الصلاة الموقوف للمسجد, ثم جلست بينهن بعد الصلاة نتبادل الحديث بود
نساء خرجن من بيوتهن ليساندن رجالهن ويطالبن بحقوق أولادهن
وشرحن لي الأوضاع المتردية للعمال ومطالبهم
بعدها عدت الى المصنع مع ياسر, ثم بدأ خروج العمال
وانهمكت في تصوير خروج العمال من المصنع وياسر يراقب ما حوله باهتمام بالغ
قلت بدهشة وعيني على الكاميرا : ما الذي يحدث هنا
رد ساخرا : تقصدين ما الذي لا يحدث هنا
بالفعل هو محق, فهذا ما لم نكن نتوقعه أبدا, بل لم يكن يتوقعه أحد, فقد كان خروج العمال هادئا تماما وعاديا ككل يوم وهم ينفضون كل في طريق متجهين الى بيوتهم, مما جعل ياسر يقول : أستطيع الآن أن أقول أن المفاوضات نجحت, لقد خرج العمال من كفة الميزان
يبدو أننا لسنا الوحيدين المعترضين على ما يحدث
لقد بدأ البعض يتذمر ويعترض, وبدأت بعض الهتافات تعلو على الجانبين بتردد وعلى استحياء
سمعت صوت ياسر بجانبي يقول بتوتر : علينا أن نبتعد من هنا
قلت بتركيز : انتظر قليلا حتى أنتهي من التصوير
كان ياسر محقا في قلقه, لقد بدأ الجنود يتحرشون بالأهالي بطريقة مستفزة, بل وحاولوا اسكاتهم بالإرهاب والقوة
الغريب أن الأهالي لم يسكتوا, بل ان تصرفات الجنود كانت تزيدهم اصرارا لتعلو الهتافات وتتطور بسرعة
ثم بدأ الجنود يتطاولون على الناس بالسباب والضرب ليشتعل الغضب بينهم, واشتبك بعض الشباب مع الجنود بالفعل
وكأنما تلك المشادات الفردية هي الفتيل الذي نزع ليتفجر الجنون في المكان
فقد بدأ الجنود الضرب في الناس بالعصي دون تمييز وبوحشية
لكن هذه المرة لم يتلقى الناس الضربات ويسكتوا, بل كان الرد عنيفا والاشتباكات مخيفة
وتجمدت تماما في مكاني كالتمثال والكاميرا في يدي تصور ما يحدث
لم أستطع التحرك الا عندما صرخ في ياسر : إجرى
جريت خلفه برعب بعد أن تحول الميدان الى ساحة حرب, وبدأت أسمع أصوات فرقعات عالية من خلفي
حاولت أن ألتفت لأرى ما يحدث فاصطدمت برجل يجري من الاتجاه الآخر فسقطت الكاميرا على الأرض
ارتبكت بشدة, فآخر ما يمكن أن أتحمله أن أفقد الكاميرا
توقفت وانحنيت بسرعة لألتقطها ولمحت ياسر يجري بعيدا بين الناس التى تجري في كل اتجاه بفوضى وعشوائية
وكان على حفظ توازني بصعوبة ممن يتخبطون بي
علت صوت الفرقعات حتى كادت تصم أذناي فوليت هاربة من المكان
لكن فجأة انفتح الجحيم في وجهي وأظلمت الدنيا
...............................................

يتبع.....................................



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   السبت 8 يناير 2011 - 0:52

شعرت بحريق هائل في صدري واختناق, وأخذت أسعل بشدة ودموعي العزيزة انفتحت فجأة كصنبور الماء
لم أستطع الوقوف طويلا وأنا أحاول التقاط أنفاسي, وسقطت على ركبتي عاجزة عن الرؤية من حريق عيناي
وأدركت بعقلي أنني سقطت ضحية الغازات المسيلة للدموع التي انتشرت في المكان
وسمعت صوت ياسر يناديني ولكني لم أستطع الرد أو الوقوف أو أى شيء
كل ما كنت أستطيع فعله هو السعال ومحاولة التقاط أنفاسي
وشعرت بأصابع قوية تنغرز في كتفي بألم شديد وتقتلعني من الأرض وتدفعني بعيدا عن الدخان الأسود
أخيرا خرجت من ذلك الظلام الخانق, وبدأت أشعر بالهواء يرد الى أنفاسي رغم الحريق الهائل الذي في وجهي وكأنما شبت فيه النار
كان ياسر يجري وهو يجرني خلفه من معصمي وأنا أتبع خطواته دون أن أتبين أى شيء حولي
لا أدري كم بقينا نجري, لكنه توقف فجأة وهتف بي وهو يلهث : اجلسي
أطعته دون تفكير, دون حتى أن أرى على أى شيء أجلس, وسمعته يقول : هل أنت بخير؟
أومأت برأسي دون أن أرد فقد كان صدري يؤلمني بشدة وحلقي يحرقني
قال بلهجة آمرة : ابصقي أى شيء في جوفك, ابصقي تلك المواد الكيماوية
فعلت ما قاله لي, وبدأت أهدأ تدريجيا وأشعر بالهواء البارد يخفف من ألمي
قال بحزم : افتحي عينيك
حاولت ولم أستطع ومددت يدي الى عيني تلقائيا, لكنه هتف بي : لا تضعي يدك على وجهك
أنزلت يدي على الفور, وعاد من جديد لإلقاء التعليمات : لا تقلقي, تحلي
بالهدوء فتلك الغازات لن تؤذيك, فقط اتبعي ما سأقوله لك حتى تتخلصي من
الألم بسرعة
أومأت برأسي فسألني : أترتدين عدسات؟
هززت رأسي نفيا فقال : جيد, والآن افتحي عينيك قدر ما تستطيعين وكفيك أيضا وعرضي وجهك للهواء وتنفسي ببطء وعمق
كنت أطيعه باستسلام تام وأنفذ تعليماته بدقة
وبالفعل بدأ الألم يهدأ وتنفسي يعود لطبيعته
اقترب مني وقال : والآن, اسمعيني, سأقوم برش سائل في عينيك
قلت وأنا أنتفض : لا
قال : اطمئني, لن يؤلمك, انه ملطف ومخفف لآثار تلك الغازات
أخرج من جيبه بخاخا صغيرا ورش بضعة رخات في عيني أشعرتني بالراحة
ثم رش في فمي وأنا أتمضمض وأبصق تلك السوائل على الأرض
سألني : هل تشعرين بتحسن؟
قلت : نعم. الحمد لله
نظرت اليه فوجدت الاهتمام والقلق على وجهه والبخاخ لا زال في يده, وسألته بفضول : ما هذا السائل؟
قال : إنه محلول الجفاف
ابقي عيناك مفتوحتان وكفيك كذلك في الهواء
أومأت له موافقة وأنا أقول بابتسامة : أنت ماهر للغاية
قال : خبرات تراكمية
دارت عيناي في المكان, وأخذت أتأمل الشارع الذي دخلنا فيه, كان خاليا مغلق المحلات والدكاكين, وأنا أجلس على الرصيف
تنهدت قائلة : يا إلهي!! وكأن المحلة تفجرت بالجنون !!
وقف بعيدا, وقال وهو يراقب المكان من حوله بدقة : كل هذا كان متوقع، لكن الغريب أن يتأخر حتى هذه الساعة من النهار
يهدأ الوضع حينما نظن أن الانفجار قادم, ويتفجر حينما نظن أنه وقت الهدوء
قلت بعجب : ولكن لم تطور الى هذه الدرجة!! لقد خرج العمال في هدوء ولم
يثيروا أى شغب, الكاميرا تشهد بذلك, حتى الشباب الصغير الذين تجمعوا حول
المصنع, لم يكن لهم أى دور سوى بعض الهتافات التي لا تغني ولا تسمن من جوع
قال بغيظ : كما لو كانوا ينتظرون أى خطأ أو اشارة ليضربوا
بل واستفزوهم بالسباب الفاضح والضرب
قلت باسمة : والجماهير لم تقصر وكان الطوب والأحجار ردا بليغا
قال : لقد كان البشر على آتون يغلي وهم من فتحوا الغطاء ليتفجر الغضب في وجوههم
قلت متسائلة : أظن أن الناس فوجئوا بأن العمال لن يشاركوا في الإضراب, وهذا ما أثار غيظهم الشديد, أتعلم, أنا نفسي اغتظت
كيف ينخلع العمال من القضية بهذه الصورة!!
التفت الى وقال متسائلا : عن أي قضية تتحدثين!!
العمال قضيتهم معروفة ومطالبهم محددة من البداية
قلت : وماذا عن الناس الذين ساعدوهم وتضامنوا مع قضيتهم!!
قال : الإضراب لم يكن في المحلة فقط بل في سائر البلد
والعمال عندما قاموا بالإعلان عن وقفاتهم الاحتجاجية والمظاهرات
والاعتصامات كل هذا من أجل مطالبهم البسيطة لا مطالب الاضراب والأحزاب
ولأن تزامن الاثنين معا كان له ضغط رهيب داخليا وخارجيا
أرسلت الحكومة من يتفاوض مع العمال لتهدئتهم حتى لا تتحول المحلة الى كتلة نار, فالمحلة كلها عمال
ويبدو أنهم قبلوا بالإتفاق برغبتهم أو تحت التهديد لا أعلم
قلت : هكذا ببساطة!! يلقون بكل شيء خلف ظهورهم, يبيعون كل من وقف معهم!!
قال باسما : لا تأخذي الأمور بظاهرها, العمال لا هم لهم سوى تحسين أحوالهم المعيشية والاستقرار والأمن لهم ولأولادهم
من الظلم تحميلهم الأمر وحدهم, فهم لم يكفوا عن التظاهر والاعتراض والصراخ في 2006 و2007
هم يختلفون عن الشباب الداعين للإضراب, فهم يدركون أن هذا طريق لا نهاية
ظاهرة له حاليا, والأمر على ما يبدو ستليه جولات أخرى في السنوات القادمة
لذلك فلا داعي للتعجل بخطوة قد تشعل البلد جحيما من تحتهم وهم الخاسر الأكبر فيها
قلت بضيق : لست مقتنعة، هذه المرة لست مقتنعة أبدا بما تقول
قال باسما : أخبريني ما هو المطلوب بالضبط أن يحققه الإضراب؟
هممت أن أتكلم، لكنني سكت
قال باسما : ما هو الا تعبير عن رفض الأوضاع الخطأ وإيصال رسالة الى العالم بأن هناك وضع غير مرضي عنه لابد وأن يتغير
قلت : بلى، صحيح
قال لو نظرت حولك لوجدت أن كل هذا تحقق اليوم على هذه البقعة الصغيرة التى نقف عليها
لا أدرى كيف الحال في بقية المحافظات، لكني أتكلم عما رأيته
إن ما حدث هنا اليوم لهو جيد بكل المقاييس، أكثر من هذا سيكون زيادة لها تبعاتها الغير محسوبة
قلت بفهم : كما حدث الآن!!

كان ينظر الى طرفي الشارع باهتمام وانعقد حاجباه بقلق وهو يقول : وكما سيحدث بعد قليل
مد يده نحوي قائلا : أعطني الكاميرا
أعطيته إياها وأنا أنظر اليه بترقب
أخذها وانطلق يجري الى أول الشارع وهو يصور
انتفضت رعبا فقد كان هناك مجموعة كبيرة قادمة من أول الشارع مثيرة صخبا
مخيفا، كانوا يحملون شابا مصابا اصابات عنيفة في وجهه ورأسه ويبدو أنه
فاقد الوعي
لا أدري حقا أهو ميت أم مصاب
أخذ ياسر يجري بينهم وهو يصور ثم تلتهم مجموعة أخرى تجري قادمة من الميدان الى داخل الشارع
كان واضحا للغاية أن الميدان تحول الى ساحة ضرب, وهؤلاء هاربون ليختبئوا مثلنا في الشوارع الجانبية
كان ياسر يسألهم عما حدث ويسجل الكلمات القليلة التي يلقون بها
فجأة وجدت ياسر يجري نحوي وهو يهتف : هيا بسرعة
نظرت الى أول الشارع فوجدته قد سد بسيارة سوداء ضخمة والجنود يزحفون منها كالنمل
أيقنت أن التصعيد الغير محسوب والذي كان ياسر يتحدث عنه منذ قليل قد حدث بالفعل
لقد اشتعلت المحلة جحيما
.................................................. ..........

انطلقنا نجرى الى الجهة الأخرى من الشارع, ثم عبر ياسر الى حارة أخرى وظل يجرى في الحوارى الجانبية حتى شعر أننا أصبحنا في أمان
وقفنا نرتاح قليلا وأخذنا نلهث بشدة من كثرة الجرى
قلت بعد أن هدأت قليلا : والآن, كيف سنصل الى السيارة؟
قال : فلتحمدى الله أنها بعيدة وإلا لما وجدت فيها قطعة واحدة سليمة
قلت : اذا الى أين الآن؟
قال : علينا أن نسير بحذر
بالفعل بدأ ياسر التنقل من شارع الى حارة بحذر بالغ, كان يستكشف الطريق
التى نتوجه اليها قبل أن ننعطف فيها وأنا أتبع خطواته بترقب وقلق
كان ياسر يستعد للإنعطاف في احدى الحارات عندما تراجع فجأة للخلف وهو يضع سبابته على فمه محذرا أن أصدر أى صوت
صمت بترقب وخوف وهمس هو لي : تلك الحارة تمتلئ بالسترات الجلدية السوداء
تنتظر صيدا يسحبونه الى سفينة الفضاء السوداء الكبيرة التى خلفهم
برغم دقة موقفنا والجنون في المكان لكن ياسر استطاع انتزاع ابتسامتي
قال بهمس وهو يتراجع : فلنغير وجهتنا
قلت باثارة : انتظر, ألا يمكن أن نصور ما يحدث دون أن يروننا؟
نظر الى بدهشة قائلا : توقيت مناسب للغاية لتفجر الفضول الصحفي
قلت باسمة : أليس هذا هو أسلوب الصحفي المحترف يا أستاذ!!
ابتسم بعد أن أدرك أنني أكرر كلماته, ثم قال : ولكن, هل تستطيعين تحمل نتائج تجوالك في المحلة مع شخص له هويتي لو قبضوا علينا؟
قلت ضاحكة : اذا أصبحت الصحافة مهنة الرعب!!
المهم أن تنجو الكاميرا من بين أيديهم
تنهد باستسلام ثم شغل الكاميرا ووجه عدستها الى الحارة من زاوية الرصيف
بحذر بالغ, وأنا خلفه أسمعه يهمس لي : حسنا, أنت وما تريدين ولكن عليك أن
تتذكري أنه كان اقتراحك
بقي ياسر يصور بهدوء
كانوا يلتقطون أى شاب مار بالصدفة في الشارع ويوسعونه ضربا وركلا ويقتادونه الى السيارة السوداء الكبيرة التي في آخر الحارة
بقى ياسر يصور لمدة حتى قال أخيرا : هل اكتفيت الآن؟ علينا التحرك قبل أن تحدث مفاجأة غير متوقعة
قلت : بلى هذا جيد
كان حظنا حسنا للغاية فلم يشعروا بنا ونحن نتراجع بهدوء
أو أن ياسر محترف للغاية, نعم هو كذلك فهو يستطيع تجنب بؤر الخطر بشكل مدهش
مررنا من أحد الشوارع بهدوء لكن صخب أتانا من داخل المدرسة التى في الشارع جعلنا نتوقف قليلا أمامها
قلت بدهشة : ترى أهناك من يختبئون هنا من المعارك الضارية التي في الخارج؟ أيمكن أن نحصل منهم على بعض الحكايات والأخبار؟
قال بحذر : علينا أن نكون حذرين ولا نثق تماما في كل من نقابلهم
كان الموقف مثير بحق وأصوت الصخب عالية تأتي من المدرسة ومع حركات مريبة,
فتح ياسر الكاميرا من جديد وبدأ يصور, أو على وجه الدقة يستعد في انتظار
ما يصوره
ولم يطل الانتظار فقد فوجئنا بمن ينزل من السلم الرئيسي المواجه لبوابة المدرسة التى نقف عندها وسرعان ما تبينا الحقيقة المؤلمة
فقد كانا اثنان يحملان كمبيوتر وبعض الأجهزة الخاصة بالمدرسة
انهما لصين
وجدت يدي تلتف رغما عنى ودون وعي حول ذراع ياسر برعب وأنا أهمس له : إنهم لصوص
قال ساخرا : ترى هل فتحت أبواب السجون اليوم تحديدا بالصدقة؟
أم أنهم إفراج بضمان محل السرقة؟


قلت بفزع : ياسر يجب أن نبلغ الشرطة
قال ساخرا وعينه على من ينزلون السلم : الشرطة مشغولة بأمور أخرى
أتعلمين ما هو أفضل ما نقوم به الآن؟
قلت : ماذا؟
هتف : اجرى
انطلقنا نجرى معا ولكن مع الأسف بعد أن انتبها الينا وأخذا يطاردننا
يبدو أن الحظ الحسن لم يستمر طويلا فقد انعطفنا في حارة مسدودة بسيارة
سوداء ضخمة, تراجعنا بسرعة الى الشارع وأكملناه ركضا الى نهايته دون أن
ننظر خلفنا
ثم انحرفنا في شارع آخر, الحمد لله كان خاليا
هتف ياسر : ادخلي في هذا البيت
اندفعت أنفذ دون تفكير وأغلق ياسر الباب ووقف خلفه
قلت وأنا ألهث : هل خلت الدنيا؟ أليس هناك من يطاردونه سوانا, سأرفع شكوى الى النقابة
قال هازئا : هأ, سيضعونها تحت الحراسة
نظر الى قائلا : أتعلمين,ما أكثر ما أتعجب له
عندما كنت صغيرا كنت ألعب لعبة عسكر وحرامية مع اخوتي وأصدقائي, يوما أكون من العسكر ويوما من الحرامية
وقتها لم تكن هناك أية فئات أخرى, الزمن يغير الكثير من الأشياء
نظرت اليه لحظة ثم انفجرت في الضحك
كنت أتساءل في نفسي متعجبة : لو أنني مع أى انسان آخر غيره الآن هل كنت
سأتحمل تلك الظروف الصعبة وأتقبل الأمر بتلك الروح المرحة الهادئة؟
ترى هل ابتسامة ياسر الآن سخرية حقيقية أم محاولة للتغلب على القلق وانتصار على الخوف؟
في كل الأحوال فوجود ياسر يشعرني باطمئنان غريب
قال : لكم أتمنى الآن الوصول الى المستشفى العام
قلت ضاحكة : فهمتك يا محترف, هناك ستجد أعداد المصابين وأهلهم
قال ساخرا : بدأت تتعلمين
عجبا, حتى يحيى لا يستطيع المزاح الساخر معي بهذه الطريقة, ولكن عند ياسر
وتتحول سخريته الى بردا وسلاما على قلبي, بل وأتقبل منه أية كلمة
خرجنا من البيت بعد أن اطمأن ياسر الى هدوء المكان وسرنا في الشارع الى
نهايته, وجدنا أنفسنا في ميدان آخر كبير فيه تجمعات كبيرة من الشباب تهتف
بعالي الصوت وعلى الجانب الآخر اشتباكات عنيفة بين الجنود والأهالي
أخذ ياسر يجري في الميدان والكاميرا في يده تصور كل المهازل التى تحدث في المكان
وأنا خلفه تماما كطفل خائف يخشى الابتعاد عن أمه في الزحام
وبمهارة شديدة كان ياسر يتفادى أماكن قنابل الغاز ويبتعد عنها وكذلك يبتعد عن أماكن الضرب باحتراف
كنت أشعر بالخوف وأصوات الفرقعات وطلقات الرصاص المطاطي تتطاير هنا وهناك وتلقي الرعب في قلبي, حتى صرخ في ياسر : ابتعدي
وبتلقائية حب الحياة وكراهية التعرض للأذى جريت بعيدا, ثم التفت لأجد ياسر
مطارد من اثنين يرتديان زيا مدنيا, كل أوصافهما هي وجوه سمراء كالحة
وشوارب ضخمة تغطي الفم وعيون لا تحوي سوى الشر
دق قلبي بعنف شديد عندما لحقه أحدهما, تسمرت أقدامي وعيناي على ياسر, لم
أكن أشعر بأى مما حولي رغم وجودي وسط المعمعة والفوضى الهائلة تعم المكان
لم أنتبه لأى شيء سوى ذلك المشهد المخيف, ورأيت ياسر يشتبك مع الذي لحقه ويتشاجران
وبدأت أشعر بالإعجاب الشديد فقد كان المشهد الظاهر أن الغلبة لياسر رغم تفوق الآخر في المقاييس الجسمية والطولية
لكن الرعب عاودني من جديد عندما لحقهما الثاني الذي كان يطارد ياسر الذي كاد أن يحاط به
فجأة التفت نحوى وصرخ : جلال
أدركت ماذا يريد على الفور عندما رفع الكاميرا بيده الى أعلى, وجريت نحوه
بكل قوتي وهو يرمي الى بالكاميرا من هذه المسافة قبل أن تطالها يد أحد سواى
لقد سيطرت على فكرة واحدة إن سقوط الكاميرا على الأرض يعني نهايتي ونهاية ياسر


عجيب أمر الانسان
لديه طاقات هائلة لا يدري عنها شيء, ولا تظهر الا في الشدائد الجسام
ففي نفس اللحظة التي اعتقدت فيها باستحالة اللحاق بالكاميرا وانقاذها,
انطلقت من داخلي طاقة رهيبة سحقت كل خوف ويأس ودفعت عضلاتي لبذل أقصى ما
لديها من قوة
انطلقت أجري باتجاه الكاميرا الطائرة وفردت ذراعيّ لتسقط بين كفي بصورة لم أكن لأصدقها أبدا
ورغم سقوطي على الأرض بشكل آلمني للغاية, الا أن سعادتي بانقاذ الكاميرا فاقت أى ألم
أخذتها بين أحضاني بلهفة وضربات قلبي تتسارع بشكل جنوني كما لو كانت طفلي الذي أنقذته من الموت
لكنني أفقت سريعا على الوضع المحيط بي لأجد أنني أصبحت مطاردة
انها تلك الصغيرة المخيفة التي يخشاها الجميع
(طول الكف وتهزم مئة وألف)
أنت يا صغيرتي!! الكل يريد تحطيمك, فأنت الفاضحة لكل جريمة الكاشفة للعيوب والنقائص والتعديات والمخالفات
كان الاثنان يتوجهان نحوي وخلفهما ياسر يحاول إعاقتهما باستماتة
فجريت بكل قوتي, وهذه المرة كنت أعرف الى أين أذهب
لقد أدركت أن نجاتي تكمن في الذوبان بين جموع الناس
فالحشود المجتمعة والتى تحولت الى فوضى عارمة تدفع وتكسر أى شيء في طريقها
وتتحدى وتعترض كل من له سلطة, ستفتح لي ذراعيها لمجرد أنني مطاردة من
السلطة
وهذا ما حدث بالضبط, فقد ابتلعتني كومة من البشر الغاضبين الذين غرسوا في
الأرض أقدامهم بعناد ورفضوا التزحزح أمام الهراوات والقنابل المسيلة للدموع
كانوا كالقذائف الحجرية يطلقون الأحجار بلا حساب وأمامهم تراجع الجنود في خوف
العجيب أن الأحجار كانت تستطيع أن تفرق بين من تصيبه ومن لا تصيبه, بل وتعرف هدفها وخط مسارها جيدا كما لو كانت أحجارا زكية
يبدو أنني أصبحت الآن داخل مشهد إخباري تليفزيوني من فلسطين
نجحت بالفعل في اجتياز كل هذا الجنون لأصل الى أحد الشوارع المتفرعة من الميدان
لكنني توقفت برعب, فقد كان أسوأ بكثير من الميدان فقد اشتعلت النيران في
الشارع بشكل مخيف, والأهالي يحاولون البحث عن ماء لإطفاء الحريق
ورغم رعبي الشديد لكنني استطعت التصرف بتلقائية الصحفي كما علمني ياسر
فوقفت أصور الحريق الكبير الذي اشتعل في عدة محلات ودكاكين متجاورة, كانت
النيران قد التهمت عددا من المحلات, فجأة وجدت الناس الذين كانوا منهمكين
في محاولة اطفاء الحريق يركضون بخوف, نظرت خلفي فوجدت سيارة سوداء كبيرة
تسد الشارع والجنود قادمون والناس تجرى طلبا للنجاة
اندفعت لأقرب باب بيت للجهة المقابلة للحريق وأخذت أطرق الباب المغلق بعنف
أخيرا فتحوا لي, أعتقد أنهم قد شاهدوني من احدى النوافذ
دخلت بسرعة وأغلقت الباب خلفي لأجد أمامي شابا يرتدي قميص رياضي وبنطلون منامة
قلت بتوتر : عذرا لم أجد أمامي الا أن أطرق بابكم
قال بسرعة : أنت صحفية أليس كذلك؟
نظرت الى الكاميرا التي في يدي وقلت : بلى, صحيح, لكن الجنون في الخارج لا يفرق بين صحفي و..
لم يدعني أكمل, بل قال بتوتر : تفضلي, تفضلي
تبعته وهو يجرى صاعدا السلم وهو يهتف : لقد رأيناهم, كانوا أربعة, وهناك آخرين
كنت أشتعل بالإثارة من كلماته لذلك تبعته دون تفكير
كان بيت صغير مكون من ثلاثة أدوار تجاوزناهم ووصلنا الى السطح
وهناك وجدت أهل البيت جميعا مجتمعين وأوعية الماء البلاستيكية يتم تداولها بينهم من أقرب شقة في الدور الثالث الى سور السطح
كان هناك شيخ كبير يقف عند السور وحوله مجموعة من الأطفال
ورجلان يتوليان قذف الماء من على السور ومعهما الشاب الذي فتح لي الباب
وثلاثة نسوة يتناوبون ملء الأوعية البلاستيكية
كان الأهالي يعملون بأقصى طاقاتهم وإمكانياتهم محاولين المساعدة في اطفاء الحريق
كانت محاولاتهم في القاء الماء لأبعد مدى ليصل الى الجهة المقابلة للبيت
محاولات غير مجدية ويتساقط الماء الى الشارع قبل أن يصل الى الحريق, ورغم
فشلهم لم ييأسوا ولم يتوقفوا, وكذلك فعل جيرانهم في البيت الملاصق لهم
استقبلتني سيدات البيت البسيطات بجلابيبهن البيتية المبللة بالماء وحجابهن الساتر البسيط
كن يتحدثن بصوت عالي وتوتر, وكنت أشعر أنني متقبلة بينهن بترحاب كبير وأنا
أستمع الى عباراتهن البسيطة : تفضلي يا أختى, الصحافة في بيتنا
صرخت واحدة وهي تلطم خديها بفزع : صورى, صورى يا أختى ما يفعلونه ببلدنا
كنت أنظر الى وجوههم الملئ بالغضب والنقمة والألم وقلة الحيلة, ولم أتكلم
كلمة, بل اتجهت الى السور وأخذت أصور من أعلى الحريق المشتعل, وما يفعله
الجنود في الشارع من مطاردات للشباب يقابلها مقاومة عنيفة منهم
وبدأ الظلام يزحف على المحلة والشارع مشتعل بالنيران
قلت بدهشة : كيف لم تأتي المطافي حتى الآن؟!!!
قال الشاب : اتصلنا بهم أكثر من عشر مرات, وبالتأكيد فعل بقية الجيران
هتفت احدى السيدات : انهم الشباب المجانين, مالنا ومال الاضراب وكل هذا الجنون ؟!!
قلت متسائلة : لكن الاضراب كان أساسا لمساندة عمال المصنع
قال أحد الرجلين : لقد تظاهرنا العام الماضي والذي قبله ولم يصل الأمر أبدا الى هذه الدرجة
هتف الشاب : لقد رأيتهم
قلت : رأيت من؟
قال : رأيتهم وهم يشعلون النار, ليسوا من عندنا, ليسوا من المحلة, أنا متأكد
سمعت صوت أحد الأطفال يصرخ بإثارة : أمي, لقد اشتعلت النار في المدرسة في أول الشارع
جرى الجميع الى طرف السور ينظرون الى كتلة النار الظاهرة في أول الشارع,
وتبعتهم بتلقائية وأفسحوا لي المكان لأصور المدرسة التي تحترق
كان الليل قد ارخى سدوله على البلد في ليلة لم أشهد لها مثيلا من قبل
سمعت طفلا بجواري يضحك : هي هي هي المدرسة احترقت
هتفت الأم وهي تضربه على مؤخرة عنقه : اخرس يا ولد, أفرح أنت باحتراق المدرسة؟!!!
قال باستفزاز : أحسن
قال أحد الرجلين : إنه عقاب جماعي للبلد
قلت بدهشة : ولكن كل هذا بسبب مظاهرات وهتافات؟!!!
قال : منذ سنوات ولم تهدأ المظاهرات في المحلة, وكل بضعة أشهر تتجدد, فهي
أكبر مدينة تحوى عمال في القطر, لذلك فهي مصدر قلق وقلاقل باستمرار
قلت : ولكن أليس هناك حل؟
قال : كل الحلول مؤقته, مجرد مسكنات غير مجدية
قال الثاني : أصبحت البلد مرتعا للصوص والحرامية والمسجلين
تذكرت لحظتها كلمة ياسر : هل فتحت أبواب السجون اليوم تحديدا بالصدقة؟
فجأة أظلمت اللمبة التي تضيء السطح, فقال الرجل الشيخ : قطعوا الكهرباء عن المنطقة
دخلت امرأة من باب السطح قائلة : انقطعت المياة
قال الشاب : بالتأكيد, فبانقطاع الكهرباء توقف موتور رفع المياة
أخيرا وصلت المطافي
كنت أقف بين أصحاب البيت وأبنائهم أستمع الى كلامهم وحكاياتهم عن المحلة
وأحداث اليوم وأحداث الماضي ومن بين كل تلك المآسي كانت تنطلق النكات
الطريفة العفوية لأجد نفسي أضحك بتلقائية
قدموا لي الشاي والحلوى بكرم وترحاب بعد أن أحضروا لي كرسيا بلاستيكيا
لأجلس عليه وأنا أستمع لتعليقات الأطفال الطريفة وهم يشاكسون الكبار في
يوم يعتبر هو الأكثر اثارة بالنسبة لهم
رن هاتفي ليوقظني على حقيقة أنني هنا ولا أدري عن ياسر شيء
رددت بسرعة ودون حتى أن أنظر لرقم المتصل, فهو بالتأكيد ياسر
قلت بلهفة : ياسر. أين أنت الآن؟
جاءني صوته يلهث بشدة : هل أنت بخير؟ هل أصابك شيء؟
قلت انا بخير وبين أناس طيبين, هل تستطيع ان تاتي الى الان؟
قال : لقد فرضوا حظر التجول في البلد
قلت : وماذا ستفعل؟
قال : سأتصرف, أخبريني أين انت؟
قلت : لن أستطيع ان اصف لك جيدا فلا أعرف أسماء الشوارع
أشار لي الشاب أنه يريد ان يكلمه, أعطيته المحمول بعد أن أخبرت ياسر أن يستمع اليه, وأخذ الشاب يصف له المكان بدقة
بعدها قضيت فترة انتظار مرهقة وعقلي يكاد يلتهب من التفكير في ياسر وكيف سيتصرف؟ وكيف سيصل الي هنا؟
وحظر التجوال,والخطر القائم في الشوارع واللصوص والبلطجية المنتشرين في الليل؟؟ والحرائق التى اشتعلت في المحلة؟
كان الوقت يمر على بطيئا مقلقا
حتى وصل أخيرا. لكنه رفض ان يصعد الى سطح البيت
وعندما نزلت أنا اليه عرفت السبب, وأفزعني ذلك بشدة
كان ياسر مصاب بطلق مطاطي في ساقه
..............................................
يتبع...................................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   السبت 8 يناير 2011 - 0:53

عندما رأيت الدماء تنبثق من ساقه مغرقة بنطاله لا أدري ماذا أصابني حقا, لقد شعرت بفزع شديد, وهتفت بتوتر : ياسر, ماذا حدث؟
ارتسمت على وجهه ابتسامة مطمئنة : لا تقلقي, انها فقط اصابة خفيفة
لم تستطع محاولات ياسر طمأنتي, حتى بعد أن استضافنا أهل الشقة التي في الدور الأرضي,بعد أن تجاوزت الساعة العاشرة ليلا
الجيران متعاونون للغاية, والأبواب مفتحة بينهم, بعد أن أغلقوا باب العمارة بالمزاليج
كان الجيران يحضرون الضمادات ويساعدون في تضميد جرح ياسر, وأنا أجلس في
الكرسي المقابل له أراقب ما يحدث وساقي تهتز بعصبية وتوتر كبير, واظفري
بين أسناني يكاد ينكسر, فقد كان كل تفكيري لحظتها أن ياسر يجب أن يذهب الى
المستشفى بأية وسيلة, ولكن كيف؟ وحظر التجول يمنع الحركة في البلد بكل
الوسائل
هتف الشاب بما كنت أفكر فيه : يجب أن ننقلك الى المستشفى
رد ياسر بابتسامته التى لم تختفي رغم شحوب وجهه : الإصابة ليست خطيرة, سأكون بخير بعد قليل
دخل علينا الرجل الكبير وهو يقول بغيظ : لقد اتصلت بالاسعاف أكثر من عشر مرات ولا فائدة
قال الشاب : أملنا الوحيد في سيارة اسعاف فهى المسموح لها بالخوض في كل هذا
قالت السيدة وهي تمص شفتيها بتعجب : الشوارع يجول فيها البلطجية بحريتهم ويمنع الصحفيين!!
التقطت الفكرة من كلمات الشاب : بلى, سيارة اسعاف, هي الأمل الوحيد لدينا
الآن أعرف من يستطيع اخراجنا من هنا
اتصلت بيحيى على الفور وطلبت منه أن يرسل لنا سيارة اسعاف لتنقذنا
بالتأكيد كاد أن يجن من الغيظ, لكنه تفهم أننا في مأزق حقيقي
وصلت السيارة بعد ساعتين ونصف قام فيها أهل البيت بواجب الضيافة بحفاوة
بالغة, وقدموا لنا العشاء,ونحن نستمع الى حكاياتهم عن المحلة والمصنع
والعمال وتاريخ المحلة النضالي
كانت ليلة حافلة, لولا اصابة ياسر التى كانت تقلقني بعنف
ودعنا أهل البيت بكرم بالغ وركبنا سيارة الاسعاف التى انطلقت بنا الى الميدان الكبير
كان ياسر يرقد على المحفة وأنا أجلس على الجانب بجوار المسعف الذي أخذت
أتحدث اليه بقلق بالغ وأسأله عن اصابة ياسر ومدى خطورتها ومضاعفاتها
وياسر يحاول أن يهدئ من روعي بشجاعته في التغلب على الألم, وبتعليقاته الطريفة المرحة
فوجئت بزجاج النافذة التى خلفي ينفجر بدوى مرعب أفزعني وجعلني أخفض رأسي
بين ساقي وأنا أصرخ برعب, وكذلك فعل المسعف بجوارى, وانتفض ياسر جالسا
وقال بتوتر : هل أنت بخير؟
رفعت رأسي وأنا أنتفض رعبا متسائلة : ماذا حدث؟
قال ياسر بتوتر : لا أدري بالضبط, أهو حجر أم ضربة عنيفة على جسم السيارة بقطعة حديد
أخيرا غادرنا المحلة بسلام, واسترخى ياسر بصمت لكنه لم ينم, وأسندت رأسي
بإرهاق الى جسم السيارة وبدأ النوم يغزو عيناى فأغمضتهما رغما عني
لا أدري كم مر على, لكنني فجأة انتفضت بفزع وهتفت بلا وعي : الكاميرا, ياسر الكاميرا ليست معي لقد فقدتها
اعتدل ياسر باهتمام وبدا على وجهه الانزعاج للحظة, ثم هدأ بسرعة وبدأ يبث الطمأنينة في : لا بأس, اهدئي, سنجدها إن شاء الله
قلت بضيق : والصور التي صورناها! والفيديو..
كيف سأرفق الصور في الموضوع الآن؟ لن أستطيع النشر أبدا دون صور, لن يصدق أحد ما حدث هنا اليوم
قال ياسر بحزم : أميرة, استمعي الى
بطريقته المغناطيسية وجدت نفسي أنصت اليه دون انفعال وهو يقول بصوت عميق :
أنا متأكد أنك نسيتها هناك في البيت الذي كنا فيه, لذلك سنعود قريبا
لنأخذها
قلت بقلق : ولكن, ألا يمكن أن تضيع أو يقوموا بتفتيش البيت أو...
قال بابتسامة واثقة : كوني متفائلة, لن يحدث إن شاء الله
هززت رأسي باستسلام تام بعد أن سيطرت ثقته الشديدة على مشاعري وانتقل الى هدوءه
وصلنا أخيرا الى المستشفى, وهناك استقبلني يحيى, ورأيت في عينيه عدم الرضا والضيق
اصطحب ياسر الى غرفة تلقي العلاج,ورافقته أنا رغم اعتراض الاثنين
كنت أقف في غرفة العلاج أراقب الطبيب الذي استدعاه يحيى وهو يعالج جرح ياسر, ووقف يحيى بجوارى صامتا
أما ياسر فقد كان يمزح مع الطبيب ويلقي النكات رغم ألمه وعلى وجهه ارتسمت ابتسامة شجاعة للغاية وارت كل ملامح الألم
لم أرى ياسر يوما مرحا وضاحكا وظريفا الى هذه الدرجة
عندها فهمت ما يفعله, كان يحاول بكل طريقة أن يشعرني بالاطمئنان
يحاول قدر جهده أن يبعد عني القلق والخوف
لكنه لم ينجح
لقد تغلب قلقي على كل شيء, كنت حزينة وضائقة للغاية, يكفيني شعوري بأنه
جريح يتألم, يكفيني شعورى بأنني جزء مما حدث له, كنت عبئا اضافيا على كاهله
كلما تذكرت ما كان يفعله أرى الصورة بوضوح تام, لقد كان يحاول حمايتي بكل وسيلة
إحساس مزعج بالذنب يكبر في داخلي, ويرفض تصديق أنني بريئة مما أصابه
أنهى الطبيب عمله وأخذت أستجوبه عن حالة ياسر والعلاج ومتى سيتحسن
وعرفت منه أنه بخير الآن, فقط سيبقى هنا بضعة ساعات ثم يعود الى البيت
جلست على المقعد بجوار النافذة وقد بدأت أهدأ بالفعل
سألني يحيى : ألن تعودي الى البيت؟
نظرت اليه باستنكار قائلة : سنغادر معا
انسحب من الغرفة وبقي الصمت غالبا على المكان,ورغم أنه لم تلتقي نظراتنا أبدا الا أن ياسر قال : يجب أن تعودي الى البيت
قلت بعصبية واضحة : ليس قبل أن أطمئن عليك
تنهد بضيق وقال : لا تكوني عنيدة, لا شك أن والدتك قلقة عليك
قلت باقتضاب وحالة من الضيق والعصبية مسيطرة تماما على : لن تقلق طالما أنني هنا مع يحيى
قال بتهذيب : بالمناسبة, أرجو ألا تأخذي كلامي على محمل خطأ, ولكني أود أن أدفع فاتورة علاجي بالمستشفى
استشطت غضبا وانتفضت من الكرسي وأنا أقول بانفعال شديد : ياسر, ما هذا الذي تقوله؟
أهذا وقت الحديث عن الفواتير والمال!!! لا أفهم كيف تفكر؟!! أنت حقا تثير جنوني
ألا ترى ما نحن فيه ؟
صمت تماما عندما نظرت الى وجهه, ورأيته مكفهرا وملامحه متجمده
قال بلهجة جادة حازمة : أفهم مدى الضغوط الفظيعة التي تعرضت لها اليوم,
لذلك سأنسى كل كلمة قلتيها الآن, وكذلك الأسلوب الهجومي العنيف في كلامك
ابتلعت ريقي بتوتر بالغ, واحتقن وجهي وحلقي لدرجة أنني شعرت بالألم في حلقي
وزاغت عيناى في كل مكان في الغرفة, وقلت بصوت منكسر : ياسر, أنا, أنا آسفة حقا, لم أكن أقصـ...
نظر نحوى لحظة, لكنني لم أستطع أن أتحمل الموقف أكثر من هذا, فوليت هاربة من الغرفة وصفعت الباب خلفي وأنا أسمعه يناديني أكثر من مرة
كنت أسرع في الممر الطويل وعيناي مغرورقتان بالدموع
حاولت الابتعاد قدر ما أستطيع, ودخلت الى الاستراحة الخالية في ذلك الوقت
من الليل,وألقيت بجسدى المنهك على أحد المقاعد, وعندما وجدت دموعي تهطل,
أدركت أنني قد فقدت السيطرة على مشاعري تماما
.................................................. ....
يتبع................................
كان على غسل وجهي جيدا والبقاء مدة حتى يعود للونه الطبيعي وأتخلص من آثار البكاء
جلست على أحد المقاعد وأسندت رأسي الى الجدار,سمعت صوت أقدام آتية في الممر لم أهتم لها
لكني سمعت صوتا يتحدث مر على أذني من قبل
ثم تبعه صوت امرأة تقول : غرفة 203 جاهزة غدا للعملية د.وسام
انتفضت من مكاني بفضول ووقفت خلف الباب الزجاجي أتطلع الى القادمين في الممر, ولأن الاستراحة مظلمة والممر مضيء فلم ينتبها لي
كما توقعت تماما, كان يسير في الممر مع احدى ممرضات المستشفى
اشتعل غيظى من يحيى, فلقد صدق ظني فيه
فها هو الفارس السمج الذي اعترضني في النادي يعمل طبيبا في نفس المستشفى التي يعمل بها خالي
ولكن لم يكن هذا بالوقت المناسب للعتاب أو العقاب
فكظمت غيظي منه وعدت لياسر بعد أن رحلا ودون أن يراني الفارس السمج
وجدت يحيى معه في الغرفة, ولم أرتاح للنظرات المتبادلة بينهما فلم تكن نظرات ودودة بالمرة
قال يحيى متسائلا : أين كنتي؟
قلت :كنت في الحمام
قال :والدتك تتصل بك طوال الليل
أخرجت المحمول من جيبي ونظرت فيه كان مظلما ثم قلت:لقد انتهى شحنه
غادر يحيى واتجهت أنا للنافذة أتطلع للظلام الخارجي هربا من مواجهته وبقى
هو صامتا لمدة حتى قال بصوت هادئ: ايييه،البعض كان يتمنى الإثارة لعله
انشرح الآن
دارت عيني وانتبهت لكلماته فأكمل بدعابة : أرجو ألا تتمني المرة القادمة ظهور بعض مصاصي الدماء أو هبوط سفينة فضائية
التفت إليه وتطلعت قليلا في وجهه الهادئ السمح ثم انفجرت بالضحك وشاركني
هو الضحك وتطلعت إلى وجهه الباسم قائلة : أنت تبتسم في أوقات غير مناسبة
إطلاقا
عاد يحيى بعد قليل قائلا :لقد كتبت له إذن الخروج يستطيع العودة إلى البيت الآن وهذه هي ورقة العلاج
مددت يدي اليه فوضع الورقة في كفي فازحت كفي بعيدا قائلة ببرود : المفاتيح
نظر الي بدهشة : ماذا؟
قلت بحزم: مفاتيح سيارتك فسيارتي في المحلة ، ام تظن اننا سنعود على اقدامنا
قلت بلهجة أمرة : غدا ترسل أحدا ليحضر لي سيارتي من المحلة وسأعطيك العنوان
قال بتأفف وغيظ: حاضر ، أي اوامر اخرى
قلت مشيرة : الى ورقة العلاج : اصرفها من الصيدلية الان وأتني بها حالا
نظر الي بغضب ، فقلت باستفزاز : هل ستصرفها الان ؟ ام اطلب من دكتور وسام ان يفعل بنفسه!!
خرج من الغرفة وهو في اشد حالات الغيظ ، اما ياسر فلم يعلق على الموقف كان يعرف جيدا متى يتكلم ومتى يسكت
طوال الطريق وانا اقود السيارة بصمت حتى وصلنا الى العمارة التي يقطن بها
عند الفجر وهنا قال وهو يفتح باب السيارة : شكرا لك لكل ما فعلتيه
خرجت من السيارة بسرعة والتففت حول السيارة ووقفت امامه مترددة قلت بقلق هل انت متاكد انك ستكون بخير
ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الشجاعة -اراها دوما كذلك- وقال : اطمئني سأكون بخير انها اصابة بسيطة للغاية
تنهدت قائلة : احسدك على تلك الابتسامة الشجاعة
عقد حاجبيه وقال بدهشة : الابتسامة الشجاعة؟؟
قلت : بلى انها تلك التي تظهر في الازمات لتواري الالم والغضب وتنتصر على الاحباطات
ابتسم ثانية وقال : تعبير جديد على اذني
يجب ان تصدقيني فهذا ليس هو اسوأ يوم في حياتي, بل لا يقارن بمن عاش حياة صعبة
كان عقلي مشغول بشيء اريده منه
فقلت برجاء : اعلم انك لن تفعل ولكني ساكون سعيدة للغاية لو اتصلت بي إن احتجت لاي شيء عندها ربما اكف عن القلق
قال باسما : اطمأني لست وحيدا في الصحراء
ان لي جيران طيبون والبواب ايضا يحب ان يساعدني كثيرا
انتقائه للكلمات والتعبيرات يدل على تواضع جم لا عجب ان يحبه جيرانه والبواب ايضا
قلت اذا هل تسمح لي أن أطمئن عليك بالهاتف
قال : صدقيني لا داعي فانا بخير بالفعل
فهمت الرسالة على الفور ولم الح في طلبي وزفرت بضيق وقلت باحباط: الن تذهب الى البيت لترتاح
قال باسما : بل سأصلي الفجر اولا
قلت : حسنا سأنتظرك حتى تعود
قال : لا داعي هاهو المسجد امامنا وجيراني هناك سيصطحبونني الى البيت
قلت بغيظ : لا تنسى ان تتناول دواؤك في موعده..سلام
غادرت المكان ضائقة وعدت الى البيت اعتقدت انني بعد ان اخذ حمام دافئ واصلي سأسقط في النوم مباشرة لكن هذا لم يحدث ابدا
ظلت عيناي تحدقان في سقف الغرفة وانا مستلقية على الفراش والصداع يعصف
برأسي وجاء موعد العمل ولم انم دقيقة واحدة وقررت الذهاب للجريدة بدلا من
ان اصاب بالجنون
لم تفلح القهوة السوداء في مساعدتي على التركيز او التخفيف من الصداع ولم استطع تبادل أي حوار مع أي من الموجودين
بصعوبة اكملت المقال وارسلته الى زكي بدون صور
كنت اتامل هاتفي المحمول امامي على المكتب ورغبة قوية تحرقني وتدفعني للاتصال به
اكثر من سبع مرات احاول الاتصال به وفي اخر لحظة اتراجع اعلم انه لن يتصل بي ابدا
لكني اصبت بذهول شديد عندما رأيته واقفا امام مكتبي بعد الظهيرة لم اعرف
ماذا اقول له كان يقف امامي مبتسما وقال بود : كيف حالك الآن؟؟
اخيرا نطق لساني : كيف..
كيف غادرت البيت وأنت مصاب!!
قال باسما : كان على أن آتي لأسلم المقال الذي كتبته
هتفت بدهشة : ولكن, ألم تسمع عن الانترنت أو الفاكس؟ تلك الأشياء تقوم بهذه المهمة
كان يكفي أن تتصل بأى منا ليساعد
أكملت بغيظ واضح : أوه, نسيت, فأنت تحب أن تتدبر شئونك بنفسك
قال ولا زالت الابتسامة على وجهه : كذلك كان على أن أنجز مهمة عاجلة
وجدته يمد الى يده بالكاميرا
هتفت بدهشة عارمة : لا يمكن أن تكون ذهبت الى هناك ثانية!!!!
قال مازحا : شعرت بالملل وكنت أتمنى بعض الاثارة
لكن ياللعجب, الجو هناك هادئ تماما, فعدت بسرعة
لم أكن أدري ماذا يمكن أن أقول, لذلك فقد صمت تماما وقال هو بدعابة :
كاميرا من نوع فاخر للغاية, فكرت أن أحتفظ بها رهينة عندي حتى أستعيد
ممتلكاتي
ولكني تذكرت أن بها صور يجب أن تنشر في أسرع وقت
فهمت ماذا يقصد بعبارته, ولكني لم أستطع أن أبتسم, فالموقف كان فوق تصورى
ان ما يفعله كثير, كثير جدا
ذهب الى مكتبه وجلست انا على الكرسي وأمسكت لساني بصعوبة بالغة, كنت أعلم أنني لو فتحت فمي لانطلق لساني ولم يسكت
أنهى ياسر عمله في بضع دقائق ثم نهض وسلم على الجميع, كانت مشيته تحمل عرجا واضحا ويبدو انه يتحامل على نفسه حتى لا يظهر لنا ذلك
أخبرنا أنه قدم لزكي طلب اجازة ليرتاح ويسترد عافيته
جمعت حاجياتي بعصبية ووقفت أمامه بسرعة وقلت : سأقلك
قال بحزم به بعض الضيق : لا داعي, سأعود كما جئت
قلت بنفاذ صبر : اعترض كما تريد, ورغم هذا سأفعل ما في رأسي وأقلك
أخيرا رضخ لأول مرة لرغبتي, ولم أهدأ الا عندما أوصلته الى بيته بسيارة يحيى التى لا تزال معي من أمس ورأيته وهو يدخل الى العمارة
وعندما عدت الى البيت أرسلت الصور الى زكي عن طريق النت ليرفقها بالمقالات
كان الارهاق يقتلني قتلا
ولكنى لم أنم, فقد اتصل بي أستاذ فؤاد وأتحفني بخبر أطار النوم من عيني وأشعل نيران الغضب في عروقي
..................................................
يتبع.....................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   السبت 8 يناير 2011 - 0:55

كانت أمي منفعلة للغاية وهي تقول لي أن هناك من اتصل بها ليخبرها أن أيمن في مستشفى في ليبيا
هرولت مغادرة بفزع دون أن أستطيع أن أتكلم مع أحد
سافرت أنا وأمي ومعنا يحيى الى ليبيا, وسهلت لنا السلطات الليبية اجراءات
عودتنا, واستطعنا العودة بأيمن الى القاهرة ليكمل علاجه في احدى
المستشفيات الخاصة ومنه الى البيت بعد أن استرد صحته
لم يستطع أيمن أن يخبرنا بما جرى فقد التزم تمام الصمت, ولم نلح عليه
بالسؤال, فقد كان كل ما يهمنا صحته, وعرفنا ما جرى له بصورة مجملة وموجزة
من الاخبار, وهو أن القارب الذي كان يقله هو ومجموعة كبيرة من الشباب غرق
قرب سواحل ليبيا قبل حتى أن يغادر الى ربع المسافة
.............................
كنت أجلس خلف مكتبي شاردة أفكر في أيمن وأنا لا أدري هل أشعر بالحنق منه أم بالشفقة عليه
أخيرا وبعد مدة طويلة أجد ياسر يجلس أمام مكتبي
قال بهدوء : كيف حال أخاك؟
نظرت اليه برهة وأنا أفكر, كان هذا هو أول تفاعل بيننا منذ مدة طويلة
قلت : هو الآن بخير, شكرا لسؤالك
قال : أى تجربة سيئة علينا أن نبحث عن جوانبها الايجابية ونستفيد منها
قلت : بلى, سمعت هذا منك قبلا
قال : عليك أن تتبعي الخط الذي سار فيه وتبحثي عن أسباب المشكلة
قلت بتهكم مرير : لو أن أيمن تحدث مع كل العالم فلن يتحدث معي أنا
تنهدت بألم وأنا أسأله : أخبرني أيها الزميل, لو كنت مكانه فهل كنت ستتحدث عن فشلك واحباطك أمام أهلك؟
قال بهدوء : أنت محقة, الأمر صعب بالفعل
قلت بألم : بل لا يمكنك تخيل مدى صعوبته, أنا بالذات عندما أتحدث معه..
صمت, لم أكن أدري ما الذي يمكن أن أقوله
لكنه استطاع أن يلتقط الفكرة بذكاء, فقال بفهم : فهمت, أسلوبك معه لا يساعده على البوح
قلت : الأمر ليس على هذه الصورة, ولكن...
رغما عني, كل هذا رغما عني, فأيمن على وجه الخصوص لا أستطيع أن أمسك
أعصابي أمامه, لا أستطيع أن أتقبل منه أى خطأ, لا أستطيع أن أتقبل فشله
واستسلامه, لا أستطيع أن أتقبل أعذاره
رغما عنى وأنا أمامه تتفجر براكين الغضب والحنق بداخلي وأجد نفسي أقول كلاما لا يجب أن يقال
أعلم أننى أغضبه وأحزنه ولكنى لا أستطيع أن أتوقف
قال بفهم : بلى, الأمر يكون صعبا للغاية عندما يتعلق بمن نحبهم
صمت عندما أدركت أن كلماتي فهمت بشكل صحيح, ثم قال هو : اذا فيجب أن تخاطبيه بطريقة مختلفة
سألته : كيف؟
قال : أنا متأكد أنه يقرأ مقالاتك, عليك أن تخاطبيه بقلمك
اللسان قد يتسرع ويخطئ كثيرا, لكن القلم يفكر أولا ويراجع ويعيد ويكرر وقد يمزق كل ما كتبه
أخذت أفكر في كلماته وأنا شاردة
فأكمل هو : ما رأيك أن تقومي بعمل تحقيق حول رحلته؟
قلت بيأس : لقد قتل هذا الموضوع بحثا فما الجديد الذي يمكن أن أقدمه؟
قال باسما : الجديد هو أن الموضوع هذه المرة سيكون له قلب, فمن يكتب هو من اكتوى بناره , جربي وسترين النتيجة
قلت باحباط : أيمن يقاطعني تماما, لا أتوقع أن يساعدني في هذا, أو حتى يحكي لي عما حدث له
قال باسما : إن كان هو لا يستطيع أن يحكي, فهناك غيره يتمنى أن يسمعه أحد
شغلي حاستك الصحفية وستصلي بالتأكيد
تركني ياسر بعد أن أشعل في داخلي جذوة من فضول تكبر وتكبر كل لحظة حتى تحولت الى نيران مشتعلة تدفعني الى الجرى خلف ذلك التحقيق
انطلقت بحماس هائل أجمع المعلومات من محاضر الشرطة, وسافرت الى قرى وبلدان الشباب الذين شاركوه في الرحلة المشئومة
وبالفعل كان ياسر محقا فهناك من يرغب في أن يصل صوته ولا يعرف كيف؟
فكل الشباب الذين زرتهم جمعت منهم الحكاية قطعة قطعة, ورأيت كيف يعيشون
وسبب تمسكهم بفكرة الهجرة وماذا فعل أهلهم ليدبروا لهم المال اللازم للسفر
واتبعت نفس الطريق الذي اتبعوه خطوة بخطوة وعرفت كيف تسللوا الى ليبيا
ورأيت الحجرة الرديئة التى كانت تضمهم لأيام قبل تجهيز القارب, وصورت
القارب, أعنى قارب آخر مشابه له
وبعد أسابيع قليلة خرج التحقيق متكاملا الى النور
وصدق ياسر في كل كلمة قالها
هذه المرة كان التحقيق مدويا, وأحدث ضجة في الجريدة, وتلقيت عليه التهاني وأتتني رسائل الكترونية كثيرة جدا تعلق على التحقيق
ولكني لم أشعر بشيء من كل هذا فالانسان الوحيد الذي أردته أن يقرأ ما
كتبته مغلق عليه بابه وغارق الى أذنيه مع الكمبيوتر هاربا من العالم كله
دخلت على أمي غرفتي وهي منشرحة للغاية وهنأتني بحرارة, وسألتها هل قرأتيه كله؟
قالت بابتسامة حزينة : وكأنني أرى أيمن في كل حرف في المقال, استشعرت في كل كلمة الصدق الشديد ووصلت الى قلبي مباشرة
ولكن..
لقد كنت أقرأ الجريدة في صالة الاستقبال وتركتها هناك, وعندما عدت اليها لم أجدها, كنت أريد قراءة المقال ثانية, وبحثت عنها طويلا
أتعلمين أين وجدتها؟ في غرفة أيمن
انتفضت من السرير وأنا أهتف غير مصدقة : حقا!!! لا أكاد أصدق؟!!!
لقد صدق من أتفاءل بوجهه في كل كلمة قالها
لقد قرأ كل ما كنت أريد أن أقوله له
الآن أؤمن بكل كلمة يقولها زميلي
أن الصحفي عندما يضع قلبه على سن قلمه يستطيع أن يفعل الأعاجيب
في اليوم التالي دخلت مباشرة من باب الجريدة الى مكتبه, وقلت له كلمة واحدة : ياسر, شكرا لك
التفت الى بابتسامة كبيرة وقال : اذا لقد قرأ المقال
قلت بحماس : بلى, رغم أنه لم يتحدث معي, لكنني اكتشفت أنه قرأه
قال : اذا فهذا الوضع لن يستمر طويلا, سيعود قريبا, فقط يحتاج الى مزيد من الصبر والتفهم والاحتواء
قلت بتردد : لا أدرى ,لكن تلك التجربة جعلتني قريبة جدا من أيمن ومن تفكيره, لقد عانى كثيرا, كثيرا جدا
قال باسما : اذا فهذا هو أول الطريق لعودة التقارب بينكما من جديد
قلت بأسى : أو يكون طريق لتباعد أكثر
قال : كوني متفائلة, كما أن هناك قوة فعالة دائما ما نغفل عنها
انها الدعاء
نظرت اليه قائلة : إن أمي تدعو له باستمرار
قال باسما : بعض الاشياء لا يصلح لها دعاء فرد واحد بل تحتاج الى الكثير من الالحاح والعزيمة, وتحتاج للصبر
قلت باسمة : لم أكذب حينما قلت أنني أتفاءل بوجهك كثيرا, أصدق الآن أن نظرتك لا تخطئ
(أميرة)
التفت خلفي, لم أكن أصدق أنها تأتي الى بعد كل ما حدث وتقدم على التحدث الى
قلت ساخرة : مرحبا بالعروس الأسطورية
قالت بانكسار : أود أن أتحدث اليك قليلا من فضلك
كنت مضطرة أن أذهب معها رغم كراهيتي لذلك
جلسنا خلف مكتبي, وبدأت هي : أنا سعيدة حقا أنك تحققين كل يوم نجاح جديد, مقالاتك بالفعل رائعة
كنت أعلم أنها تريد أن تقول شيء ولكنها مترددة, فقلت أتعجلها لأنهي ذلك الموقف السخيف : وبعد؟
ابتلعت ريقها بتوتر : لقد.. لقد قرأت تحقيقك الأخير وعرفت ما حدث لأيمن, وحزنت كثيرا لأجله
قلت وأنا أهز ساقي ضجرا : سأبلغه مدى حزنك وأسفك, أهناك شيء آخر؟
قالت : بلى, كنت أود أن تساعديني, ... أريد أن أعود اليه
قلت بدهشة حقيقية : ماذا؟!!! وزوجك؟!!
قالت بتوتر : لقد انفصلت عنه, ألم يصلك الخبر؟
قلت : لا أهتم كثيرا بالأخبار الفنية خاصة لو لم تكن تعنيني
وماذا عن الأفلام والكليبات؟!! هل تخليت عن كل هذا ببساطة؟ أم أن المنتج
السينمائي الشهير اتضح أنه تاجر شاطر وصفقاته دائما مربحة, يحصل على
البضاعة بأقل الأسعار ويتخلص منها بأقل الخسائر؟
قالت بانكسار والدمع في عينيها : بحق الصداقة القديمة لا تقسي على, لقد دفعت الثمن غاليا, بل أغلى مما تتصوري
قلت بجفاف : وما هو المطلوب مني الآن؟
قالت : أتمنى أن تكلمي أيمن ربما..
هتفت بدهشة : ربما ماذا؟؟!! آه, فهمت, لجوئك الى الآن يعنى أن محاولاتك مع
أيمن فشلت تماما, ولا يريد الرد على اتصالاتك ولا يريد أن يستمع اليك,
اذا فأنا آخر ورقة لديك؟
قالت ببكاء : أنا لازلت أحبه, أحتاج اليه أكثر من أى وقت مضى
قلت ببرود : أنا حقا أشفق عليك, لقد تخلى عنك الجميع وتساقطت أحلامك دون حتى أن تستطيعي الإمساك بها
ولكن لا شيء بيدي لأفعله, فأنا أحترم كثيرا قرارات أخي واختياراته, كما أحب أن أخبرك بشيء مهم من أخلاقه وطباعه
قلت بقسوة : أخي لا يأكل أبدا من فتات غيره
انهمرت دموعها أمامي بغزارة ورحلت كسيرة بصمت دون أن تستطيع النظر الى
لم أستطع أن أشعر بالتعاطف معها أبدا
وعندما غادرت المكتب هتفت بغيظ : يا الهي, يا الهي, أهناك بشر كهؤلاء؟!!
ماذا حدث للدنيا؟!! أين المطالبون بحقوق المرأة؟!! كيف يغفلون عن تلك النماذج المريضة
سمعت صوت ياسر الهادئ يملأ المكان : حرية الإنسان تبدأ عندما يكف عن الطمع فيما في أيدي غيره
لقد أصاب ياسر, أصاب تماما, لخص كل ما أردت أن أصرخ به
أدركت أخيرا أن الكف عن التفكير في ياسر ومحاولة الاقتراب منه هو بالفعل الذي يقربني اليه
وكلما استغرقت في العمل تماما وانشغل تفكيري كلية به
أجد ياسر متواجد باستمرار وبحضور كبير
.................................................. .....

لا أستطيع أن أنكر أن لياسر الدور الأكبر في المستوى الهائل الذي وصلت اليه وذلك الشعور الجميل بالرضا عن عملي
ليس هذا فحسب, لقد بدأت بالفعل في تكسير الحواجز التي بيني وبين أيمن, فقد
اتبعت معه نفس الأسلوب الذي علمني اياه ياسر, أن أتفاعل معه بشكل غير مباشر
بدأت أبحث عن كل ما يحبه وأفعله دون كلام
أضع له الزهور التي يحبها في غرفته وهو نائم, وأشترى له الحلوى التي يحبها وأضعها في مكان يصل اليه
لم أشعر منه بأى تغيير أو ردة فعل, لكنني لم أتوقف وأخذت أكثر من الدعاء له في كل صلاة
أما ياسر..
حرصت بشدة على أن أحافظ على علاقة الزمالة والتواصل العقلي بيني وبينه,
لقد تحددت تلك العلاقة بعدد ساعات العمل التي نقضيها في المكتب, والحديث
فقط حول العمل ومشكلاته, ولا شيء خارج هذا الإطار
حرصت ألا يفسد ذلك أى تصرف أو كلمة أو شيء وان كان بريء
وعندما أفكر أن أتصل به, ألغي الفكرة تماما من عقلي, فأنا أكثر من يعرف
خطوة مثل هذه يمكن أن تهدم العلاقة بيننا تماما, وتجعله يعود الى الصدود
والاعراض التام عن التحدث معي
ولكن هذه المرة كنت مضطرة
لقد دفعتني الظروف دفعا للإتصال به, فلم يكن هناك غيره لينقذني, رغم يقيني أن اتصالي به قد يسيء الى صورتي في عينيه
أعلم أن ما فعلته لن يعجبه, وأنني في نظره مخطئة على طول الخط
لكن الورطة الكبيرة التي وقعت فيها والخوف الشديد الذي تملكني جعلني أتصل بالإنسان الوحيد الذي أوقن تماما في عقلي أنه سينقذني
........................................
بدأت القصة عندما كلفني زكي بتحقيق عن احدى المستشفيات الخاصة الشهيرة,
والتي دارت حولها شبهات عديدة نظرا لأنها تمارس بعض عمليات نقل الأعضاء
وكان على تقصي الحقائق حول تلك المستشفى
وبدأت تحرياتي الدءوبة خطوة خطوة داخل المستشفى وخارجها
وقادتني التحريات لمعلومة بالغة الخطورة وهي أن المريض الغني يدفع للمتبرع
مبلغ يصل الى مئات الآلاف, لكن لأمر مجهول لا يأخذ المتبرع الفقير سوى
بضعة آلاف فقط
أين يذهب ذلك الفرق الهائل في الرقم, هذا ما أخذت على عاتقي كشفه
تتبعت أسماء المتبرعين بأعضائهم فردا فردا, فوجدت أنهم جميعا من قرية واحدة في محافظة من أكثر المحافظات ازدحاما وفقرا
وعند أهالي القرية كان طرف الخيط الذي كر وراءه كل الحقيقة
اكتشفت أن المتبرعين ليسوا بمتبرعين, بل هي مجرد أسماء لأشخاص لم يتبرعوا بأى شيء في سجلات المستشفى
بل ان بعضهم مريض بمرض مزمن لا يصلح معه أى عملية, وأحدهم مريض بفيروس سي
ما الذي يحدث؟!! وكيف يحدث؟!!
مفتاح اللغز كله في أقاويل وشائعات يتداولها أهالي القرية
انه مخزن قديم على طريق مهجور يملكه اسم شهير, هو أحد شركاء الطبيب صاحب المستشفى الشهير
ذلك المخزن هو بؤرة خوف ورعب لأهالي القرية ولا يتحدث عنه أحد الا همسا
ما سبب كل هذا الخوف؟
الكثيرين يقسمون أنه مسكون بالجن والعفاريت وحكي لي كل من ساقته الأقدار للمرور بالقرب منه ليلا عن أصوات غريبة ليلا وأضواء مرعبة
والبعض يقول أنه وكر لعصابة تقطع الطريق
أعلم أنني مجنونة لكن الإثارة أكبر من أن تقاوم, فذهبت الى هناك
وكنت أشجع نفسي بأنها فقط نصف ساعة وأعود, فنحن الآن بعد العصر ولا زال الوقت مبكرا على الظلام
نصف ساعة فقط وأعود الى القاهرة قبل الظلام
تركت السيارة بعيدا عن المخزن كما علمني ياسر حتى لا تلفت الانتباه, واتجهت نحو المخزن سيرا
عندما وقعت عيني عليه شعرت بالرعب, انه مخيف بالفعل
مبنى قديم له بوابات حديدية ضخمة وسور نصفه منهار
كان يبدو بالفعل كبيت الأشباح
ورغم كل هذا لم أستطع أن أمنع نفسي من الاقتراب, وأنا أتلفت حولي بتوتر في كل اتجاه
ياللغرابة.. لم يكن هناك سواى في المنطقة
كان المبنى المخيف يقف وحيدا في منطقة خالية من أى شيء, حتى الأرض الزراعية حوله اختفت وتحولت الى البوار
كان المبنى يشرف على طريق قديم مهمل لم يعد يستخدم بعد انشاء طريق آخر
جديد بديل له, وكان الأسفلت مهترئ يمتلئ بالحفر وعلى الجانب الآخر يمتد
مصرف قديم على طول الطريق غار ماؤه وأسن ما تبقى منه في القاع وغطته
الطحالب والقاذورات
عبرت السور المهدم وأنا أتوقع أن أسمع من يهتف بي من أنت وما الذي أتى بك الى هنا؟!!
أخذت أرص في عقلي مجموعة من الأكاذيب المتقنة التي لا تثير الشبهات مثل :
أنا تائهة, سيارتي خرجت عن الطريق الرئيسي وتعطلت على الطريق
أو كنت متجهة الى القاهرة وضاع مني الطريق بعد أن وصف لي بعض الأهالي وصفا خاطئا
هل يمكن أن ترشدوني الى الطريق الرئيسي؟
ياللغرابة, لا آدمي هنا
يبدو أن هناك ثقة زائدة في أنه من المستحيل أن يصل انسان الى هنا بعد أن تم حراسة المكان بمجموعة من الشائعات والحكايات المخيفة
دخلت الى المبنى المهجور وأنا أتلفت حولي في كل اتجاه والخوف يأكل قلبي, ولكني لم أستطع التراجع أبدا
هناك شعور جارف يدفعني لفعل ذلك ولا أستطيع مقاومته
أوقن أنني سأجد دليل ما يؤكد ظني
درت في المخزن دورة سريعة وأنا أريد أن أطير خارجه حتى لا أفاجأ بنفسي أصبحت كقاسم أخو على بابا
لم أجد شيء غير عادي, فهو مخزن قديم قذر ليس به ما يريب
تسارعت خطواتي نحو باب الخروج, لكني توقفت فجأة, فعن يميني هناك غرفة مغلقة لها باب حديدي مصمت ومغلقة بقفل كبير
ترى هل هنا سر شويبس؟!!
اتجهت اليه بسرعة وأخذت أتفحصه وأتفحص الجدران, أيضا لم يكن هناك ما يريب
تأملت سقف المخزن العالي , كان هناك فتحات في السطح,
أخذت أبحث عن سلم يوصلني للسطح, فقد تأكدت أن الغرفة المغلقة بالتأكيد لها فتحات في السقف على الأقل للتهوية
وعندما وجدت سلم حديدى ضيق للغاية يصل الى السطح لم أتردد لحظة في ارتقاؤه
فوق السطح مباني صغيرة لا تعلو أكثر من متر لها نوافذ من اتجاهاتها
الأربعة وعلى الجانب خزان كبير للماء لا أفهم حقا سبب وجوده هنا, والمخزن
قديم ومهجور
أخذت أدور على المباني الصغيرة أبحث عن أقرب واحدة تطل على الغرفة المغلقة
عندما وجدتها, انحنيت بسرعة أتطلع الى الغرفة المغلقة من خلال النوافذ الصغيرة
أصابتني صدمة هائلة, كنت أتوقع هذا وأكثر ورغم ذلك صدمت بقوة, كانت كل
القرائن والاستنتاجات تقودني الى ذلك, بل إنني كنت أبحث عنه بالذات, لكن
وجوده كحقيقة فعلية أفزعني بعنف
لا يمكن أن يحدث هذا في مصر؟!!
غرفة عمليات مجهزة في هذا المكان المهجور القذر ليس لها سوى استنتاج واحد فقط
انه نفس الاستنتاج الذي أتيت الى هنا لأجله بعد أن عرفت أن المتبرعين ليسوا بمتبرعين إنما فقط أسماء في السجلات
أما المتبرعين الحقيقيين فلا أحد يعلم عنهم شيء ولا ذكر لهم في أي مكان
أضاءت عقلي فكرة ربما تفلح, بالتأكيد لست غبية لأضحي بنفسي وأبقى هنا لمدة
أطول حتى يقع المحظور, فلو أمسكوا بي لدخلت الغرفة المغلقة من بابها
لكن التضحية بالكاميرا لن تكون بهذه الخطورة
غيرت شريحة الكاميرا, وكذلك وضعت فيها حجارة بطارية جديدة, وحمدت الله أن
من مميزات الكاميرا أنها تستطيع التصوير حتى 20 ساعة متواصلة
وضعت الكاميرا الصغيرة على احدى النوافذ وثبتها جيدا بشريط لاصق بعد أن وجهت العدسة الى منضدة العمليات
وغطيتها ببعض الخرق البالية ووضعت حولها بعض الزلط والأحجار, وضغطت مفتاح التشغيل
وتركتها ونزلت السلم بسرعة وخرجت من المخزن أجري على الطريق بالاتجاه الذي تركت فيه سيارتي
لكنني توقفت في الطريق عندما سمعت صوت سيارة قادمة على الطريق
لم أعرف الى أين يمكن أن أذهب, فالطريق عاري تماما من أى شيء أختبئ فيه
اتجهت الى المصرف وانزلقت على جانبه المنحدر أسفل عن الطريق حتى وصلت الى
قاعه وسكنت تماما ورائحة الماء الآسن تزكم أنفي وتكاد تزهق روحي
لم أكن بعيدة عن المخزن, وسمعت صخب وأصوات كثيرة وحركة وأصوات أبواب سيارات تفتح وتغلق, وفهمت أن السيارات توقفت أمام المخزن
تسللت ببطء متجنبة أن أحدث صوتا سائرة على أرض المصرف الغائر بجوار الماء الآسن بالاتجاه الذي تركت فيه سيارتي
بدأت أشعر ببعض الأمان عندما ابتعدت عن المكان الذي به المخزن دون أن يشعر بي أحد
سرت لمدة طويلة والآن على أن أصعد المنحدر الى الطريق لأعرف الى أين وصلت وأين سيارتي؟
صعدت المنحدر بحذر شديد ورفعت رأسي قليلا أرقب الطريق وفرحت عندما رأيت سيارتي ليست بعيدة
صعدت لأصل اليها, لكننى صدمت وألقيت بنفسي ثانية الى أسفل المنحدر, فلقد
فوجئت برجل غريب بالقرب منها, وأخذت أحمد الله أن ظهره كان ناحيتي ولم
يراني
وجوده هنا لا يعني سوى أن العصابة وجدت السيارة وعرفت أن هناك غريب في
المنطقة لذلك فهي تنتظره عند السيارة لكن يا ترى هل أدركوا أن الغريب وصل
الى المخزن؟
هذا هو السؤال الذي منعنى من أن أعود للسيارة بشكل طبيعي وأدعي أنني تهت عن الطريق
بدأت الدنيا تظلم بعد أن دخل وقت المغرب وبدأ الرعب يغزو قلبي
أمسكت هاتفي المحمول لأستنجد بأقرب انسان الى
لكن مع الأسف, أخذ هاتفه يرن يرن ولا مجيب ثم ينقلب الى مشغول
عاودت الإتصال مرات ومرات وفي كل مرة غير متاح
وفهمت ما فعله, بمجرد أن رأى رقمي على الشاشة أغلق هاتفه
أهذا هو ما كنت أنتظره منك يا يحيى؟!! والآن؟!!
وأنا في هذا الموقف الصعب؟!!
ياسر في عقلي, لم يغادر تفكيري قط, تمنيت لو كان معي الآن, ولكني لم أكن
لأجرؤ على الاتصال به, لم أكن لأتحمل لومه المستمر لي : ما الذي فعلتيه
بنفسك؟ ما كان يجب أن تضعي نفسك في هذا الموقف
هذا هو ما سأسمعه منه بالتأكيد, بالاضافة الى تجهم وجهه واستنكاره الصامت ونظرة عدم الرضا
لن تعجبه تصرفاتي أبدا
كما أن البنت المحترمة لا تستعين بأحد سوى أهلها
والآن ماذا على أن أفعل؟ وكيف سأتصرف؟ وبمن أستنجد؟
إنه شقيقي بالطبع, وهل لي سواه؟!!
ولكن ياللغرابة, أكثر من 20 اتصال وهو لا يرد
ربما كان نائما, ولكنه ينام حتى العصر ويستيقظ الآن ليبقى طوال الليل أمام الكمبيوتر!
ربما ضبط وضعه على الصامت؟ أو يضع سماعات الكمبيوتر على أذنيه
والآن كيف أتصرف؟
عدت للإتصال بيحيى من جديد, ولازال هاتفه غير متاح
فكرت أن يحيى لا يفعل هذا الا لو كان مع صديقته علياء
بلى, هو بالتأكيد معها الآن
يوما عندما احتجته اضطررت أن أجري اتصالات كثيرة لأصل اليه ولم أجده الا عندما حصلت على رقم هاتف علياء واتصلت بها
لقد أغضبه ذلك كثيرا, ولكني الآن مضطرة
اتصلت برقمها الذي احتفظت به من وقتها ولم أستعمله, وعندما ردت أخبرتها أنني أريد يحيى لظرف طارئ لا يحتمل التأجيل
كان صوتها يحمل معه الكثير من الموسيقى والصخب ففهمت أنهما في حفل
قالت بتهذيب : حسنا سأناديه, أرجوك ابق معي حتى أجده
انتظرت على نار الخوف, كان كل شيء مظلم حولي لولا نور القمر الخافت في السماء
أخيرا عاد صوتها, ولكنه عاد ومعه الكثير من الاحباط واليأس والغيظ والرعب
وهي تقول : عفوا, لا أستطيع أن أجده الآن, أعدك أن أخبره أن يتصل بك بمجرد
أن أراه
انتهت المكالمة وأنا في حالة يرثى لها
وأخذت أفكر ماذا أفعل في تلك الورطة المخيفة؟
هل أعود على قدمي والطريق موحش ومظلم ويمتلئ برجال كالوحوش؟!!
بما أن رجال الأسرة مشغولون فلا أمل لدي سوى الاتصال بأمي, قد تستطيع أن تتصرف وتحرك أيمن’ أو قد تستطيع الوصول الى يحيى
رن هاتفها عدة مرات ولم ترد, قدرت أنها ربما تصلي, أو أن المحمول بعيد عنها
أخيرا ردت بعد مدة بصوت قلق : أميرة أين أنت, لم تأخرتي
قلت بقلق : أمي, اسمعيني جيدا, أريدك أن ترسلي لي أيمن أو يحيى, أنا الآن في....
خرس لساني بعد أن تملكتني صدمة قاتلة, لقد انتهى شحن الهاتف وانقطعت المكالمة, ولم أخبر أمي بعد أين أنا وكيف ترسل لي النجدة؟!!
عجزت قدماى عن حملي فجلست على الأرض
كدت أموت كمدا, لقد أضعت شحن الهاتف جريا خلف أخي وخالي
ظننت أنني لست بحاجة للإتصال بأمي, بل على الإتصال مباشرة بمن في يده مساعدتي أو يستطيع التصرف السريع
والآن أظلمت الدنيا تماما وأنا وحيدة في هذا المكان الموحش وهناك من يتربص بي
.................................................
يتبع.........................................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   السبت 8 يناير 2011 - 0:59

بدأت أشعر بالدموع الساخنة تهاجم جفوني, كنت أدعو دعاء المضطر في الكربات
ومع الدعاء كان على بذل أقصى جهد عقلي لأخرج من هذا المكان بأقل قدر من
الخسائر, قاومت دموعي وأنا أحاول استدعاء الشجاعة بتلاوة أدعية الكربات
والأزمات المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم
وبدأ عقلي يتخلص من سجن الخوف, وأدركت أنه لا أحد عرف مكاني حتى الآن, اذا
فعلى مواصلة السير بنفس الطريقة عكس الاتجاه الذي قدمت فيه بالسيارة
وأستدعي كل مشاهد الذاكرة التي مرت على في طريق القدوم, عندها سأصل ان شاء
الله الى الطريق الرئيسي
عبرت المنطقة التي فيها سيارتي والرجل الغريب متسللة بهدوء فوق أرض
المصرف, وحمدت الله كثيرا, عندما تذكرت أن الظلام كما هو مخيف الا أن له
فائدة عظيمة بأن يخفيني عن الأعين المتربصة
سرت طويلا حتى وصلت الى نهاية المصرف, وكان ونيسي في تلك الرحلة المخيفة
ضوء القمر الشاحب, وأنا أحاول بكل قوتي ادخال الشجاعة عنوة الى عقلي وقلبي
لتبعد أفكاري السوداء من وجود حشرات ضارة وثعابين في هذا المصرف
أخيرا وصلت الى نهاية المصرف وصعدت المنحدر بسرعة الى الطريق, وجريت بكل
قوتي عكس الطريق الذي أتيت فيه بالسيارة, كانت هناك سيارات قليلة على
الطريق, ولم يكن من الممكن المجازفة بأن أوقف احداها وأنا لا أعلم من فيها
ولا ماذا ينتظرني
كانت المنطقة زراعية على جانبي الطريق, قليلة الخدمات فلا هواتف ولا محلات ولا دكاكين
أخيرا وجدت مجموعة من الرجال يجلسون على جانب الطريق وقفت وسألتهم عن أقرب نقطة شرطة, فأجاب أحدهم بأنها على بعد ثلاثة كيلومترات
كدت أن أستأنف السير لولا أن عرض على أحدهم المساعدة, فشكرته بسرعة : شكرا لك, لقد سرقت سيارتي وأريد عمل محضر في نقطة الشرطة
لم أنتظر لحظة وانطلقت في اتجاه النقطة حتى وصلت أخيرا
حمدت الله الذي رعاني حتى وصلت الى منطقة الأمان
دخلت الى مكتب ضابط برتبة رائد وحكيت له القصة باختصار وما أتى بي الى هنا وكل شكوكي وشكوك أهالي القرية, وما رأيته في المخزن
ولكن لا أدري حقا كيف أغفلت موضوع الكاميرا التي تركتها فوق سطح المخزن؟
وهل نسيت فعلا أم أنني أغفلتها عمدا؟ لا أذكر حقيقة, كل ما أذكره أنني كنت
مرتبكة للغاية وقلقة
استمع الضابط الى جيدا في هدوء ثم سألني : اذا فالأمر كله مجرد شكوك ولم تري شيء بعينيك
هتفت بانفعال : لقد رأيت بعيني حجرة العمليات, أهناك سبب مقنع لوجود حجرة
للعمليات مجهزة في ذلك المكان الغريب الا لو أن في الأمر مصيبة؟؟ حتى لو
لم تكن هناك مصيبة ولا جريمة, ولكنها حجرة عمليات لا أحد يعلم عنها شيء
أم أن نقابة الأطباء ستسمح بانشاء حجرات للعمليات السريعة في كل قرية خدمة للمواطنين!!!
يبدو أن سخريتي استفزته فقال بضيق : ألا يمكن أن يكون مخزن عادي يحوي
أدوات طبية مخزنة واختلط عليك الأمر؟ أو ربما من أخبرك يريد تضليلك؟ أو..
تعجبت للغاية من رد فعله البارد وكلماته المستفزة, وبدأ القلق يغزو عقلي, لكنني أفقت على سؤاله المفاجئ لي : أين الكاميرا؟
قلت مدعية الدهشة والبراءة :الكاميرا!!
فقد وجدت نفسي لا أرغب في اخباره أين الكاميرا الآن, يبدو أنني في الفترة
الأخيرة قد تحولت مشاعري بصورة كبيرة تجاه أجهزة الأمن والشرطة
قلت مدعية البراءة : للأسف لم يأتي المصور معي, لقد رفض المدير اعطاؤه اذن
للخروج معي, قال لي أن أجمع المعلومات واذا ما توصلت لشيء فسوف.. لن أشغل
رأسك بتفاصيل عملنا
همهم قائلا : ولكن بالتأكيد معك هاتف بكاميرا, وربما صورت بعض الصور
ازداد ارتيابي به أضعافا مضاعفة, فهتفت بتمثيل : أوه, ذكرتني, أتصدق ما حدث لي, لقد انقطع شحن هاتفي
قال بتأفف : اذا فلا دليل لديك على ما تقولينه, أنصحك بالانصراف يا آنسة
ابتلعت ريقي بتوتر, وقلت له : على الأقل أريد تقديم بلاغ للشرطة لتبحث لي عن سيارتي
قال بتأفف وهو يخرج ورقة وقلم من درج مكتبه : تفضلي, اكتبي بيانات سيارتك وسنجري التحريات اللازمة
تركني ونهض من خلف مكتبه وقال للجندي الواقف على الباب : اياك أن تتحرك من هنا حتى أعود
هبط قلبي فى أقدامي, فبصورة ما شعرت أن الأمر الذي أصدره (بألا تتحرك) المقصود به أنا وليس الجندي
وبقيت أفكر في الورطة الجديدة التي علقت بها
شعرت أنني مسجونة في القسم وأن على حراسة
والآن كيف سأتصرف؟
أخذت أدعو الله في سري أن ينجيني,وأخذت أتأمل الهاتف المحمول للرائد وقد تركه على مكتبه
يا للإغراء فقط لو أنفرد به لبضع دقائق
لا بأس من محاولة
التفت الى الجندي وأخرجت من جيبي مبلغا من المال وقلت له : من فضلك, هلا أتيت لي بكوب ماء
قال بآلية : غير مسموح لي بمغادرة المكان
قلت أستعطفه وأنا أعطيه المال : من فضلك, أكاد أموت عطشا, لن أخبر الضابط بأى شيء, أنت لم تغادر المكان
نظر الى قليلا ثم ذهب ليحضر لي الماء بعد أن وضع المال في جيبه
خطفت الهاتف وضغطت مفاتيحه بسرعة على رقم منقذي والذي أحفظه في عقلي عن ظهر قلب
وأدركت أنني أيقظته من نومه عندما جاءني صوته ناعسا: السلام عليكم
لم أضع ثانية واحدة وقلت بصوت خفيض : ياسر, أنا في ورطة كبيرة, أحتاج للمساعدة, لم أكن أ..
قاطعني صوته الجاد المنتبه يغمره القلق : أين أنت الآن؟
قلت بارتباك شديد وعيني على الباب : أنا آسفة, لم أجد سواك لأطلب منه العون
قاطعني بحزم : أميرة, أخبريني أين أنت بسرعة
أخبرته بمكان نقطة الشرطة بدقة ثم قلت : ولكني أشعر بأنني سجينة هنا, هذا الضابط لا أستطيع أن أثق به, وكأنه يدبر لشيء ما
أخرجت رأسي من باب الحجرة وأخذت أنظر يمينا ويسارا أراقب الممر حتى لا
أفاجأ بعودة الجندي, وسمعته يقول : سأكون عندك في أسرع وقت, حاولي الخروج
من عندك بأية وسيلة, لا تبقي هناك وحيدة ولا تعطيه أية بيانات عنك أغلقت
الهاتف فجأة عندما وجدت الجندي قادم, ووضعت الهاتف في جيبي مضطرة, أعطاني
كوب الماء وشكرته ممتنة, وأخذت أفكر في حيلة جديدة للفرار من هذا المكان,
قلت له : أ لديكم هنا حمام؟
قال : بلى
قلت : أحتاج للذهاب الى الحمام
قال : ولكن ..
قلت بسرعة : لا أعتقد أن الضابط يمكن أن يمانع في ذهابي الى الحمام؟ كما
أننا في مكان بعيد عن العمران, والساعة الآن تقترب من منتصف الليل
كاد أن يصطحبني الى الحمام, لكن مبلغا آخر من المال جعله يلزم مكانه,
وبدلا من أن أتجه حيث أشار لي, اتخذت الجهة الأخرى, وسرت بأكبر ثقة في
نفسي وعبرت بوابة القسم وأنا ألقي السلام على الجندي الواقف عند البوابة,
ثم انعطفت يمين القسم, ولكنني ارتددت برعب عندما وجدت الضابط هناك,كان يقف
مع رجل ألقى منظره في قلبي الريبة
ترى, هل شاهدت الكثير من الأفلام البوليسية في الفترة الأخيرة, أم أن هذا الرجل منهم بالفعل؟!!
فما الذي يضطر ضابط الشرطة الى مغادرة مكتبه في تلك الساعة ليقف مع رجل في
مكان شبه مظلم خلف القسم, أما كان عليه استدعاؤه الى مكتبه؟!!
في موقفي هذا على افتراض أسوأ الظنون الى أن يثبت العكس, وتذكرت كلمات ياسر : لا تثقي أبدا بأى انسان
تراجعت بهدوء الى الناحية الأخرى, وأخذت أجد في السير حتى ابتعدت عن نقطة
الشرطة, عندها فقط انطلقت أجري بأقصى قوة لدي حتى أنهكني التعب وتقطعت
أنفاسي
لم أشعر بالأمن وأنا على الطريق الرئيسي, فما أسهل أن تجدني أية سيارة للشرطة اذا ما فكر الضابط في تتبعي
اتجهت الى داخل الأرض الزراعية عموديا على الطريق وسرت في الظلام على الأرض الطينية بين المزروعات
ورأيت أشباح سوداء طويلة للغاية وعرفتها على الفور,واتجهت اليها وكأنما
ألوذ بها, كانت بضع نخلات متجاورات, جلست في كنفها أنتظر ياسر في الظلام
والخوف يأكل قلبي ,وحاولت قدر جهدي أن أشغل عقلي بأي شيء بعيدا عن المخاوف
والوساوس من لصوص وقطاع الطرق وحيوانات برية كالسلعوة والثعالب
هذا غير الحشرات الكبيرة وهوام الليل
أدركت لحظتها كم هي عظيمة نعمة القرار في بيت يستر ليلنا
انتفضت بفزع هائل عندما سمعت صوت موسيقى, أخذت أبحث عن مصدره وأنا أرتجف
الآن فقط تذكرت أن هاتف الضابط لازال معي
يا لحظي العثر, انها جريمة سرقة, ولا شك أنه الضابط يتصل وهو يعلم أنني أخذت الهاتف
أخرجته من جيبي وجعلته على الصامت لكي لا يفضح صوته مكاني ولم أرد
يبدو أنه لا شيء سيء على الاطلاق, فهناك الكثير من الايجابيات حتى في أسوأ المواقف
لقد امتلكت وسيلة تربطني بياسر, وبمجرد أن توقف الاتصال اتصلت بياسر على
الفور, لم تكتمل الرنة حتى أتاني صوته يغمرني باطمئنان غريب : أنا قريب
منك للغاية, كيف الحال عندك؟
ابتسمت رغما عني, فقد أدركت أن ياسر عندما ينطق كلمة فهو يعلم بذكاء بالغ كيف يضعها في مكانها المناسب
لقد وقعت كلماته على قلبي بردا وسلاما فقلت : حسنا لقد فعلت كل ما قلته لي
ونجوت من نقطة الشرطة, وأنا الآن أختبئ في أحد الحقول التي على الطريق
جاءني صوته فرحا : هذا أروع خبر سمعته اليوم لقد وفرت على مشكلة كبيرة, اذ ليس على الآن اقتحام نقطة الشرطة والصراع لإخراجك من هناك
قلت بابتسامة كبيرة : أو كنت ستقتحم النقطة لأجلي
قال مازحا : لم يكن هناك حل آخر أمامي, ولكن عندها سيكون عليك تحمل العواقب الرهيبة عندما يزج باسمك في قضية ارهاب دولية
فأنت أكثر من يعلم كيف ينظر الأمن لأمثالنا
قلت ضاحكة : هل صارت الصحافة مخيفة الى هذه الدرجة!!
قال بهدوء : أتمنى ألا تندمي يوما على اختيارك لي لمساعدتك
قلت وأنا مستمتعة تماما بالحوار معه فقد جعلني أنسى خوفي : لا ليس الى هذه الدرجة, أعلم أنك صحفي مشاكس للغاية ولكن لا أعتقد أنك خطر
قال مازحا : بل ربما وصل الأمر الى محاكمة عسكرية أو خلية صغيرة معدة ومضبوطة على مقاسنا
أضحكني مزاحه كثيرا حتى دمعت عيناي وهو يكمل : تعلمين أنني لست قليلا في هذه البلاد
مجرد تواجد اسمي في هاتفك المحمول قد يجعلهم يشتبهون بك ويضعونك تحت المراقبة
تركته يتكلم وأنا أشعر بسعادة غامرة وأقدر تماما ما يفعله لأجلي
لقد لمس ياسر مدى خوفي, وما كان مزاحة الا لإشعاري بالأمن والطمأنينة, ونجح في ذلك بالفعل
قال عندما طال صمتي : أميرة, سأنهي المكالمة الآن
هتفت بدهشة : ماذا!!
قال بهدوء : لا أريد أن أفاجأ بأن شحن جوالك قد انتهى, وعندها سأظل أبحث عنك طوال الليل بلا جدوى
يمكنك أن تغلقي الهاتف الآن, وفي أية لحظة تشعرين بالخطر, فقط رنة واحدة وأكون معك
قلت وأنا أشعر بالدموع تملأ عيني : حسنا, سأفعل كل ما تقوله لي
قال : في رعاية الله
أغلقت الهاتف, ونزلت الدموع الساخنة من عيني وأنا أمسك الهاتف بين يدي وكأنني أمسك بقلبي
لازال ياسر مصر أن يثبت لي في كل لحظة أن هناك رجال في هذا الكون من النبلاء
تركت الهاتف يرن مرات ومرات وأنا أضعه على الصامت, لا شك أنه سيجن ان لم يصل الى, وقد يرسل سيارة الشرطة للبحث عني
أخيرا جاءني الاتصال الذي كنت أنتظره, رددت بسرعة : ياسر
قال مباشرة : لقد تركت خلفي نقطة الشرطة, وأنا الآن على الطريق, حاولي أن تحددي مكانك بدقة
قمت من مكاني بسرعة واتجهت الى الطريق الرئيسي, وعندما وصلت الى الأسفلت قلت له : أنا على الطريق الآن
قال : جيد, ابحثي عن علامة مميزة على الطريق
أخذت أجد في السير وأنا أتلفت في كل اتجاه أبحث عن أية علامة مميزة على
الطريق, كانت الأرض الزراعية ممتدة على الجانبين, وصلت أخيرا الى لافتة
كبيرة عليها اعلان, وصفت له الاعلان وأخذت انظر يمينا ويسارا حتى وجدت
مسجد على الجهة الأخرى من الطريق, كان مظلما لكن مئذنته واضحة على ضوء
السيارات العابرة وضوء أعمدة الطريق
تملكني فجأة شعور هائل بالقلق لم أعرف ما مصدره الا عندما التفت خلفي ووجدت رجلا يتبعني بأمتار قليلة
قلت بتوتر : ياسر, يبدو أن أحدهم يتبعني
هتف بتوتر : لا تدعيه يمسك بك, كدت أصل
أطلقت ساقاى عدوا وأنا أمسك بالهاتف وياسر معي على الخط وعقلي مع من
يطاردني والذي كان يقترب بسرعة, وأنا أحاول الفرار بأقصى جهدي, لكنه كان
أسرع مني
وعبرت الطريق الى الجهة المقابلة التي فيها المسجد بتلقائية كما لو كنت
ألجأ لربي لأحتمي ببيته, فليس لي سواه الآن, وأنا أصرخ بقلبي : يا رب يا رب
وبمجرد أن عبرت الطريق حتى مرقت سيارة بيني وبين مطاردي عطلته قليلا’ ثم عاد يطاردني
نزلت من الطريق الأسفلتي الى الأرض الطينية وأنا أسمع من خلفي صوت صرير عجلات سيارة تحتك بشدة بالأسفلت وفرملة قوية
لم ألتفت خلفي أبدا, لكني شعرت بمن يمسك ذراعي بعنف ويجبرني بقوة على التوقف, لقد أمسك بي الرجل
وجمدني الرعب في مكاني
..................................
................................

خذت أنظر الى ذلك الوجه الأسود الذي زاده الظلام سوادا وشرا وكأنما أتى من وكر الشياطين
لقد انتهى أمري
لكن في لحظة أتت النجدة من السماء
لقد انشقت السماء عن شبح طويل قفز فوق مطاردي تماما فأسقطه أرضا, واختل
توازني بعد أن كاد أن يجذبني معه الى الأرض, ولكنني استعدت توازني بسرعة
وابتعدت في الوقت المناسب
وقفت أتفرج على الأشباح السوداء التي التحمت في معركة يدوية على الأضواء الخافتة للطريق
وتعجبت من نفسي, فمن لحظات كدت أموت رعبا
لكن الآن انمحى أى شعور بالخوف وغمرني اطمئنان عجيب
لا عجب, فقد وصل ياسر أخيرا
كان ياسر يتمتع بلياقة بدنية عالية, وتغلب على خصمه بسرعة
كان من الصعب حقا أن أكتم اعجابي هذه المرة
ورغم هذا فلم أجد أية فرصة لإبداء اعجابي, فقد هتف بي وهو يلهث : هيا
صعد الى الأسفلت قفزا,وتبعته مسرعة
لكنه توقف فجأة وتوقفت بدوري عندما فوجئت بمجموعة من الرجال أمامنا مباشرة, ودق قلبي بعنف, لقد حوصرنا
وأدركت بعقلي أنهم يعملون لدى أصحاب المخزن والمستشفى
وجدت نفسي أرتعد خوفا وأتوارى خلف كتف ياسر الذي لم يتحرك أبدا من مكانه
كانوا أربعة يقطعون الطريق بيننا وبين سيارة ياسر, وأخذوا يتقدمون منا بثقة
همس لي وهو يراقبهم وهم يقتربون : اسمعيني جيدا, سأحاول تعطيلهم قدر ما
أستطيع وأنت انطلقي الى اليمين على الأرض الطينية في الظلام, والتفي من
خلفهم بسرعة وعودي الى الطريق وستجدي السيارة التي أتيت بها بابها مفتوح
والمفاتيح بها
انطلقي بها بأقصى سرعة ولا تنظري خلفك أبدا
نظرت اليه بدهشة وأنا أهمس معترضة : وأنت!!
همس بحزم قاسي : أطيعيني ولا تزيدي في الكلام
فكري في شيء واحد فقط, إن نجاتك تعتمد على سرعة وصولك للسيارة
أصبح الأربعة على مقربة منا, وتبينت ما في يد أحدهم, كان مسلحا برشاش
انتابتني رعدة هائلة في جسدي وتشبثت أصابعي بكم ياسر بلا وعي
همس قائلا : الآن
انطلقت أجري فجأة ولم أنظر خلفي أبدا كما أمرني
لم أكن أحتاج للإلتفات لأعرف أن ياسر يخوض معركة رهيبة ضد أربعة رجال
أشداء وأحدهم مسلح, فقد كانت الأصوات التي تصل الى أذني تكفي لأفهم
وصلت الى السيارة بفضل من الله, ثم بتنفيذي لكلام ياسر بالحرف دون تفكير
الا في نقطة واحدة فقط
ألا أنظر خلفي, ولكن لم يكن باستطاعتي أن أفعل هذا وأنا مدركة لمدى الخطر الرهيب الذي يواجهه وحدة وبسببي
التففت عائدة بالسيارة , ورأيتهم وهم يتكتلون عليه
المراقب لهذا الموقف يدرك تماما أن معركة ياسر خاسرة, وأنه هالك لا محالة
لكن هدف ياسر لم يكن الفوز عليهم, ولا حتى النجاة منهم
بل تعطيلهم لأطول وقت حتى لا يصلوا الى
وهذا بالضبط ما حدث
لا أدري كيف انتابتني الشجاعة لأفعل هذا, ولكنني فعلته
وجدت نفسي أندفع بالسيارة تجاههم بسرعتها القصوى
فجأة برز أحدهم أمام السيارة, وكان ذلك مرعبا للغاية
حاولت جهدي أن أتفاداه, وانحرفت بالسيارة, ورغم كل هذا صدمته بالفعل
فجأة صمت أذناي أصوات طلقات رصاص متوالية أفزعتني بعنف وأجبرتني أن أهبط الى قاع السيارة
وشعرت بجسد السيارة يهتز مع صوت الطلقات, وأدركت أن السيارة أصيبت وحاولت
النجاة من الباب الثاني,وفتحته بالفعل ووليت هاربة, ولكن الى أين أذهب؟!!
التفت بخوف أبحث عن ياسر لأحتمي به, وفوجئت بمنظر لن أنساه في حياتي
كان ياسر ممسكا بالرجل المسلح, والصراع بينهما على أشده, وياسر يحاول
انتزاع الرشاش منه, والمشهد يوحي أن الغلبة للأشرار, اثنان منهم يهمان
بتطويق ياسر من الخلف
لكن يبدو أن لوجودي نفع كبير, فقد تركا ياسر وانطلقا يطارداني, وفهمت
لحظتها أن المطلوب هو القضاء على أى شخص يحاول كشف حقيقة المخزن وما يدور
فيه
انطلقت أجري على الطريق الأسفلتي نجاة بحياتي, لكنني لم أبتعد كثيرا, فقد سمعت ياسر يصرخ : توقفوا
تلاه صوت رصاص كثيف أرعبني وجعلني أتوقف وأخفض رأسي
التفت أخيرا لأجد الوضع تبدل بصورة عكسية, فياسر الآن هو الذي يمسك
بالسلاح, والرجل الذي صدمته بالسيارة ملقى في الأرض لا يستطيع الوقوف,
وصاحب الرشاش تحت أقدام ياسر, والاثنان الآخران توقفا تحت تهديد السلاح
جريت نحو ياسر بعد أن تبدلت مشاعري في لمح البصر ووقفت خلفه أحتمي به, وغمرتني سعادة هائلة وفخر كبير بذلك الفارس المنقذ
وفي لحظة شعرت وكأن ياسر ألقى بي داخل قصة قديمة من عالم ألف ليلة,وكأنني
تحولت فجأة الى صبية غضة المشاعر لينة الفؤاد تتحول مع كل حكاية جديدة الى
ست الحسن أو الأميرة المسحورة أو.. أو...
يا الهي, هل يمكن أن يغرق الانسان في الحلم الى أن يتحول فجأة الى حقيقة
هكذا تفجرت المشاعر الجياشة في قلبي وبلغت الاثارة مني مبلغها وأنا أراقب
ما يحدث, وحاول أحد الأشرار أن يشهر مسدسه, لكنه لم يجد فرصة ليطلقه, فقد
عاجله ياسر برصاصة واحدة وبدقة مذهلة أطاحت بسلاحه وأجبرته على الاستسلام,
وأنا مذهولة تماما من دقة تصويبه ومن أن مدفع رشاش أراه دائما في السينما
يبذر الرصاصات بذرا يمكن أن يطلق رصاصة واحدة بهذه الدقة
تأملت ياسر مليا
وقفته المتحفزة, طريقة إمساكه بالسلاح, ذلك التعبير المخيف الذي ارتسم على وجهه, ولم أصدق نفسي وأنا أشعر أنني في حمى ليث, ليث حقيقي
لم يكن هناك ثمة أثر لزميلي الهادئ المهذب البشوش خفيض الصوت
كان شخصا مختلفا تماما, أشعل في قلبي الذهول والعجب, وربما الخوف والرهبة أيضا
هتف بصوت مخيف : من أراد منكما أن يقتل قبل الآخر فليتبعنا
تراجع ياسر نحو الأرض الزراعية والظلام, وأنا على أثره خطوة بخطوة,
وتوغلنا في الأرض الزراعية بعيدا عن الطريق الأسفلتي محتمين بالظلام
اعتدل فجأة وقال : هيا
انطلق يجري بسرعة وأنا خلفه تماما
لكنني توقفت بعد فترة وقد أنهكني التعب وقلت وأنا ألتقط أنفاسي بصعوبة : لا أستطيع أن أكمل
ارتميت على الأرض من التعب
قلت بعد دقائق وأنا أنظر حولي : ألديك مصباح كهربي يكسر حدة هذا الظلام؟
قال : بلى, في هاتفي المحمول
فجأة سمعته يقول بضيق : لا حول ولا قوة الا بالله
قلت بدهشة : ماذا حدث؟
قال : لقد سقط الهاتف من جيبي أثناء الشجار
زفرت بضيق هائل وقلت بأسف : يا لها من ليلة, ياسر, أنا آسفة حقا
قال مباشرة : أعطيني هاتفك
أطعته دون تفكير وأعطيته الهاتف دون أن أنظر فيه
سألني وهو يفتحه : هاتف من هذا؟
قلت بسرعة : انه هاتف الـ..
قطعت الكلمة بعد أن كدت أقع بلساني وأعترف له بأن الهاتف هو لضابط النقطة
لقد ورطت ياسر معي في مشكلة لا حل لها,و بسبب هذا الهاتف قد يجر اسمه في قضية لا يعرف عنها شيء
استسلمت لقدري وقدره وأقنعت نفسي أن الله لن يتخلى عنا
سألته : بمن تتصل؟
قال مباشرة : أتصل بصديق لي ليحضر سيارة لنا تلتقطنا من على الطريق
وضع الهاتف على أذنه, لكنه قال بتأفف كبير : أستغفر الله العظيم, نفذ الرصيد من البطاقة
جحظت عيناى من المفاجأة, الى هنا وعجزت تماما عن التحمل
أعلم أن الموقف دقيق وخطير للغاية, ولكنني فجأة ودون مقدمات, انفجرت في نوبة من الضحك الهستيري
لا أدري كيف ولم, ولكنني ضحكت كما لم أضحك أبدا في حياتي
التفت ياسر الى بدهشة, ثم قال بسخرية مغتاظة : جميل جدا
ما أجمل أن يكون الانسان ذو روح عالية حتى في أحلك الظروف
كنت مقدرة تماما لضيق ياسر وقلقه, بل كنت مستاءة من نفسي
لكنني لم أستطع التوقف عن الضحك
ويبدو أن الضحك قد منحني شجاعة ما, أو أنه بلد مشاعري تماما فألقيتها اليه
وقلت بصوت متقطع من بين ضحكاتي : ذلك الأبله البخيل, لم يشحن البطاقة
بالرصيد
لقد كان يبدو لي كطاووس منتفخ خلف مكتبه
التفت ياسر الى باهتمام وتساؤل وقال وكأنما قد فهم شيئا : ترى, من هو صاحب الهاتف؟
أكدت له حدسه وأنا أضحك بهستريا : إنه هاتف ضابط النقطة
قال بلهجة متهكمة مغتاظة : رائع, رائع جدا, أحسنت الاختيار
هاتف ضابط النقطة معك والكلاب تطاردنا , اذا لا أمل لنا في اللجوء الى
الشرطة, فقد نجد عندها محضرا محررا باسمك بسرقة هاتف محمول لضابط شرطة
أهنئك على وصولك لهذا المستوى, لم أتوقع أبدا ذلك التقدم المذهل في الأداء
كانت كلمات ياسر المغتاظة تؤجج ضحكي الهستيري حتى آلمتني عضلات بطني
وانهمرت دموعي بغزارة, وقال هو : الحمد لله, من ينظر الى نصف الكوب
الممتلئ يرى أننا خرجنا من تلك الكارثة بمصباح صغير ينير لنا الطريق
والآن, هل تسمح الآنسة وتتفضل لنكمل الطريق, أم ستقضين باقي الليل ضحكا؟!!
لم أستطع أن أرد عليه, فلا أزال منهمكة في الضحك
قال بتأفف : جميل أن تكوني مستمتعة بما يحدث الى هذه الدرجة
بدأ ضحكي يهدأ, وأعطاني ياسر بعض المناديل الورقية لأجفف بها دموعي وأنفي, ثم قمت لأستأنف الطريق معه
أضاء ياسر المصباح لتصفعني مفاجأة هزتني وعبرت عنها بشهقة فزع : ياسر!! أنت مصاب!!
كان جبينه مجروح جرحا كبيرا وخيط من الدماء يسيل على جانب وجهه
ورغما عني وبحركة لا ارادية امتدت المناديل التي في يدي لتمسح جرحه
لم يكن يتوقع ياسر أن يصدر مني ذلك التصرف, فانتفض بعنف كما لو أن سلكا كهربائيا صعقه, وهتف بعنف : من فضلك
وابتعد وأدار ظهره لي, ووقفت أرتجف من ردة فعله العنيفة وغضبته الهادرة التي أشعرتني أنني ارتكبت جرما شنيعا في حقه
لم أكن أدري كيف أتصرف, ولا ماذا أقول,وكان احساسي بالذنب يتضاعف حتى كدت أنفجر في البكاء
لكن ياسر انتزعني من بين مشاعري المرتبكة المتضاربة وقال بعد أن أخذ نفسا عميقا : علينا أن نسير الآن
تبعته بصمت تام وسرنا لمدة طويلة للغاية بعيدا عن الطريق العام, فمن المؤكد أن هناك من يبحث عنا على الطريق
كان الظلام حالكا لا يخفف منه سوى ضوء الهاتف المحمول والقمر الشاحب
واستطعت أن أتجاوز مشاعري السلبية بسرعة وهدأت نفسي واستقرت تماما
في هذه الليلة الغريبة تأكد لي شعور انتابني من فترة, ولكنني أحاول بكل جهدي انكاره وعدم تصديقه
لكن ذلك الشعور يتأكد بقوة ويتضح جليا كلما تواجد ياسر معي
فكلما التقينا معا يتضح لي أنني بلهاء حقيقية, وساذجة تماما
شعور بغيض بالفعل, لكنه ثبت لي فعليا صحته هذه الليلة, عندما تذكرت فجأة
ذلك الاكتشاف المذهل, فقلت له بسذاجة مطلقة : ياسر, ما رأيك أن تستبدل
شريحة ذلك الهاتف بشريحة هاتفي؟
توقف عن السير فجأة والتفت لي متسائلا : وهل معك هاتف محمول؟
قلت ببراءة : بلى في حقيبتي
ظل صامتا لفترة, ثم بدأ يضحك : لا أصدق, حقا يا لها من ليلة مذهلة!!
كانت ضحكاته تقطر غيظا وهو يقول : ولم لم تخبريني أن هاتفك معك!!
ابتلعت ريقي بتوتر بعد أن أدركت كم أنا بلهاء, ثم قلت بأسف : أنا آسفة حقا, لقد انتهى شحن الهـ...
عاجلني منهيا الموضوع : حسنا, أعطني الهاتف
قام بتبديل الشريحة وهو يقول : أدعو الله ألا ينتهي الشحن قبل أن أجري تلك المكالمة, فقد استهلكنا المصباح لمدة طويلة
ولكن مع الأسف حدث ما كان يخشاه ولم يعمل الجوال ثانية
قال بغيظ : الآن, عدنا الى المربع الأول وعلينا أن نستكمل طريقنا في الظلام
ابتلعت لساني وفي حلقي غصة محرقة : فقد كان الندم يقتلني, وما حدث لياسر بسببي الليلة كارثة
شج رأسه وانكسرت نظارته وضاع هاتفه وتحطمت سيارة صديقه
حقا يا لها من ليلة
.....................................
...............................









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   السبت 8 يناير 2011 - 1:00

عجبا, ان ما كان يمنعني من الاتصال به من البداية هو أنني لم أكن أرغب في سماع كلمات اللوم والعتاب منه
لكن ياسر فاق كل توقعاتي, فلم يوجه لي أية كلمة عتاب أو لوم بعد كل ما حدث له
أخرجني ياسر من حالة الشعور بالذنب والاحباط والضيق التى غمرتني عندما سألني فجأة : أين الكاميرا الخاصة بك؟
شهقت فجأة عندما تذكرت الكاميرا, فقال بتساؤل : ما الذي يمكن أن أستنتجه من تلك الشهقة!!
غمرتني اثارة كبيرة وأنا أقول : أتعلم, لقد تركت الكاميرا هناك, في المخزن, ولو صدقت توقعاتي فسأحصل على موضوع لا مثيل له
قال بصوت مترقب : أين تركتي الكاميرا!!
قلت بانفعال : لقد صعدت على سطح المخزن وثبتها هناك على احدى النوافذ وأخفيتها جيدا
كل ما أتمناه أن تسجل فيلما يستحق المخاطرة
حكيت له الحكاية كلها بالتفاصيل, وعندما انتهيت قال بصوت يحمل الكثير من
الدهشة : اذا فقد تركت الكاميرا وحدها هناك!! لا أفهم, كيف تسمحين لها
بالبقاء وحدها كل هذه المدة وفي مكان خطر كهذا!!
تلك الكاميرا الشقية تسير وحدها في كل مكان, ولا تراعي الوقت ولا الظروف ولا ما يحيط بها من أخطار
قلت بدهشة : ماذا!!
صمت قليلا ثم قال : لو كانت خاصتي لكنت عاقبتها عقابا شديدا
ما كنت لأسمح لها أبدا بالتجوال هكذا في أماكن خطرة دون ضابط ولا رابط, وقضاء الليل بعيدة عني
ان جرأتك تستحق التوقف والتفكير كثيرا
صمت تماما متأملة في كلماته, لقد فهمت بوضوح ما يعنيه, فقلت محاولة الدفاع
عن نفسي : لقد اختارت مهنة صعبة للغاية, اختارت أن تكشف الحقيقة وتقاوم
الشر
كان بإمكانها اختيار طريقا آخر أسهل وأقل في المخاطر, كان بإمكانها أن تصور مناظر طبيعية أو تنخرط في المجال
الرياضي وتتتبع الرياضات المختلفة
أو تصبح محررة فنية لا تكف عن ارتياد المسارح والسينمات وتصوير أخبار الفنانين
قال بصوت يبدو فيه الإحباط واضحا : أيا يكن فهناك حدود عليها ألا تتخطاها, ويجب أن تتعلم ألا تنسى طبيعتها
هتفت بتحفز : طبيعتها!!
قال بعتاب هادئ : بلى, طبيعتها ككاميرا تصور المشاهد وترصد الأحداث, لا مخبر سري
ابتسمت من تعبيراته المنتقاة, لقد وصلت رسالته لي بكل معانيها, بل ولم أجد غضاضة في تقبل انتقاده واعتراضه على جرأتي وتصرفاتي
لا أفهم كيف يستطيع أن يسحبني الى المربع الذي يقف عليه بعقله ورصانته, بل
ويصب في رأسي كل أفكاره وآراؤه التي أقبلها والتي لا أقبلها دون أن أجد في
نفسي أية رغبة في الاعتراض أو النفور من لومه وانتقاداته
ان ياسر يمتلك ذكاء حواري راقي للغاية
سألته : أتعلم, هناك أمر يحيرني للغاية
كيف تتم الجريمة بذلك الشكل الجهري الفاضح إنهم يتصرفون كما لو كانوا وحدهم في العالم
انني حتى لم أتعب في البحث واستقصاء الحقيقة حتى ظهرت لي الجريمة بشكل مكتمل
أهل القرية كلهم يعرفون الحقيقة لكنهم خائفون من البوح بها
كيف يترك المخزن هكذا دون حراسة, كيف يرتع المجرمون هكذا ويمارسون القتل دون احتراز لشيء وبأمان كامل؟!! وأين الشرطة من كل هذا!!
قال بهدوء : هل هذه الأسئلة هي التي ستطرحينها في تحقيقك؟
تنهدت بألم : الأمر مخيف بالفعل, كيف يمكنك العيش وأنت لا تشعر بنسبة من الأمان لنفسك ولممتلكاتك ولمن تحبهم
قال : الأمان هو شيء نسبي يختلف من انسان لإنسان ومن مكان لمكان
أعرف بعض الناس يسكن الأمن والسكينة قلوبهم حتى لو كانت الدنيا خرابا من حولهم, إنه يتعلق بمدى قربهم من الله وقوة الايمان لديهم
قلت بتساؤل : لا أعتقد أن هؤلاء المجرمون يعتمدون على مدى صلتهم بالله وتعلقهم به
قال : فهمت كلماتي بعكس ما أعنيها, فلم أكن أقصدهم
في العادة يمارس المجرم جريمته عندما يتأكد أن لا أحد من البشر يجرؤ على
افساد خطته, لذلك فهو يخطط جيدا ويؤمن تماما مكان الجريمة وما حولها
هتفت بدهشة : اذا فشعوري نحو هذا الضابط صحيحا
قال بهدوء : صحيح بنسبة كبيرة, عليهم أن يؤمنوا ظهورهم من الفضوليين أمثالك
قلت بيأس : اذا فقد كدت أن أصبح جثة مقطعة في عرض مجاني للتوفير!!
قال بصوت ضاحك : لم يكن العرض على جثة واحدة, بل كان العرض هو أمسك بالجثة واحصل على الثانية مجانا
استطاع ياسر أن ينتزع ضحكاتي رغم القلق الشديد والضيق الذي كان يعتريني
عند أول جسر صغير يمر فوق ترعة ألقى ياسر بالهاتف المحمول والسلاح في الماء
سألته بدهشة : أليس التخلي عن السلاح الآن خطر!! نحن لا نعرف ما سنقابله من أخطار
قال ساخرا : أيا يكن ما سنقابله, سيكون أرحم بكثير من ضابط شرطة يلقي القبض على وفي يدي سلاح آلي
قلت ضاحكة : اطمئن, سأشهد لصالحك
قال ساخرا : هذا لو لم يتم اتهامك بأنك عضو في تنظيمي الخاص لتهديد الأمن القومي
تنهد وهو يكمل : أتمنى ألا تلعني اليوم الذي أوقعك القدر فيه بشخص له هويتي
قلت بامتنان كبير : على أن أقضي بقية عمرى شكرا لله أن جعل شخص مثلك يلبي نداء استغاثاتي وينقذني من أصعب موقف واجهته في حياتي
...............
سرنا لساعات طويلة في ظلام المزارع دون أن نفكر لحظة في الخروج الى الطريق العام المضيء
فهو بالنسبة لنا كمصيدة الناموس الذي يبحث عن أي مصدر للضوء, وبمجرد اقترابه منه يفاجأ بصعقة قاتلة
وكلما تعبت كان ياسر يتركني أجلس قليلا لأرتاح ويقف هو بعيدا
ومرة أخرى بدأت أفكر في هذا الرجل الذي أمامي, والمختلف تماما عن أى رجل آخر صادفته في حياتي أو حتى سمعت عنه
فهو لا يكتفي فقط بالوقوف بعيدا واعطاء ظهره لي
بل ويتجنب الخوض معي في أية أحاديث شخصية أو حتى ثرثرة تافهة لا معنى لها لمجرد التسلية
كل جمله القليلة محددة وواضحة ولا يمكن تفسيرها الا بمعناها
لا معاني مستترة ولا نوايا خبيثة الطوية , مما جعلني أشعر بأمان تام وأنا في حضرة رجل يعلو خلقه على خلق النبلاء
مر الوقت على ولم أشعر به, فقد كانت معنوياتي في أفضل حالاتها
أخيرا وصلنا بعد أذان الفجر بنصف ساعة الى زاوية صغيرة مفتوحة للصلاة وصلينا الفجر فيها
أستطيع أن أقسم أن هذا هو أجمل صباح أشرق على منذ مولدي
تلك السماء الصافية ورائحة الخضرة والندى يكسوها
حتى ضباب الصباح يلقي في قلبي شاعرية ورجفة لذيذة
كل شيء حولي يمنحني شعورا بالسعادة يزداد كل دقيقة
وباختفاء الضباب مع إشراقة شمس الصباح الجميلة, كانت كل الألوان تزهو وتتضح وتتلألأ
لون الأشجار الزاهي وبساط الزرع الممتد الى مرمى البصر
حتى البيوت الأسمنتية التي ارتفعت بين الحقول اكتسبت لونا رائعا أضفاه شعوري الرائع بكل شيء
يبدو أن روحي تفتحت لكل شيء في الحياة فانتابني جوع هائل, وكأنني أريد التهام الدنيا بكل ما فيها
قلت لرفيقي الصامت أغلب الوقت : ياسر, أنا جائعة
قال بجدية وهو يحث السير وأنا خلفه أتتبع خطواته : اصبري قليلا, هناك قرية
قريبة حتما سنجد فيها بعض المحلات والدكاكين المفتوحة في تلك الساعة
المبكرة من الصباح
لم نلبث طويلا حتى وصلنا الى قرية صغيرة ولكم كان حظنا حسنا أن وجدنا مطعما للفول والفلافل يبدأ بالعمل
رغم ضيق المحل ومستواه المتواضع لكنني كنت سعيدة للغاية بتلك الطاولة
الصغيرة في أحد الأركان والمحل خالي تماما الا من العمال في تلك الساعة
المبكرة من الصباح
وانشغل ياسر في قراءة جريدة استعارها من أحد العاملين في المطعم, ونظرت
أنا الى طبق الفول المحلى بالزيت الحار والطحينة وطبق الفلافل برائحته
المميزة واندفعت آكل بنهم غير عادي, ثمنظرت الى ياسر الذي لم يرفع عيناه
عن الجريدة ولم يمد يده الى الطعام بعد
كنت أشعر أنني قريبة منه للغاية, ففي العادة يكون اللقاء على الغداء أو العشاء رسميا
لكن الافطار به الكثير من الخصوصية, فهو لا يكون الا للأهل والأصدقاء المقربين فقط
كان الافطار يمثل لي معنى خاص للغاية, فهو وقت تجمع الأسرة عندما كان أبي
بيننا, كنا نخرج كلنا تقريبا في وقت واحد في الصباح, وتختلف مواعيد عودتنا
الى البيت, لذلك كان تجمع الأسرة على الافطار هو العادة التي أحرص على
إبقائها أنا وأمي قدر المستطاع
حتى لو لم يحضره أيمن
لهذا كانت سعادتي غامرة أن ياسر يشاركني شيء مميز وخاص كهذا, حتى لو أهملني تماما واستغرق في قراءة الجريدة
حتى لو لف الكرسي بزاوية الى الجانب لكي لا يواجهني مباشرة
وحتى لو لم نتبادل أى حوار من أى نوع
قلت له بحماس : هل أعد لك شطيرة؟
قال دون أن ينظر لي : أكون لك شاكرا
لم ينسى ياسر أن يسأل صاحب المحل عن أقرب موقف لسيارات الأجرة يقلنا الى
القاهرة, ولم يتركني ياسر الا عند باب البيت ورحل على الفور قبل أن أقول
له أى كلمة شكر أو امتنان
عندما دخلت الى البيت وجدت لجنة الاستقبالات في انتظاري.. يحيى وأيمن وأمي والقلق رابعهم
....................................
................................
بمجرد دخولي انتفض يحيى من مكانه وقال بعصبية : ها هي قد وصلت
تعمدت السير بخطوات بطيئة مستفزة وعلى وجهي رسمت ابتسامة باردة
قال بغضب : هلا تفضلت الأميرة وأخبرتنا أين قضت ليلتها؟
قلت ببطء ونظراتي تتجول في عيونهم : كنت مع ياسر
لكم وددت أن أسجل وقع الصدمة على وجوههم بالكاميرا في تلك اللحظة
قال يحيى : هكذا!! تقولينها بكل بساطة!!
قلت وأنا أهز سلسلة المفاتيح بين أصابعي بلا مبالاة : حسنا, كنت مع ياسر طوال الليل
انتفض أيمن من جلسته قائلا بعصبية : لقد عادت, اذا لم يعد هناك داعي لوجودي
التفت اليه وكلماته تؤلم قلبي وتحز في نفسي وقلت بأسف : صدقت, صدقت حقا,
عفوا سيدي إن كنت أزعجتك وشغلتك عن أعمالك الهامة, لا تزعج نفسك بشأني بعد
الآن, أستطيع الاعتماد على نفسي وعلى الغرباء
زفر بضيق وتركنا الى صومعته دون كلام
أما يحيى فقد هتف بغضب : هلا أوضحت ما الذي يحدث هنا بالضبط؟
قلت ببرود : يمكنك أن تتفحص سجل مكالمات هاتفك ربما تفهم شيئا
قال بعصبية : أجيبي عن سؤالي مباشرة , ماذا تعني أنك كنت مع ياسر طوال الليل؟
ارتفع حاجبي الأيمن وقلت ببرود : لا يحق لأحد استجوابي هنا سوى أمي
هتف : ما تلك اللهجة الغريبة التي تتحدثين بها؟
تقضين الليل بصحبة غريب وتتبجحين في الكلام
قلت ساخرة : هذا الغريب هو زميل لي وكنا في رحلة عمل
هتف باستنكار غاضب : عمل!! أى عمل هذا الذي يجعل فتاة محترمة تقضي الليل بصحبة شاب غريب عنها
صمت تماما متأملة في كلماته, لأول مرة يظهر لي وجه آخر ليحيى, وجه صادم بحق, ما كنت أنتظر منه هو على وجه الخصوص هذا الكلام
قلت ببرود : ان لم تكن لديك بعض الثقة بي وبأخلاقي, فمؤكد أنك أكثر من يعلم أن ياسر فوق مستوى الشبهات
ألم يكن رأيك فيه أنه متزمت ومنغلق ومتشدد!
أتعلم ما يدهشني حقا, أن الشاب ذو العقلية المنغلقة لم أسمع منه كلمة واحدة من كلامك هذا
والآن أسمعه من خالي, المتفتح المثقف ربيب أكبر الجامعات الأوروبية
التفت الى أمي وقال غاضبا : أيعجبك ما يحدث هنا؟ لم أنت صامتة ؟
لم لا تسألينها أين كانت حتى الآن؟
كنت أرى في عيني أمي نظرة مؤلمة لم أستطع أن أتحملها فهتفت باندفاع : السؤال الحق هو أين كان أخي العزيز وأنا أتصل به أكثر من 30 مرة
وأخاك الطبيب المحترم, لم أغلق هاتفه بمجرد أن رأى رقمي على شاشته؟
هتف مدافعا عن نفسه : هذا لم يحدث, وكفي عن اختلاق تبريرات تغطي بها على تصرفاتك الخاطئة
قلت بسخرية مريرة : ألتمس لك العذر, لو كنت مكانك لفعلت مثلك وأغلقت هاتفي
لأتخلص من ازعاج ابنة أختي التي تتدخل في أوقات غير مناسبة اطلاقا, خاصة
لو كانت معي فتاة جميلة كيسرا
هتف بغضب : كذب, الهاتف لم يكن مغلقا, ولم أتلق منك أية مكالمات أو رنات, حتى لم ألتقي يسرا أمس
رن جرس الباب وأنا أنظر في عيني يحيى
أعادني يحيى الى الماضي عندما كان يخطئ ويحاصره والدي فيختلق الأكاذيب للهروب من الموقف
لكنه لم يكن ماهرا في حبك أكاذيبه
وكنت دائما ما أغطي على كذبه وأدافع عنه أمام أبي
فتحت الشغالة الباب ليدخل فجأة الفارس السمج الذي تفاجأ تماما لوجودي فقال بارتباك : مرحبا آنسة أميرة
أدركت أنه كان رفيق يحيى في رحلة البحث عن ابنة أخته المفقودة ولمعت عيناي
بالاثارة وأنا أعاجله بقولي : مرحبا د. وسام, صباح سعيد أن رأيتك هنا اليوم
شجعه أسلوبي المرح أن يقول : حمدا لله على سلامتك يا آنسة أميرة, كنا قلقين عليك للغاية
قلت بأسف تمثيلي : أنا في غاية الأسف أن أزعجتكم وأزعجت العزيزة يسرا وأفسدت الحفل بالأمس
قال بتهذيب : هي أيضا قلقت عليك كثيرا, الحفل يعوض, لا شيء أهم من سلامتك
التفت الى يحيى وألقيت اليه بنظراتي السامة, ووجدت عرق الارتباك يتصبب من
وجهه, وبلا كلمة خرج مسرعا من البيت, وتحير د.وسام من الموقف, وتساءل :
أهناك ما يسوء
قلت ببساطة : يمكنك أن تسأل صديقك الدكتور
قلت له قبل أن يرحل : د. وسام, شكرا لجهدك وللوقت الذي أضعته
قال بابتسامة كبيرة : يسعدني دائما أن أكون في خدمتك
قلت : دماثة خلقك تجعلني أطمع في أن أطلب منك خدمة أخرى
قال بتهذيب : بل إن ذلك ليسعدني للغاية
قلت مباشرة : لقد كنت أقوم بعمل تحقيق صحفي في الريف أنا وأحد الزملاء, وخرج علينا مجموعة من قاطعي الطريق وأصابوا السيارة بضرر بالغ
قال باهتمام حقيقي : يا الهي, الحمد لله أن خرجت سالمة, إنها حقا مهنة المتاعب
قلت : الحمد لله , مرت على خير
فقط أطلب منك أن ترسل من يسحب السيارة الى القاهرة في أسرع وقت, أخشى أن يسرقها أحد في ذلك المكان النائي
قال باسما : اطمئني, سأفعل
رحل د.وسام بعد أن أعطيته أوصاف سيارة صديق ياسر, وانسحبت أمي بهدوء الى غرفتها دون أن تنظر إلي
كان غضبها الصامت هو أشد عقاب يمكن أن توقعه بي, لم يكن باستطاعتي تحمل
ألمها ولا غضبها فتبعتها مسرعة ودخلت الى غرفتها, ولكنها أشاحت بوجهها عني
وأدركت مدى غضبها وألمها مما يحدث
فقلت بسرعة : أمي, عودتني دائما أن تستمعي الى قبل أن تصدري عقابك
قالت بضيق : ما كنت أعتقد أبدا أن الحرية التي منحناها لك يمكن أن تستغل بتلك الطريقة
قلت : أستطيع بسهولة اختلاق أكثر من 20 كذبة مقنعة تهدئ من روعكم وتخرجني من تحت وطأة غضبك
ولكنني لن أفعل, أتدرين لم؟ لأنه ليس هناك ما أخجل منه أو أضطر لإخفائه
قالت بعد تفكير : حسنا, وما هي القصة؟؟
قلت والأسى يعتصر كلماتي : القصة هي أنني كنت في رحلة عمل وكان من الممكن
أن أكون في البيت قبل العاشرة مساءا فقط لو أن يحيى أو أيمن فتح هاتفه
واستمع الى
قالت : وما دخل ياسر بالأمر؟
قلت بألم : لقد خذلني الجميع الا هو, كان الوحيد الذي استجاب لاستغاثاتي
عندما تأزمت الأمور وانتهى شحن جوالي من كثرة المكالمات التي أجريتها
لأيمن ويحيى
وبعد أن فقدت أى أمل في أن ينقذني أحد وجدت نفسي أتصل به
لم أكن أريد ذلك, صدقيني, برغم يقيني التام أنه لن يتأخر عن مساعدتي, وهذا بالفعل ما حدث
لقد كنت في خطر حقيقي, لأول مرة أشعر بكل هذا الخوف
قالت بضيق شديد : منذ أن ظهر ذلك المدعو ياسر في حياتك وأنت فقدت تماما السيطرة على عقلك وتصرفاتك
هتفت بانفعال : صدقيني يا أمي, أنا لا أتعمد ذلك, ولكن القدر يجمعنا دائما على غير موعد أو اتفاق
ربما في البداية سعيت بجد لأكسب صداقته, لكنه يرفض ذلك الأسلوب
إن له مبادئ وقيم لا يتجاوزها ولا يتحايل عليها أبدا
يتمسك بمبادئه حتى لو قضى في سبيلها
وهذا هو ما جعلني أحبه
التفتت الى بحدة وعقدت الصدمة لسانها
هتفت بألم : بلى يا أمي هذه هي الحقيقة , لا يمكنني الكذب أو إخفاء مشاعري
أحبه رغم تحفظه معي, ورغم أنني لا أدري حقا إن كان يبادلني مشاعري أم لا
كانت صامتة تماما وأثر الصدمة على وجهها, كانت تحاول أن تبحث عن كلمات مناسبة ترد بها على مشاعري المنسكبة أمامها
قلت محاولة التخفيف من وقع الصدمة عليها : صدقيني يا أمي, لن أجد أفضل منه زوجا لي, إنه نبيل للغاية, رجل حقيقي
كل ما أتمناه هو أن يبادلني نفس مشاعري ويقبل بي زوجة له
قالت بعد تفكير عميق : حتى لو كنت تحبينه كما تقولين, الحب وحده لا يمكن أن يعالج كل المشكلات ويتخطى الحواجز
ان بينكما حواجز وأسوار وبوابات مغلقة تزداد صعوبة يوما بعد يوم
طغى على الانفعال وأنا أهتف : كلا يا أمي, أرفض كل هذا, أرفض أى حواجز بيني وبينه, لا يمكن أن أبتعد عنه لأى سبب
أنت لا تدركين كيف أشعر عندما يغيب يوما عن العمل, لم يعد بإمكاني تخيل أن يمضي يوم لا أراه فيه ولا أتحدث اليه
إنه حب عميق يا أمي نما بعد تفكير طويل واقتناع تام بشخصيته الرائعة وخلقه العالي
فقط لو كنت متأكدة أنه يحبني كما أحبه..
هتفت بغضب : كفي عن الغرق في عالم الأحلام وعيشي على الأرض
أنت صحفية, وتدركين تماما أن عمله في الجريدة لن يستمر طويلا
إن ما يفرق بينكما أكبر بكثير مما تستطيعانه
صرخت بألم وقد بلغ الانفعال منى مبلغه : كلا, هذا مستحيل, لا يمكنني مجرد التفكير في هذا الاحتمال
فكرة ابتعاده عني لا يمكن أن يتقبلها عقلي ولا قلبي
تركتني وغادرت الغرفة غاضبة, وأخذت أحاول أن ألملم مشاعري المبعثرة و استعادة قدرتي على ترتيب أفكاري
لم تقتنع أمي أبدا بمشاعري, وأدركت لحظتها أنني بدأت معركة جديدة
قد تكون أكبر معركة في حياتي
...............................
....................................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   السبت 8 يناير 2011 - 1:02

استيقظت من نومي على مكالمة من ياسر ليلقي الى بمفاجأة جديدة من مفاجآته العديدة
طلب مني أن ألتقيه على الفور, فذهبت اليه على عجل, وفوجئت أنه اختار مكان اللقاء بجوار مكتب النائب العام
ثم ألقى الى بالمفاجأة الثانية وطلب منى أن أتقدم ببلاغ للنائب العام بكل المعلومات التى جمعتها عن المستشفى الخاص وعلاقته بالمخزن
وعندما وجدني مندهشة من تصرفاته أخرج لي المفاجأة الثالثة, انها الكاميرا..
هتفت بذهول : هل ذهبت الى هناك ثانية؟!!
أجاب بطريقته العملية التى لا تدع لي أية فرصة للتفكير والاستيعاب : لا وقت الآن لمناقشة أى شيء, يجب أن تتقدمي بالبلاغ الآن
هتفت معترضة : ولكن لأى شيء والام سأسـ..؟
قاطعني مباشرة : ستقدمين اليه الفيلم الذي صورته الكاميرا
صرخت بحماس : هل التقطت الكاميرا شيء
قال : أكثر مما توقعت
هتفت باعتراض : ولكن..
التفت الى وقال بلهجة آمرة وبصوت تخلل خلاياي واشتعل في قلبي : اسمعيني
جيدا, الأمر خطير بالفعل, أنت الآن معروفة لديهم, ومن السهل الوصول اليك
الشيء الوحيد الذي يمكن أن يضعك في منطقة الأمان هو كشف القضية كلها وفي أسرع وقت
هذه المرة يجب أن تنشري الموضوع
أفهمت؟
يجب أن تنشريه مهما حدث, أرجوك لا تخذليني هذه المرة
دخلت الى مكتب النائب العام كالمنومة مغناطيسيا
كنت تحت تأثير شخصية ياسر وكلماته القوية
ألقيت بعقلي جانبا ونفذت كل ما قاله لي بالحرف, حتى أننى عجزت عن الاعتراض عندما رفض الدخول معي
خرجت من مكتب النائب العام وكما توقعت لم أجد ياسر
لقد رحل..
بل اختفى تماما, لم يأتي الى الجريدة مما جعل الغيظ يشتعل في قلبي
ولم أعرف الى أين ذهب الا بعد يومين
عندما تابعت على شاشة التلفاز تلك المغامرة الخطرة التى يخوضها قاربان صغيران يتجهان نحو شواطئ غزة
سفينتي غزة الحرة, وحرية
كان من الغريب حقا اطلاق لفظ سفينة على حجمهما الصغير
كانت مغامرة جريئة لها ألف معنى, فهم لم يأتوا كل هذا الطريق فقط ليقدموا ما معهم من معونات
فحجم السفينتين صغير, لا يحملان سوى النذر اليسير
انما الهدف أقوى وأعمق, لقد قطعوا تلك المسافة الطويلة من شواطئ اليونان الى شاطئ غزة مباشرة ليحطموا أسطورة الحصار
بل هو طعنة في قلب الأسطورة الاسرائيلية المرعبة, وتهديد للنفوذ الصهيوني على الرأى العام العالمي باعتبارها دولة تفعل ما تريد
عجبا. هل هذا هو عصر كل يفعل ما يريد!!!
مدير المستشفى هو أيضا يفعل ما يريد,
تلك الرحلة المذهلة هزت مشاعر العالم والعيون كلها متعلقة بالتلفاز تراقب المغامرون على متن السفينتين والأخطار التى يتعرضوا لها
كانت التهديدات الاسرائيلية مستمرة طوال الرحلة بضرب السفينتين
ومن قبل الرحلة تلقى كل المشاركين اتصالات تهديد هم وأهلهم الهدف منها تخويفهم وإثنائهم عن تلك الرحلة
لكن لأول مرة يظهر للعالم أن هناك من لا يخشى الجبروت الاسرائيلي
كانت صورة رائعة للشجاعة والتحدى أمام التهديدات الاسرائيلية الصريحة
مجموعة من البشر من مختلف الجنسيات, أغلبهم لا تربطهم علاقة بأهل غزة, لكنهم من منظمات انسانية وحقوقية
كنا نراقب ما يحدث على السفينتين وكيف تعرض كل من عليها لدوار البحر والإعياء
ثم انقطع الاتصال بالسفينتين
كان هناك تشويش على جميع أجهزة الاتصالات من انترنت وهواتف محمولة وأجهزة ملاحة
لكن القنوات الفضائية أخذت تكرر الأفلام التي التقطت للسفينتين بصورة
مستمرة في جميع نشرات الأخبار في انتظار أية أخبار جديدة تصلهم من
السفينتين
لوقت طويل تخيلت نفسي معهم على سطح السفينة, وتمثلت خوفهم وتوحدت مشاعري معهم
كيف يكون الانسان منقطعا عن العالم فوقه السماء وتحته البحر فوق قطعة من
المعدن, ولا شيء حوله ولا هاتف معه ولا يدري من أين يأتيه الخطر
وقد يفاجئ بصاروخ ضل طريقه يسقط فوق رأسه, أو طوربيد تائه أمامه
في رحلة كتلك, كل شيء محتمل الحدوث, والخطر هو أقرب للتصور من الأمن
لقد تم التشويش على أجهزة الملاحة والانترنت وقطع الاتصالات عن القمر الصناعي
والفاعل معروف بالفعل
تلك الرحلة الانسانية الرائعة التي هزت العالم لا تخلو من جانب مرعب شديد
الفزع, فعند اقتراب القاربين من شواطئ غزة, التفت الزوارق الحربية
الاسرائيلية حولهما
كانت محاولات لإرهاب كل من على السفينتين وتهديد صريح بعدم الاقتراب ورسالة واضحة أن عودوا من حيث أتيتم
وراقبت بقلب مرتجف تلك اللحظات العصيبة لرجال ونساء لا أعرفهم ولم أرهم من قبل
لكن من الصعب للغاية على أى قلب حي أن يتخيل موتهم بتلك الطريقة البشعة وعلى بعد خطوات من تحقق أملهم
ففي لحظة قد يهز العالم نبأ غرق السفينتين بطوربيد اسرائيلي
لكن اسرائيل لم تفعل, هكذا دأبهم, الاستخفاء والاغتيالات بعيدا عن أنظار العالم, لكن المواجهة لا

كان التهديد مخيف بالفعل, ولا أمل لهم في المرور, الحل الوحيد هو الالتفاف
والعودة من حيث أتوا, لكن هؤلاء البشر الذين قطعوا كل تلك المسافة ليصلوا
الى شواطئ غزة لم يستكينوا لخوف, ولم يتراجعوا, بل أثبتوا أنهم نوعية
بشرية جديدة لا تعترف بمفاوضات ولا تخضع لتهديد
أصيبت احدى السفينتين اصابة طفيفة
وصار التهديد أقوى وأقرب
ومن جديد شطح خيالي خلف أملي البعيد
أعلم أنه هناك الآن, ربما لا يزال يقف على البوابة, أو ربما دخل بشكل عادي.. أو غير عادي
لكنه هناك الآن.. أنا متأكدة
أكاد أراه بين جموع المرابطين على الشاطئ في انتظار وصول السفينتين
ربما يكون في احدى قوارب الصيد الفلسطينية التى امتلأت بأعداد كبيرة وخرجت
في البحر لتستقبل السفينتين استقبال حافل بالأعلام الفلسطينية وأعلام
الدول التي قدم منها هؤلاء المغامرون
أراه في وجوه الفرح العارم والسعادة الغامرة بنجاة السفينتين من كارثة
محققة بعد أن تركتهم الزوارق الحربية يمرون أخيرا لتلتحم السفينتان بمئتي
قارب من قوارب الصيد الصغيرة محملة بالفرح العارم والترحاب الكبير
والتفت قوارب الصيد الصغيرة حول السفينتين كما لو كانت تحتضنهما
نجح أخيرا كسر الحصار, وأصبحت تلك البقعة الصغيرة محط أنظار العالم
وعلى شاطئ غزة تفجر الفرح عارما وارتفعت الرايات والأعلام, وعلت الزغاريد والتكبيرات والتهليلات والأناشيد
خرجت غزة كلها تستقبل أحرار العالم الذين انتصروا على الخوف والتهديد بأعلام دولهم التي أتوا منها ممتزجة بأعلام فلسطين
تأملت في شاشة التلفاز الوجوه الفرحة المحتشدة للترحيب بالمغامرين المتضامنين وفي داخلي يقين بأنني سأرى ياسر هناك
لكنني لم أره
في تلك اللحظة وصلتني مكالمة من أستاذ حمدي يدعوني فيها لرحلة سريعة الى غزة غدا
كان صوته يحمل مشاعر شتى, فرح, شجن, حماس..
وافقت على الفور
وفي اليوم التالي عندما وصلت الى مكان التجمع للمشاركين في الرحلة, وجدت حافلتين فقط, انها رحلة سريعة بالفعل
ووجدت ابتسام وعمر ود. عبد الفتاح, الكل مستعد ومتحمس لأقصى درجة
أدركت أن هناك من يجلس منتظرا, مترقبا فقط أن يفتح الباب ولو لدقائق فيلج في لحظة خاطفة محققا أملا طال انتظاره
هناك من يفضل رحلة كتلك على عمله وبيته ومصالحه الشخصية, وقد يتحمل في سبيلها المشاق والخطر
ملأني الشعور بالفخر بأنني بين هؤلاء البشر
بالفعل لسنا أقل من من قدموا من أطراف العالم متحملين المشاق والأخطار تضامنا وتأييدا لغزة
شعور قد يدفع الانسان حياته برضا من أجل أن يصل اليه
سارت الرحلة محملة بالآمال الكبيرة للوصول الى غزة
وقد نلتقي هناك المتضامنين الذين أتوا لكسر الحصار,فتكون الفرحة أفراح وعندها أستطيع أن أحصل منهم على مجموعة من الأحاديث الصحفية
لكن الأمل قتل عند كوبري السلام
ووئدت الفرحة في قلوب الجميع وتحولت الى قهر مؤلم
فقد عجزنا عن دخول سيناء بأية وسيلة
وعادت القافلة الصغيرة أدراجها محملة بحطام الأمل وأشلاء الفرح
لكن هذه المرة لم نعد الى بيوتنا, بل عدنا الى النقابة لنتدارس الموقف ونتفق على ما سنفعله
لقد تم منعنا من دخول جزء من بلدنا, وصددنا عنوة عن احدى محافظاتنا,وعلينا ايصال صوتنا لكل الناس في الداخل والخارج
لا يمكن أن نقبل أبدا أن يتم كسر الحصار عن طريق البحر ومن بشر قادمين من أقاصي الأرض
ونحن لا يفصلنا عن غزة سوى أمتار ونعجز عن كسر الحصار
..............................
..........................
طالت غيبة ياسر, وانتابني غضب شديد, فلقد سيطرت على فكرة وحيدة وهي كيف له
ألا يخبرني بأنه ذاهب الى هناك؟ بل كيف لم يهتم حتى أن يدعوني للذهاب معه
الى هناك وهو يعلم جيدا أهمية تلك الرحلة بالنسبة لي؟
وكأن من حقي أن أذهب معه, و أنه أخطأ خطأ فادحا لأنه لم يخبرني بأنه سيذهب الى هناك
قضيت الأيام أتخيل ماذا سأقول له, وكيف سألومه على ما فعله عندما أراه
لكن شيء من هذا لم يحدث, لقد نجح ياسر أن يحطم غضبي ويزيله تماما بأسلوبه الخاص
لقد فوجئت تماما عندما دخل علينا المكتب وفي يده كعكة فاخرة وسبقت تهنئته الأنيقة لي غضبي
لقد هنأني بلباقة شديدة وبفخر حقيقي على تحقيقي الصحفي عن تجارة الأعضاء
الذي هز البلد من شرقها الى غربها, وكان سببا في كشف عصابة كبيرة للإتجار
بالأعضاء البشرية وتقديم أفرادها للمحاكمة
انعقد لساني أمامه وعجزت عن الرد
ما كنت أتوقع أن يقوم ياسر بالإتفاق مع الأستاذ فؤاد لإقامة حفل لي في المكتب
بالفعل كانت مفاجأة قوية هزتني من الداخل, وأقوى ما فيها أنها كانت خطوة جريئة من ياسر لم أتوقع أبدا أن تصدر منه
لقد استطعت أخيرا أن أنتزع اعجاب ياسر بتحقيق قوي لي, وكان هذا بالنسبة لي هو أكبر تقدير حصلت عليه
بعد الاحتفال, عاد كل الى عمله, وأخذت أنظر نحو ياسر بتردد محاولة استجماع شجاعتي لأتحدث اليه
أعلم أنه سيرفض, بالتأكيد سيرفض, لكن لا مفر من أن أعرض عليه الأمر
جلست أمام مكتبه, فاتسعت ابتسامته وعينه في الأوراق التي أمامه
وضعت أمامه هاتف محمول حديث كان مستقرا في حقيبتي منذ اليوم الذي اشتريته فيه في انتظار أن تأتيني الشجاعة الكافية لأقدمه اليه
نظر الى الهاتف, وعلى عكس ما كنت أتوقع لم يتجهم وجهه, بل ابتسم وقال بهدوء : ما هذا!!
قلت بتوتر : اشتريته من فترة وكنت أود أن..
لم أجد كلمات مناسبة أكمل بها الجملة, فقد كنت أتحرز لضيقه وغضبه, ولكنه
لم يغضب, بل اتسعت ابتسامته وقال بهدوء : ألا يكفي أن تحملت التكاليف
الباهظة لإصلاح السيارة رغم عدم رضاي عن هذا التصرف؟!!
قلت بقلق : لقد تسببت في كل تلك الخسائر وعلى أن أصلح ما أفسدته
قال : حسنا. لن أناقش ذلك رغم ضيقي به, والآن!! هاتف محمول حديث!!!
قلت بسرعة : أرجوك أن تقبله, يكفي كل ما فعلته لأجلي, لقد كدت تفقد حياتك بسببي
قال بلهجة هادئة : أولا لم يكن ما حدث بسببك, فدعي عنك الشعور بالذنب,
لأنه لو تكرر ذلك عشرات المرات لفعلت ما فعلته تماما عن طيب خاطر
ثانيا لن أستطيع قبول تلك الهدية الغالية, أنا آسف, فهذا لا يتفق مع مبادئي وأفكاري
زفرت بإحباط وهززت رأسي بأسف : أعلم, أعلم أنك لن تقبلها أبدا, لكن ذلك يؤلمني حقا
صدقني لا أستطيع أن أتحمل ذلك الشعور بالذنب
لقد تسببت في جرحك وفقد هاتفك وكسر نظارتك, فقط أحاول أن ..
قاطعني باسما : الأمر أبسط مما تعتقدين, حياتي لم تكن يوما رفاهية سعيدة,
إن ما حدث لا يعد شيئا أمام ما نراه في حياتنا كل يوم, فلا تستسلمي
للإحساس بالذنب
قلت بضيق : اذا, فلن تقبله؟
قال باسما : بالتأكيد كلا
قلت بألم : لا أدري ما الذي يمكن أن أفعله لأشكر لك صنيعك لأجلي؟
قال باسما : لا تتعجلي, ربما كنت أطمع في شيء آخر أغلى بكثير من مجرد هاتف محمول
أصابتني جملته الأخيرة في الصميم, وكدت أترك العنان لمشاعري وأحلامي
لكن ما ألجمني هو خوفي من أن أكون قد فهمت جملته على غير ما يعنيه
لم أعد أستطيع أن أقرأ ما في عقله من خلال عيناه كما في السابق
أو بمعنى آخر, أخاف أن أقرأ ما يفكر فيه وأخطئ التفسير وقد أسقط من برج أحلامي التي تعلو فوق السحاب
وعندها لن أستطيع أبدا أن ألملم شظايا قلبي
المشكلة أن ياسر لم يصرح بشيء, مجرد كلمات تحتمل آلاف المعاني لا أستطيع أن أضع عليها آمالا
ومرت الأيام وأنا في حالة من الترقب والانتظار
أحتاج لإشارة, لكلمة, لأى شيء
لكن ما حدث كان عكس ما توقعته وتمنيته وما كنت أنتظره
لقد تغيرت معاملته لي تماما, وبعد أن كنت أظن أننا نحرز تقدما نحو التقارب
وجدت أننا قد عدنا الى ما خلف نقطة البداية
أصبح ياسر يتجاهلني تماما ويبتعد بشكل ملحوظ عن أية مناقشة أو حوار يمكن أن يجمعنا
لم يكن هذا وهما في عقلي, بل ان أستاذ فؤاد نفسه لاحظ ذلك وسألني بيني
وبينه إن كان صدر مني شيء دفع ياسر الى ذلك التغير الغريب؟ لكنني أكدت له
أنني لم أتصرف أى تصرف يوغر صدره ضدي
بدأت أشعر بتخبط شديد بداخلي وفراغ هائل, وكلما مر يوم علي وهو يعاملني
بجفاء قاتل, أجد نفسي أتألم بعمق ولا أجد سوى وسادتي كل ليلة أسمح لها
برؤية دموعي وألمي
وكم قضيت أوقاتا طويلة أتحدث الى سترته السوداء المعلقة على خزانتي
وألومها وأسألها عن سبب تغيره الغريب وما الذي فعلته لينقلب على بهذه
الطريقة
وأهملت اللجنة تماما ولم أعد أذهب الى الاجتماعات ولا الندوات ولا ألبي الدعوات التى تصلني
فقد انحصر نشاط اللجنة على المظاهرات والاعتراضات فقط, وهذا هو أسوأ ما في الأمر
وتجنبت كل المكالمات الهاتفية التي تأتيني من ابتسام وأستاذ حمدي ود. عبد الفتاح وأخذت أتذرع بحجج شتى بعيدة عن الواقع للهروب منهم
ولاحظت أمي تغيري وكآبتي وحاولت أن تعرف مني أى شيء ولم تفلح, واستعانت بيحيى صديقي الوحيد لينصحني أو حتى يعرف ما بي
وكانت المرة الأولى التي أراه يأتي خصيصا عند مضمار الخيل دون أن أستدعيه
لكن الغريب أن رؤيته لم تثر بداخلي تلك المشاعر الأخوية الجياشة التى تغمرني كلما رأيته
هذه المرة سلمت عليه ببرود, وتمنيت أن ينتهي اللقاء سريعا ليعود من حيث أتى
وشعر هو بمدى انغلاقي وابتعادي عنه فرحل دون أن يعرف ما جاء ليعرفه, لقد أدرك أخيرا كم اتسعت الفجوة التي بيني وبينه
عجبا, ما أغرب تقلبات الانسان!!
ذلك الصديق العزيز الذي كانت مجرد رؤيته تثير في قلبي الشوق والفرح
لم يعد بامكاني البوح له بما في قلبي, ولا بالألم الذي يزداد داخلي يوما بعد يوم
لقد أدار ياسر ظهره لي وأصبح واضحا أنه يتعمد الابتعاد عن المكتب لأطول فترة ممكنة
والآن على التصرف, يجب أن أفعل شيء, يجب أن أتحدث اليه
لكن في المكتب لا أستطيع فقد يعرض عنى أو يحرجني أمام كمال وشيرين وأستاذ فؤاد وهذا ما لن أتحمله أبدا
لقد أصبح ياسر شخصا آخر منغلقا وضائقا بكل شيء, وفارقته الابتسامة البشوشة التي كانت تزين وجهه دائما
كان يبدو كما لو كان يمر بمحنة أو ظرف مؤلم أو بضغوط شديدة الوطأة
لذلك كان اصراري للتحدث اليه ومعرفة ما به يزداد يوما بعد يوم
فقد رأيت أن من واجبي أن أطمئن عليه وأهتم لآلامه, ان لم يكن للتقدير
الكبير الذي أحمله له في قلبي, فعلى الأقل بصفته زميل وصديق وانسان ساندني
في مواقف كثيرة
واعتقدت أن الفرصة أتت عندما أخبرتني ابتسام أن اللجنة اتفقت على تسيير قافلة جديدة الى غزة
وقررت أن أقنعه بالذهاب معنا هذه المرة
وأخيرا جرؤت على الاقتراب منه والجلوس أمامه, لكن الضيق الذي كسا ملامحه جعلني أتردد قليلا
قال بأسلوب جاف : أهناك شيء؟
تجاوزت ذلك الأسلوب الخشن الذي لم أعتده منه وقلت مباشرة : بلى, هناك قافلة ستخرج بعد غد الى غزة
قال باقتضاب : وفقكم الله
قلت بسرعة : يجب أن تأتي معنا
قال بحدة : كلا
فاجأتني مباشرته الحادة, لكنني قلت برجاء : ياسر, أرجوك, هذه المرة يجب أن
تأتي معنا, عمر سيسره ذلك كثيرا, وأستاذ حمدي وأعضاء اللجنة
قال بضيق : تعلمين أن مشاركتي في اللجنة هي من الأمور المستحيلة
قلت بانفعال : كيف تقول هذا!!الكل هناك يعرفك وينتظرون منك تلك الخطوة, لن أقوم من مكاني حتى توافق
قال بحدة : الموضوع منته, لن أذهب
اشتعل غضبي وهتفت بصوت سمعه كل من في المكتب : بل ستأتي, حتى لو رغما عنك, لقد كنت هناك أكثر من مرة
لأول مرة ينظر الى, لكن نظراته كانت مخيفة, وشعرت بعضلاتي ترتجف من
التوتر, وقال بلهجة جمدت دمائي : حذرتك من قبل أن تلزمي حدودك ولا تصرخي
في وجهي, واعلمي أن ذهابي أو عدمه هو شيء خاص بي ولا دخل لك ولا لأى مخلوق
فيما أفعله, أفهمت؟
لم أستطع أن أنطق, لقد جف حلقي تماما والتصق لساني في موضعه
لكنني انتفضت من أمامه وأخذت حقيبتي وغادرت المكان بخطوات تدك الأرض غضبا دون أن ألتفت لأستاذ فؤاد الذي أخذ يناديني
كان على الهروب بأسرع ما أستطيعه والاختفاء في مكان أستطيع فيه أن أترك دموعي تغسل غضبي وألمي واحباطي بعيدا عن أى عين
لقد سحق ياسر فؤادي, والمشكلة أنني لا أفهم ما الذي فعلته ولا أعرف سبب تغيره نحوي
كانت ذكرياتي معه تتداعى الى رأسي وأنا أسكب دموعي ونحيبي في وسادتي
كنت أحاسب نفسي كل دقيقة ما الذي فعلته ليتغير نحوى بهذه الطريقة؟!!
وكانت أمي تدق الباب على كل فترة لتطمئن, وأنا لا أستطيع أن أفتح لها وأنا على تلك الحالة المزرية
هدأت دموعي أخيرا وغسلت وجهي جيدا وفتحت لها الباب, وأخذت تلح على بقوة لتعرف ما بي, ولكنها لم تصل معي لشيء
وأنا أحاول قدر جهدي أن أطمئنها بأنني قوية وراشدة وسأتجاوز أى أزمة تمر بي
لم أستطع أن أطمئن قلقها, لكنها استسلمت أخيرا لرغبتي في ادارة شئوني بنفسي ومواجهة أزماتي دون عون خارجي
....................................

يتبع










الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   السبت 8 يناير 2011 - 1:03

جاء اليوم الذي ستخرج فيه القافلة وتجمعنا عند النقابة بإصرار هائل
لابد أن ننجح هذه المرة بعد كل تلك المحاولات الفاشلة
لابد أن نصل الى هناك فالرحلة هذه المرة أكثر تنظيما والتنسيق مع أكثر من جمعية ونقابة وهيئة أهلية وفي أكثر من محافظة
ستخرج حافلات من المنصورة وبورسعيد في نفس التوقيت
الضغوط الشعبية يجب أن يستجاب لها في نهاية المطاف
ولكن يبدو أن الضغط الشعبي مؤثر وله صدى في كل بلدان العالم الا هنا
لقد فوجئنا بحضور كبير للأمن حول النقابة, ولم يمر وقت طويل حتى تم تطويق الحافلات بأعداد غفيرة من الجنود
كانت صدمة كبيرة لكل من في الرحلة
لم يتركوا لنا هذه المرة حتى مجرد المحاولة والتى سيتم وئدها كما في يقين
الجميع عند كوبري السلام أو بعده بأمتار قليلة, كما يحدث دائما
لكن هذه المرة لم تتحرك الحافلات من مكانها
واشتعل الغضب عارما في نفوس الشباب
واعتصموا في المكان حول الحافلات وافترش الشباب والبنات وأنا معهم الأرض
وعلمنا عن طريق الهواتف المحمولة أن الحافلات في المنصورة وبورسعيد لم يكن حظها بأفضل منا
فقد تم ايقافها من قبل الخروج من المحافظة ومنعها من السير
وكما فعلنا, فعلوا
وتحولت الرحلة الى مظاهرات واعتصامات في الشوارع
وتم تطويق المنطقة لكيلا ينضم الناس الى أفراد القافلة المعتصمين
وبعد قليل تم طلب الأستاذ حمدي بالاسم من قبل الأمن
واستفقنا فجأة على مفاجأة لم نكن نتوقعها
فقد اختفى الأستاذ حمدي من المكان, بل اختفت مجموعة من الشخصيات بعينها
اتجهت أنا وابتسام الى عمر الجالس بين الشباب وانتحينا به جانبا
وعندما تحدثت اليه صدق ظني, فعمر متيقن أن أستاذ حمدي وبعض الأفراد في
القافلة قرروا الذهاب الى غزة فرادى في محاولة مستميتة للوصول الى هناك
اتفقت أنا وابتسام وعمر على الانسحاب من المكان دون لفت الانتباه والالتقاء في مكان آخر بعيد عن الحصار الأمني
وبالفعل اتجهت الى سيارتي ورحلت بها في هدوء وذهبت الى ابتسام وعمر الذين كانا ينتظراني بعيدا عن النقابة
واصطحبتهما في رحلة طويلة نحو الأمل المنشود
وفي سيناء استطاع عمر الذي كان يجلس في المقعد الخلفي وابتسام تجلس بجواري
أن يرشدني الى طرق أخرى في الصحراء خلاف الطرق الرئيسية التقليدية
المملوءة بنقاط التفتيش والأمن
وعندما سألته بدهشة كيف استطاع أن يعرف تلك الطرق الغريبة؟ أجابني بآخر ما
كنت أتوقعه, فقد رافق ياسر يوما في رحلة كتلك واستطاعا معا الوصول الى رفح
عبر طرق ملتوية وملتفة تضرب في عمق الصحراء
ياسر! ياسر! ياسر!!!
صمت تماما غارقة في أفكاري, كلما ظننت أنه أبعد ما يكون عني, أفاجأ بأنه قريب للغاية
وها أنا أسير على خطاه وفي نفس الطريق الذي قطعه من قبل
ولكن...
لقد اجتمعت أنا وهو في رحلة كهذه وقطعنا الطريق الرئيسي لمدة طويلة, وتعطلنا ساعات كثيرة عند نقاط التفتيش, وكان هو ضائقا للغاية
فلم لم يتجه لتلك الطرق الأخرى التى يعرفها جيدا ليتقي نقاط التفتيش؟
حاولت أن أتوصل كيف يفكر هذا الانسان
فهو اما أنه كان يظن أن الطرق يومها فتحت وأن الرحلة متيسرة الى غزة ولن
يجد معوقات على الطريق, أو أنه خشي أن تكون تلك الطرق الوعرة الملتوية خطر
علينا خاصة ونحن في الليل
بالفعل تلك الطرق تبدو خطرة في ضوء النهار
لقد هاجمني هاجس لأكثر من مرة أننا تائهون
أو قد يقطع علينا الطريق لصوص
أو قد يهاجمنا حيوان شرس من قلب هذه الصحراء الممتدة
لكن ارشادات عمر التى علمه اياها ياسر هي التى أوصلتنا الى العريش بسلام ودون أن يعطلنا شيء
وبعد اتصال هاتفي قصير مع أستاذ حمدي عرفنا مكانه ولحقنا به قرب المعبر
لم يضع الرجل لحظة واحدة, لقد التحم هو ومن معه من اللجنة بأهالي العريش ورفح في مظاهرة كبيرة
كان يتحدث اليهم ويهتف في ميكروفون نقال ليصل صوته الى الجميع
انضممنا الى الجموع الغاضبة
واشتعل الحماس في قلوبنا ونحن نهتف بأعلى صوتنا مطالبين بفتح المعبر واطلاق سراح القوافل لتصل الى غزة, ولم أنس أن أصور كل هذا
لكن سرعان ما التفت قوات الأمن حولنا, وتم اقتياد أعضاء اللجنة جميعا الى قسم الشرطة
وفي الطريق كنت خائفة للغاية, وكان أكثر ما يخيفنى هو أن ينتزع أحد مني الكاميرا
لكن ابتسام فهمت على الفور وتصرفت بسرعة وأخذت مني الكاميرا الصغيرة
وأخفتها تحت ملابسها وهي تهمس لي : اطمئني عليها, لن يصل اليها أحد الا لو
كان يريد أن يلبس قضية أخلاقية
لا شك أن من يرافق ابتسام تتبدل مشاعره الى التفاؤل بسرعة, فتلك الفتاة لها روح تطغى بمرحها على كل من حولها
وقضيت الليلة في الحجز مع ابتسام وبقية أعضاء اللجنة
كانت تجربة جديدة تماما علي, لكنها لم تكن مخيفة الى الدرجة التي كنت أظنها
لكم قضيت أياما طويلة خائفة من أن أواجه ذلك الموقف وأجد نفسي خلف القضبان
كنت صغيرة عندما وجدت مجموعة من الرجال تدخل علينا البيت بعد منتصف الليل
وتأخذ أبي من بيننا الى مكان لا اعرفه, لكن يحيى كان يطلق عليه المعتقل
أظنها كانت أسوأ فترة مرت على في حياتي حتى عاد أبي بعد مدة
ورغم أنه دخل المستشفى في غيبوبة طويلة
الا أن الموقف كان أقل وطأة على, فعلى الأقل أعرف مكانه وأزوره وأطمئن الى أنه يحظى بالعناية اللازمة
أدركت الآن أن فكرتي عن الحجز والمعتقل لم تكن بالسوء الذي كنت أعتقده
فلم أكن وحيدة, كانت ابتسام وفتيات اللجنة حولي يشجعنني ونتبادل الحكايات
والذكريات والضحكات, وغنت لنا ابتسام بعض الأغنيات النوبية اللطيفة, وكانت
سببا في حبي للأغاني النوبية والتراث النوبي
في اليوم التالي تركونا نغادر العريش في هدوء, لكن أستاذ حمدي لم يكن
معنا, وصدمنا بعدما عرفنا أن الأزمة الصحية هاجمته من جديد وتم نقله الى
المستشفى
عدت الى القاهرة محملة بكل احباطي وألمي وقلقي على أستاذ حمدي
وذهبت مباشرة الى الجريدة لأسلم المقال الذي كتبته وأنا على مكتبي في زمن قياسي
لكن مع الأسف لم يكن زكي موجود ليوافق على نشره, ولم أستطع انتظاره, فقد
كان على الذهاب للبيت للإستحمام وتغيير ملابسي بعد ما حدث ليلة أمس,
لأتوجه مباشرة الى المستشفى لأطمئن على أستاذ حمدي
وتركت المقال مع أستاذ فؤاد ليقدمه له
لكم تمنيت لو أتركه لياسر حتى يقرؤه ويعطيني رأيه ولكن معاملته السيئة لي منعتني
وعندما عدت الى البيت كانت أمي بكل قلقها في انتظاري, لكن ما أدهشني حقا هو وجود يحيى في ذلك الوقت
كان ثائرا للغاية وأخذ يتهمني بأن أفعالي وتصرفاتي لم تعد متزنة
لم أهتم بالرد عليه, فقد كان كل ما يشغلني هو الذهاب بسرعة الى المستشفى لأطمئن على أستاذ حمدي
تخطيته واتجهت الى السلم لأصل الى غرفتي, لكنني توقفت فجأة عندما سمعته
يهتف بغضب : انتظري هنا واستمعي الي, أم أن هذا الشخص الغريب سلبك عقلك
واحترامك لأسرتك!! هل محا إرادتك وسيطر على تفكيرك الى درجة أن تتبعينه
الى غزة دون التفكير في عواقب الأمور؟!! هل ألفت البيات خارج البيت!!
يجب أن تبتعدي عن ذلك الشخص قبل أن يدمر مستقبلك, فهو...
التفت اليه وقاطعته بتهكم : أهذا هو كل ما يقلقك!!
اطمئن.. لقد ابتعد عني ياسر وأغلق كل باب بيني وبينه
بل والأكثر من هذا, لقد رفض أن ينضم معنا الى قافلة المعبر.. يمكنك الآن أن تهدأ لقد نجح في ابعادي عن طريقه
تركته وذهبت الى غرفتي وتمنيت لو تركت دموعي تهدئ من النيران المشتعلة بداخلي وتخفف من وطأة الضغوط النفسية التي أعانيها
لكن الوقت لم يسمح لي, فقد كان على أن أتجه الى المستشفى على الفور
..............
وفي المستشفى التقيت ابتسام وعمر وبعض من أفراد طريق الكفاح
وطمأننا الطاقم الطبي الذي يشرف على علاج الأستاذ حمدي بأن حالته مستقرة, لكن يلزمه بعض الوقت في المستشفى
اتصل بي الأستاذ فؤاد وسألني بقلق : هل اتصل بك زكي؟
قلت بدهشة : كلا.. أحدث شيء!!
قال بتوتر : اذا فالمقال لم يصله بعد
هتفت بدهشة : ماذا!! ألم يؤشر على المقال بالموافقة!!
قال بأسف : لقد غادرت الجريدة قبل أن يأتي زكي
هتفت بتوتر : وماذا عن المقال؟ يجب أن ينشر في عدد الغد
قال : تركته مع كمال فهو الوحيد الذي بقي في المكتب بعد انصراف الجميع
قلت بضيق : كمال!!
قال بأسف لقد وعدني بأنه سيسلمه الى زكي قبل أن ينصرف, ولكني اتصلت الآن
بمدير مكتب زكي لأطمئن أنه بر بوعده, لكنه أخبرني أن كمال لم يأتي ولم
يسلم المقال الى زكي
هتفت بغضب : وأين ذهب الآن ذلك المهمل؟
قال : منذ وقت طويل وأنا أحاول الاتصال بهاتفه لكنه غير متاح
قلت وأنا أنظر في ساعتي : ربما يكون قد نسيه في درج مكتبه وغادر
سأذهب الى الجريدة وأقلب مكتبه حتى أجده
لم يكف أستاذ فؤاد عن الاعتذار, فقد كان مضطرا للمغادرة ليصحب ابنه الأصغر للطبيب, وكان يتحدث الى من العيادة
استشاط غضبي عندما لم أجد المقال في درج مكتبه
لقد كنت أعلق آمالا كبيرة على نشر ذلك المقال, فبعد كل ما حدث لنا يجب أن يعرف الناس الحقيقة
أخذت أفكر فيما يمكن أن أفعله الآن
وظل الاتصال بيني وبين الأستاذ فؤاد متبادلا, وكمال لا يرد على هاتف البيت
ولا المحمول, وأستاذ فؤاد لا يكف عن التأسف, فهو لا يستطيع ترك عيادة
الطبيب الكبير ليذهب الى كمال, وكان على استعادة مقالي بأي ثمن
فقلت لأستاذ فؤاد : سأذهب أنا
اعترض الأستاذ فؤاد بشدة وطلب مني أن أنتظر قليلا حتى يتصرف هو, وتعهد لي بأنه سيأتي بالمقال بسرعة
كنت أعلم بأن أستاذ فؤاد لديه ظرف مرضي قاسي ولا يستطيع ترك ابنه, لذلك كان على وحدي عبء التصرف
لذلك فقد قررت الذهاب الى بيت كمال واستعادة مقالي قبل أن تذهب طبعة الغد الى المطبعة
أوقفت سيارتي عند العمارة التي يقطنها والتي حفظت عنوانها من كثرة ترديده
له في مكالماته النسائية التافهة المفروض على سماعها يوميا بحكم موقع
مكتبي المجاور لمكتبه
دخلت الى مدخل العمارة وسألت البواب بصرامة عن شقته وأجبرته على اصطحابي اليها بعد أن أكد لي أنه رآه يصعد أمامه
وفي المصعد, أتتني مكالمة من أستاذ فؤاد : لا تقلقي, لقد حلت القضية, سيكون المقال عندك بعد وقت قصير
قلت : أرجوك لا تزعج نفسك, المهم صحة ولدك, لقد وصلت الى بيت كمال ومعي البواب الآن وسآخذ منه المقال
هتف بضيق : كيف تتصرفين بهذه الطريقة!! عليك العودة الآن الى الجريدة وسيكون المقال عندك
قلت بسرعة عندما وصل المصعد الى الدور الخامس : أرجوك لا تقلق على أستطيع أن أحل مشاكلى بنفسي
أغلقت الهاتف أمام شقة كمال وأستاذ فؤاد يكاد أن يجن
أخذ البواب يدق الباب والجرس طويلا, وأنا أغلي من القلق
هتفت به : هل أنت متأكد أنه بالداخل؟
قال : بلى, لقد صعد أمامي من ساعتين
ظل يدق الباب باصرار حتى فتح أخيرا, وظهر خلفه كمال بملابس النوم يحاول أن يفتح عيناه بصعوبة
هتفت بغضب : أين المقال؟
قال بلا وعي : ماذا!!مقال!!
هتفت بعصبية : مقالي الذي أعطاه لك أستاذ فؤاد اليوم
تركنا وهو يترنح وألقى بجسده على الأريكة وأنا أصرخ به : أفق, استمع الى, أين المقال؟
أشار بيده اشارات غير مفهومه وهو يتمتم بلا وعي وعيناه مغلقتان
أخذت أدور بعيني في الصالة حتى وقعت عيناي على حقيبته التي يأتي بها الى الجريدة كل يوم ملقاة على احدى الأرائك
هجمت عليها بلا تردد وأخذت أقلب فيها بعصبية شديدة حتى أفرغتها تماما من كل ما بها
أخيرا وجدت المقال بين أوراقها, أخذته والتففت لأغادر لكنني تسمرت في مكاني عندما وجدت ياسر يقف عند مدخل الباب
لا أدري لم اهتزت ثقتي بنفسي بعنف عندما رأيت ذلك التجهم المخيف الذي كسا وجهه
وفهمت على الفور أن أستاذ فؤاد استعان به ليأتي لى بالمقال, وكما هي عادته لم يتردد في الموافقة
ورغم يقيني التام أنني لم أرتكب خطأ, لكن نظراته الغاضبة المخيفة حطمت ذلك اليقين وجعلت قلبي يرتجف
وبصمت تام التف ياسر مغادرا المكان, وأدركت أن على التحدث اليه لأنفي أية فكرة خاطئة مرت برأسه ولو عابرة
نزلت السلالم خلفه جريا وأنا أناديه, لكنه لم يتوقف, حتى لحقت به أخيرا
وأمسكت ذراعه لأوقفه وقلت وأنا ألهث : يجب أن تسمعني, لقد أتيت الى هنا
لأستعيد مقالي, وها هو
نفض ذراعه بعنف ليبعد يدي, والتفت الى وضاقت عيناه وقال بقسوة شديدة : الخطأ ليس خطؤك
بل خطئي أنا أن وضعت ثقتي في فتاة ترتاد بيوت العزّاب بسهولة امتطاؤها لظهور الخيل
ولكن اعلمي أنني لن أكون أبدا حصان
تجمدت تماما وشعرت بشراييني تكاد أن تتفجر في أنحاء جسدي من هول صدمتي
واستطعت بصعوبة شديدة أن أنطق : أنا!! أهذا الكلام تقوله لي أنا!!
أشاح بوجهه عني ونزل السلم جريا دون أن ينطق بكلمة أخرى
ولم أجد سوى درابزين السلم أستند عليه حتى لا أسقط من قسوة ما أشعر به
.....................................
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

لا أدري كيف عدت الى البيت, ولا كيف قضيت ليلتي
هناك مواقف تمر على الانسان يعجز عن وصفها أو وصف مشاعره
فأى كلام يمكن أن يصف ما أشعر به الآن؟

في اليوم التالي لم يأتي ياسر الى المكتب, وحاول أستاذ فؤاد أن يعرف منى ما الذي حدث بالأمس, ولكنى لم أنطق بكلمة
لكن صدمة جديدة صفعتني بقوة وحطمت ما بقي لي من أعصاب
فالمقال الذي تشوهت صورتي في عيني ياسر بسببه لن ينشر
رفض زكي نشره بسبب أسلوبه الصريح المباشر اللاذع
لم يعد بإمكاني التحمل, فغادرت الجريدة وذهبت مباشرة الى النادي, وفي
مضمار الخيل فوجئت بالفارس السمج يركب حصاني وعندما رآني ابتسم واقترب منى
وهو يلقي التحية
لكنه صدم عندما صرخت في وجهه بعنف : انزل عن حصاني
لم يصدق نفسه عندما وجدني مصرة أن يترك حصاني
ونزل بالفعل وحاول الاعتذار بتهذيب لكنني لم أمنحه أية فرصة
وانطلقت بالحصان في المضمار بلا تروي
كنت أفرغ ضيقي وغضبي وجنوني في الحصان, وضربته أكثر من مرة, رغم أننى في العادة لا أفعل هذا
وانتهى اليوم الكئيب بكارثة, فقد سقطت عن ظهر الحصان بسبب تهوري وعدم تحكمي في انفعالاتي
وبقيت فترة طويلة غائبة عن الجريدة وزارني كل زملائي عدا ياسر, ولم أهتم بالسؤال عنه , ولا عن أخباره
وحاول أستاذ فؤاد أن يفتح معي الحديث ويعيد استجوابي عما حدث بيني وبين ياسر, لم أعطه أية أجوبة, وغادر دون أن يرتاح
أستاذ فؤاد بمشاعره الطيبة يحاول أن يصلح ما فسد بيننا, يحمل نفسه الذنب لما حدث
لكن الأمر أكبر من ذلك بكثير
لقد جرحني ياسر جرحا عميقا لا براء منه
وكان لا بد لأمي أن تتكلم أخيرا بعد أن وجدت أن الصبر والصمت لن يفيدا أمام حالتي المستعصية وكآبتي التى توشك على التحول الى مرض
ورغم أنني لم أخبرها بأى شيء مما حدث, الا أن حديثها كله كان منصبا على ياسر
كنت صامتة تماما أستمع اليها وهي تقول : لم أرك يوما ضعيفة ومشتتة كما أنت
الآن, لا أدري كيف أصف ذلك الكائن الذي حل فجأة بحياتك وأحالها الى ما هو
أمامي الآن
حتى لو سألتك عما حدث فلن تخبريني
والآن لا أملك لك سوى النصيحة والدعاء
لا تدعي أحدا ينفذ الى رأسك ويسيطر على عقلك وتفكيرك
مهما بلغت مشاعرك تجاهه فلا تسمحي له أن يهز ثقتك بنفسك ويحطم ارادتك مهما حدث
شعرت بالدموع تملأ عيناي, عجبا, وكأنما تعرف ما حدث دون أن أبوح لها بشيء
استطاعت أمي أن تضع يدها على جرحي الغائر دون حتى أن تراه, فقلت لها والألم يعتصر روحي : أتدرين ما هي مشكلتي الحقيقية؟
أنه نجح في ذلك بالفعل
غادرت أمي الغرفة بصمت بعد أن أدركت أن كلماتها لم يعد لها فائدة ترجى, وأنني وصلت الى حالة متأخرة للغاية
...........................
بمجرد أن وقفت على قدمى ذهبت الى النادي مباشرة, فقد عرفت من زملائي في
النادي أن أصيل حزين للغاية وأصابته حالة شديدة من الكآبة, لذلك كان على
زيارة صديقي الوفي والاطمئنان عليه
أخذت أمسح على ظهره ورقبته وأداعبه وأطعمه بيدي وأنا أقول له : لا بأس عليك يا صديقي, أحزين أنت لأنني سقطت من فوق ظهرك؟
شردت بعيدا وأنا أكمل : هناك من أسقطني قبلك من عينيه, وكانت سقطته قاتلة
لم يعد هناك ما أحزن لأجله ولا أتألم له بعد أن انتهت القصة تلك النهاية المريعة
لقد صدقت أمي وصدق يحيى, إن ما بيننا مسافات شاسعة وجدران عالية لا نستطيع اجتيازها
ما أسوأ أن يأتي الحب مع تناقض الأفكار
لن يفهمني أبدا
..........................
عدت الى عملي محاولة تجاهل ذلك الانسان الذي هو أمامي كل يوم كما يتجاهلني هو ويتجنبني
لم يهتم حتى بمرضي ولا بعافيتي خلاف الجميع, وكأنني نجس لا يجب أن يقربه
وأستاذ فؤاد ينظر الينا بأسى مستشعرا ذنبا هو بعيد عنه لفشل تلك القصة الجميلة التى ما كان لها أن تتم
أما كمال فهو لا يدري أى شيء, فقد كان فاقد الوعي في ذلك اليوم ولم يخبره أحد بما حدث
حتى المقالة التى كانت معه نسي أمرها تماما
ما كنت أعتقد يوما أن ذلك التافه يمكن أن يكون سببا في تحطيم سعادتي وأملي!!
رغم الألم العميق المستقر في نفسي, الا أنني نجحت أن أعود لهدوئي واتزاني,
وقررت الابتعاد عن أى شيء يتعلق بياسر وقاطعت كتاباته التى تستفز مشاعري
من تحقيقات ومقالات وأى حرف يكتبه
ورغم كل ذلك لم يتركني لحالي
يا الهي.. أبعد كل ما حدث يجرؤ على التقدم الى مكتبي والجلوس أمامي!!
أشحت بوجهي بعيدا و شغلت عيناي بالنظر بعيدا عنه
قال بصوت يملؤه الألم : لم أكن أود حقا أن تصل الأمور الى هذه الدرجة
أيا يكن رأيك وتفكيرك ومدى اختلافي معه..
تنهد وصمت قليلا وكأنما لا يجد ما يقوله, وصمت تماما رافضة للرد على كلماته أو ابداء أى ردة فعل
لكنه قال بعد قليل : أيا يكن ما حدث فقد حدث وانتهى
أعلم أنك ترفضين كل ما أقوله, لكن واجب الزمالة, وحق النصح يحتم على أن
أقول لك أنك تتعاملين مع الحياة ببراءة شديدة واندفاع يصل الى درجة التهور
وهذا الأسلوب قد يوردك المهالك
فالحياة ليست بتلك الطيبة ولا السهولة لنقتحمها ونعتركها دون أن يكون لنا درع حامي من تروي وتعقل وتبصره ووزن للأمور
عليك أن تأخذي حذرك وتفكري في كل خطوة تقدمين عليها
صدقيني, سيكون ذلك أكثر أمنا وحماية لك ولسمعتك
صمت قليلا وعندما لم ألتفت اليه قال : قد يمنعك غضبك من تقبل كلامي الآن,
ولكن ربما تتذكرينه يوما ما, وقد تلتقي الوجوه ثانية أو لا تلتقي, ولكني
لا أحب أن أرحل وفي صدرك شيء
رنت كلمة (أرحل) في رأسي عدة مرات, ولكني لم أستطع أن ألتفت اليه أو أرد عليه
بالفعل كان في صدري الكثير والكثير من الغضب
قال : لو أنني أسأت اليك يوما ما عن قصد, أو حتى عن غير قصد, فأنا أرجوك أن تقبلي اعتذاري
وحتى ان لم تستطيعي ذلك, فأدعو الله أن يوفقك الى ما فيه الخير
خرج ياسر من المكتب وارتجف قلبي بعمق
معنى كلامه واضح تماما, لقد قرر ترك الجريدة ولن أراه بعد اليوم
لم أجرؤ على سؤال أستاذ فؤاد عنه ولا حتى زكي
فبأي صفة أسأل عنه وعن أخباره؟ وبعد ما حدث بيننا لا يمكنني التغلب على
غضبي وتجاوز الاهانة الصريحة التى وجهها لي والتي لا يداويها اعتذاره ولا
كلماته لي
بقدر ما يكون الغضب ضروريا في بعض الأحيان, لكن الانسان لا يندم على شيء قدر ندمه على قرارات اتخذها في لحظات غضب
وهذا ما حدث لي تماما
لقد أصبت بأرق عنيف وكآبة سيطرت على, كنت أمنى نفسي بأن الأمر أشبه بالإدمان, وستمضي فترة طويلة قبل أن أعتاد عدم وجوده في حياتي
لكنني كنت حزينة للغاية, تملأ دموعي وسادتي كل ليلة, ولا أستطيع البوح لأى انسان بآلامي
فلا سبيل لإحياء قصة حب وئدت في مهدها وعلى أن أنسى وألتفت الى عملي
لكنني لم أدرك حقيقة حجم ما فقدته الا بعد يومين فقط
.....................................
جاءتني مكالمة في الساعة الثانية عشرة وأنا على مكتبي زلزلتني
كانت من ابتسام التي صرخت في أذني بانفعال عنيف : أميرة.. لقد قصفوا غزة بالطائرات
صرخت بفزع حقيقي : ماذا تقولين!!
قالت بصوت باكي : الخبر الآن حيا في قنوات الأخبار
سألني أستاذ فؤاد بقلق : أهناك شيء؟
هتفت بانفعال : ضربوا غزة بالطائرات
ألقيت بالهاتف وجريت الى القاعة الكبيرة وخلفي أستاذ فؤاد, ووجدت الكثيرين
قد تركوا مكاتبهم وتجمعوا حول التلفاز ليشهدوا كارثة جديدة من كوارث
اسرائيل
ففي الساعة الحادية عشر والنصف صباحا قصفت اسرائيل غزة في أماكن عديدة, مستهدفة أعضاء حركة حماس وحكومتهم
خيم الذهول علينا جميعا ولم نستطع النطق ونحن نشاهد عشرات القتلى ودماؤهم
تغرق الأرض والجرحى يصرخون بالشهادتين في مشهد مفزع يحرق القلوب, ولا أحد
يستطيع في هذه اللحظات المفزعة تحديد حجم الكارثة ولا ادراك الخسائر في ظل
صدمة فاقت كل تصور

صرخ أستاذ فؤاد فجأة بفزع : ياسر, لك الله يا بني
ترى أين أنت الآن وكيف حالك!!
التفت اليه بدهشة عارمة ولساني يردد بلا وعي : ياسر!!! ياسر في غزة؟!!
قال بألم وهو يتصل بهاتفه المحمول : لقد عاد لأهله بمجرد أن ترك الجريدة
اتسعت حدقتاي وارتفعت ضربات قلبي بعنف وأنا أردد : أهله!!
كان الخبر جديد على تماما, وأنا أتمتم بذهول وكل عرق في يرتجف : يا.. ياسر من غزة!! ياسر حسين المصري!!!
من غزة!!
ارتميت على أحد المقاعد ولساني يردد اسمه بلا وعي وعقلي يكاد أن ينفجر من الصدمة
هتف استاذ فؤاد بصوت باكي : يا الهي, انه لا يرد, أخشى أن يكون قد أصابه مكروه, اللهم سلم, اللهم سلم

لم أخفى عنى الحقيقة, لم لم يخبرني؟!!
أهو سر مخيف الى هذه الدرجة!!
الى هذه الدرجة لا يثق بي!!

لقد ذبحني ياسر ورحل دون أن ينظر خلفه
عاد الى غزة قبل يومين فقط من وقوع الكارثة
أخذت أحدق في الشاشة بذهول فوجدتها قد ملأت بالجثث المغطاة بالدماء
وكلما نظرت الى احدى الجثث أجد أمامي وجه ياسر
أبعدت عيني عن الشاشة بعد أن عجزت عن التحمل
وعدت الى البيت حطام
........................................
.........................................




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
MaI
كفراوي اصيل
كفراوي اصيل
avatar

تاريخ التسجيل : 26/10/2010

العمر : 25


مُساهمةموضوع: رد: الابتسامة الشجاعة   السبت 8 يناير 2011 - 1:08

حاولت بكل وسيلة أن أقنع نفسي أن ياسر مجرد انسان غريب عني لا تربطني به أية علاقة, ولا شأن لي بما يحدث له
انسان أهانني وطعن مشاعري وحطم كرامتي
فجأة خرج من داخلي صوت قوى لأول مرة أسمعه : لكنه محق, أى إنسان في مكانه سيظن في السوء
لقد اندفعت بلا تروى ولا تقدير للأمور الى بيت كمال
قد تكون نيتي حسنة, لكن النوايا الحسنة لا تكفي لتبرير تصرف أهوج كالذي فعلته
عندما يراني ياسر في بيت كمال..
ولكن لم غضب الى هذه الدرجة؟ هل يغار على؟ أيمكن هذا؟!!
مهلا...
ما الذي يجعل عقلي يجتر كل تلك الأفكار في هذا الوقت تحديدا؟
هل يحاول فتح طرقا جديدة لإعادة الحب الذي ذهب؟
أهي لعبة يلعبها قلبي ليفتح جرحا لم يندمل بعد؟
لكن العقل يقول أن طريقي الى ياسر قد أغلق الى الأبد, إن لم يكن بسبب
الأزمة التي مرت بنا, فالأسباب الآن أقوى, إن ما بيننا حدود مغلقة وبوابات
موصدة واتهامات متبادلة وجدران عالية
انتفضت جالسة في فراشي بعد أن تجلت في عقلي فكرة رهيبة
انها نفس كلمات يحيى, هل كان يعلم بالحقيقة!!
يحيى يعلم وأنا لا.. كيف!!!
هل تحدثا معا عندما كان ياسر في المستشفى! بينما أنا أبكي في الاستراحة!!
اتصلت بيحيى على الفور, وبمجرد أن رد صرخت فيه : يحيى, هل كنت تعلم أن ياسر من غزة ؟
هتف بدهشة : ماذا!! أتتصلين بي في هذا الوقت لتتحدثي عن ياسر!!
قلت بحدة : أجبني, منذ متى وأنت تعرف أن ياسر من غزة؟
هتف بتهكم : ما هذا الجنون!! أهو سر حربي!! الأمر واضح لكل عين, وهو لم يدعي غير ذلك
أغلقت الهاتف وأنا أسيرة الذهول
هو لم يدعي غير ذلك بالفعل
يا الهي أكنت عمياء كل هذه المدة!!
أستاذ فؤاد يعلم, ويحيى, حتى كمال لم يفاجأ
الكل يعلم أن ياسر من غزة الا أنا!!
وأمي!!
يا الهي, انها تعلم
الآن فقط فهمت كلماتها عن الجدران والأسوار
لم أكن فقط عمياء
بل كنت أيضا صماء غبية
ياسر لم يخفي أبدا أنه غزاوي
تداعت الذكريات الى رأسي
كل كلمة كان يقولها كنت أفهمها بمعنى آخر لم يقصده
كل جملة كنت أفسر مغزاها بشكل آخر
حديثه المستمر عن هويته التي قد توقعه في مشكلات مع الأمن
حماسه الشديد للقضية كنت أظنه نابع عن ايمان وعقيدة
لكنه أيضا بالاضافة لذلك قضية وطن
لقد أخبرني ياسر بكل الطرق ولكنني لم أفهم
بل كان يتعامل معي على أساس أننى مدركة للأمور بشكلها الصحيح
الآن أصبحت كل تصرفاته واضحة تماما أمامي
احجامه عن المشاركة في القوافل بسبب هويته والمشكلات التى قد يصنعها له الأمن
على أقل تقدير سيتم ترحيله من مصر
يا الهي.. الكل كان يتعامل معي وكأنني مدركة وواعية لما يحدث حولي
حتى أستاذ حمدي وابتسام وعمر الذي رافقه يوما في رحلة الى غزة, وعندما رافقته هو وابتسام كان يتحدث الى وكأنني أفهم
القيت برأسي على الوسادة وجرت دموع القهر على الجانبين
الكل كان يتعامل معي على أنني ذكية وواعية
أنا نفسي لم أكن أتصور أنني أحمل في عقلي كل هذا الغباء
أخذت أبكي طويلا دون انقطاع
لكن في النهاية كان على أن أجلس أمام التلفاز وأتابع ما يجري في غزة
كان من الواضح أنها حرب حقيقية
لم يمض وقت طويل على حرب لبنان حتى نفجع في غزة
طائرات تدك من أعلى وحرائق في الأسفل, وقتلى لا يعلم عددهم الا الله
مائتي شهيد لحركة حماس في ضربة واحدة
وفي المساء يرتفع العدد باستهداف المدنيين والأطفال
أخذت أبدل ما بين القنوات الفضائية الاخبارية لترتسم في ذهني صورة رهيبة لما يحدث
هناك اتهام صريح لمصر بالسكوت, بل بالتواطؤ في تلك الحرب النجسة
فمن يومين فقط كانت ليفني في زيارة لمصر وختمتها بمؤتمر صحفي ألقت فيه بكل
غطرسة وتبجح كلمتها التي ستظل طويلا عالقة بالأذهان : عندما نقول كفى فهي
كفى
تلك الكلمة لن يتذكرها العالم لأن اسرائيلية قالتها
بل لأنها قالتها من قلب مصر
ترى هل هذا هو ما جعل ياسر يرحل مسرعا الى غزة؟
هل كان يتوقع ما يحدث الآن؟
لقد أثبت ياسر مرارا قدرته على استقراء وفهم الأحداث, بل وتوقع الأحداث مستقبلا
أيمكن أن يكون قد غادر مصر لأنه اشتم رائحة التهديد المباشر لغزة؟
ولكن .. كيف يرى الأمر الآن؟ هل ينظر الى مصر كما ينظر اليها العالم الآن؟
طرف متواطئ ومشارك بصورة غير مباشرة للجريمة التى تقع الآن؟!!
أيمكن أن تكون تلك هي نظرته للأمور؟!!
هل حقا كما يقول العالم أن ما يحدث الآن كان مبيتا ومتفق عليه؟
أم تم استدراجنا بلعبة قذرة وايقاعنا في فخ
ما هي الحقيقة؟
لم أكن قادرة على فهم أى شيء ولا استنتاج أى شيء دون الاستعانة برأي صديقي المحترف
وأين هو الآن؟!!
كنت أتألم بعمق من تلك المأساة التي أمامي
شعب محاصر تدكه الطائرات دكا وتستهدف النساء والأطفال
أهذه هي الصواريخ والقنابل الذكية؟
أصنعت حقا خصيصا من أجل أطفال العرب؟ كما كانت اسرائيل تتباهى في حرب لبنان
كان أطفالهم يكتبون رسائل ويوقعون بأسمائهم على الصواريخ القاتلة
رسائل مهداه الى أطفال العرب؟!!
أهذا هو العالم الجديد أم الوحشية الجديدة!!
وها هي هدايا جديدة من أطفال اسرائيل تسحق رؤوس أطفالنا
في أى غابة متوحشة نحيا!!
ومن جديد ذهب عقلي الى كلمات صديقي الصحفي المحترف
(أنت أكثر من يعلم كيف ينظر الأمن لأمثالنا)
التفت الى السترة السوداء المعلقة على خزانة الملابس وأخذت أتحدث اليها
كما لو كنت أكلم صاحبها : يا الهي.. أتثق بذكائي الى هذه الدرجة!!
اتظن حقا أنني أفهم كلماتك؟
صرخت بكل غيظي وألمي وانهياري : كان عليك أن تعرف أنني لن أفهم
كان يجب أن تدرك كم يبلغ غبائي
لم تعاملت معي وكأنني أفهمك!!
ألم تدرك أنني لم أفهمك أبدا؟
أخذت أقرع رأسي في خشب خزانة الملابس وأنا أصرخ : ها أنا أعترف وأتمنى أن تسمعني, أنا غبية غبية غبية
انهرت أرضا أنتحب وأصرخ بحسرة
واندفعت أمي بفزع الى داخل الحجرة قادمة على صوت صراخي
لم أستطع أن أكتم عنها ألمي ودموعي هذه المرة, فضمتني الى صدرها بقلق
وربتت على ظهري وهي تستعيذ بالله, ثم سألتني : أميرة, ماذا حدث, أخبريني,
طمئني قلقي ولوعتى عليك
قلت لها وأنا أنتحب بعنف : ياسر, ياسر في غزة الآن, لم أكن أعرف, لم أفهم, لم لم يخبرني؟
قالت بدهشة : يخبرك بماذا؟
قلت بألم : كان عليه أن يقول لي مباشرة أنه من غزة
قالت باستنكار : ما هذا التخريف!! كلنا نعلم أنه غزاوي
قلت بحسرة : الكل يعلم الا أنا
قالت بدهشة : ما هذا الذي تقولينه!! لو تكلمت بهذه الطريقة فلن يصدقك أحد
قلت بألم : أنا نفسي لا أصدق, لقد رحل الى هناك وأنا لا أفهم
ودعني ورحل معتقدا أنني أعرف
لكن الحقيقة هي أنني لم أعرفه أبدا, صدقيني يا أمي
هو الآن بين الحرب والنار والموت دون حتى أن يعرف أنني قبلت اعتذاره, دون أن أعتذر اليه
لماذا تسير الأمور هكذا!!
لماذا ينكسر كل شيء في لحظة جهل!!
لقد كان ياسر واضحا وصادقا في كل شيء, كيف لم أسأله عن بلده التي يسافر
اليها كل اجازة!! بم كان عقلي مشغول!! أهناك أهم من ذلك السؤال البسيط!!
أين ولدت؟
والآن عرفت, عرفت بعد فوات الأوان
كيف لم أنتبه لتصرفاته وكلماته وأفسرها بمقصدها الصحيح!!
أيمكن أن يكون الانسان صادقا وواضحا لدرجة ألا نستطيع أن نفهمه؟
ياسر كان .. كان كضوء الشمس واضحا في كل شيء, لكننا لا نستطيع أن ننظر الي الشمس مباشرة أو نتأمل تفاصيلها
كيف يرحل ويتركني مع غبائي وجهلي وضياعي!!
كيف يرحل دون أن أخبره أنني أحبه؟
أنا أحبه يا أماه.. أحبه حقا
لا يمكنني أن أتخيل أنه هناك الآن تحت لهيب النار في آتون الحرب
كل شيء هناك يحترق يا أماه
غزة تذبح, تذبح ولا أحد يستطيع لها شيء

لم تتركنى أمى الا بعد أن أعطتني كمية محترمة من الحبوب المنومة لأسيطر بها على انفجار مشاعري وأستدعي النوم قسرا الى جفوني
وأخذت تمسح على رأسي وتقرأ لي القرآن حتى ذهبت في النوم
في اليوم التالي استيقظت مرهقة وكل شيء في يؤلمني
استيقظت لأجد أمامي يحيى يبتسم لي بحنان وفي عينيه نظرة شفقة وأسى
وفهمت أن أمي استعانت به ليساعدني في أزمتى العنيفة
قال بعطف : كيف حال أميرتي الجميلة؟
قال بأسف عندما لم يتلقى أى رد : أعلم أنك ناقمة على, وقد أقدم التماس بعفو ملكي خاص اكراما للأيام الخوالي
صمت قليلا عندما لم يجد أى صدى لكلماته, كان بداخلي خواء غريب وكأنه لم يعد هناك بداخلي أية أحاسيس
ترى, أهو شعور حقيقي أم مصطنع بفعل مواد كيميائية طبية؟
قال بحنان : ما رأيك أن أدعوك للغداء في النادي كما كنا نفعل في الماضي؟
سأنتظرك في الأسفل حتى تغتسلي وتبدلي ثيابك, لا تتأخري
عندما جلسنا حول طاولة قريبة من مدرج الخيل, كان وقع حوافر الخيل في أذني أعلى من صوت خالي
وكان أول ما قاله بعد أن طلب لنا عصير طازج : أعلم أن هذه الخطوة أتت متأخرة للغاية
كنت أنظر اليه بشرود وقد فقدت رغبتي تماما في الكلام مع أى انسان
لكنه استرسل بندم : أعلم أنك غاضبة مني لأن الحياة أخذتني بعيدا عنكم, العيادة, والمستشفى, والحب الجديد
لقد أخطأت بالفعل عندما تجاهلت مشاعرك ولم أساندك في أول تجربة حقيقية لك في الحياة
ربما.. ربما لأننى كنت واثقا بأنك أقوى بكثير من أية أزمة, حتى لو كانت أزمة عاطفية
ولازلت أثق بقدرتك على اجتياز المواقف الصعبة
يا الهي, اننى أكرهه بالفعل
تكرهه!!
رن السؤال في عقلي لكنه لم يخرج الى شفتي
ورد يحيى على السؤال : بالتأكيد أكرهه ذلك الذي خطف قلب الأميرة وسرق ابتسامتها التى كانت تضيء العالم
ألا يحق لي أن أكرهه؟
تعلمين أنك أغلى ما في هذا الكون, لا أستطيع أن أتصور كيف تنهار أميرتي الصغيرة بهذه الطريقة!!
كنت دوما أفخر بقوتك وشجاعتك, حتى عندما مات أبوك..
لم أسمع بقية كلامه, فقد شرد ذهني بعيدا, كنت أحاول أن أفهم ما في رأس
يحيى عندما يقول أنه يكرهه, ليست مجرد كلمة بلا معنى, بل ان هذا هو ما
يشعر به بالفعل
كل تصرفاته وتعبيرات وجهه تؤكد ذلك
ولكن.. لم؟
لا أستطيع أن أتصور أن هناك من يكره انسان كياسر في خلقه ونبله, كما أنه لم يلتقيه سوى مرة أو مرتين, فكيف له أن يكرهه!!
أبى يحيى الا أن يجيب على سؤال لم أسأله, لقد أجاب بطريقة عملية, عملية للغاية
لقد هبطت علينا فجأة حبيبة خالي العزيز
وجدتها تمد يدها الى بالسلام ورائحة عطرها الفاخر تملأ المكان
نظرت اليها طويلا متأملة ذلك الجمال المبهر, وتلك الأناقة المفرطة, وكأنني أراها لأول مرة
ارتبكت عندما لم أمد يدي لها بالسلام, وخلعت نظارتها الشمسية الأنيقة
ليبدو من تحتها عينين ساحرتين نظرتا لي باشفاق ثم تبادلت نظرات التعاطف مع
خالي
ثم انضمت الينا اكراما لتلك المسكينة المصابة بصدمة عاطفية
قال يحيى مبررا : يسرا أصرت أن تأتي اليوم لتراك عندما علمت أننا في النادي
قالت بصوت ناعم : كيف حالك الآن يا عزيزتي
لم أرد, وكأن حبل الكلام انقطع بيني وبين الناس
وأدركت ميزة للصمت لم أكن أعرفها قبلا, وهي أن الصمت يساعد على جلاء العقل ووضوح التفكير
كما يدفعنا الى التأمل أكثر والنظر في تصرفات وكلمات الآخرين, وهو سلوك افتقدته كثيرا في الفترة الأخيرة
كنت أستمع بصمت لكلمات يحيى : صدقيني لو كان هناك أدنى أمل في نجاح تلك
العلاقة لكنت أول من يساندك بل كنت على استعداد أن أسافر بنفسي لأحضره اليك
لكنها علاقة فاشلة من البداية, أين أنت وأين هو؟
والآن صار الأمر من المستحيلات بعد تلك الحرب اللعينة
ما كان عليهم الوصول الى هذه الدرجة من الاستفزاز لتلك العقلية الوحشية السادية
أتعلمين كيف ينظر الينا الآن؟ بل كيف يراك أنت الآن؟
النغمة السائدة في فلسطين هي القاء المسؤلية كلها علينا, بل واتهامنا بأبشع التهم, وكأننا نحن من يحاربهم لا اسرائيل
يسبوننا على كل مواقع الانترنت ويتهموننا بالخيانة والعمالة والتواطؤ لإبادة غزة
أرأيت عقليات أكثر سفها وسطحية من هذا
لم لا يلومون من يطلق الصواريخ ليل نهار حتى استفز الثعبان من جحره؟!! وما دخلنا نحن بخلافاتهم وانقساماتهم!!
تدخلت يسرا في الحوار برقة : إن سمحتما لي, لقد أخبرني أبي وهو يعمل في
الخارجية أن مصر وجهت الى حكومتهم المقالة تحذيرات عدة ونصائح كثيرة لكي
يكفوا عن استفزاز اسرائيل والعبث بالصواريخ
ودعتهم أكثر من مرة الى مصر لحل خلافاتهم وتحقيق الوحدة, ولكنهم أبوا الا الحرب
أكمل يحيى بحماس : لا شك أنه هناك الآن يشعر بالندم والنقمة لكل يوم عاشه على هذه الأرض يأكل ويشرب من مياه النيل
بل ويتهمنا نحن بخيانة القضية والعروبة والتآمر على غزة
ستفهمين ذلك بوضوح عندما يتقدم بك العمر وتكتسبي مزيد من الخبرات في الحياة
تاهت كلماته من عقلي وشردت بعيدا أفكر في ياسر, أهو حقا يفكر بتلك الطريقة!!
هل يظن حقا بأننا متواطئين وخائنين وبائعين للقضية؟!!
وهل يحق لي لومه ان ظن السوء بعد كل ما حدث على المعبر ورأيناه بأعيننا؟ وبعد أن ألقت ليفني بسمومها من داخل مصر
وهل لو كنت في مكانه يمكن أن أفكر بطريقة أخرى حتى لو افترضت أقصى درجات حسن النية؟!!
هتفت يسرا : ليس ذلك بمستبعد على عقليات كتلك, يعيشون بيننا ويأكلون من
طعامنا ويلقون علينا عبء مشكلاتهم لنحلها لهم, وفي النهاية لا نجني سوى
السباب والاتهامات بالخيانة
لقد كنا نمدهم بالمعونات والغذاء باستمرار من معبر رفح
لكنهم يصرخون ليل نهار في القنوات الفضائية بأننا نحاصرهم ونمنع عنهم كل شيء
لا أدري لصالح من يريدون تشويه سمعة مصر!!

المعبر مفتوح, دائما مفتوح
هكذا تقول شاشات التليفزيون والجرائد المحلية
اذا فلم كانت البضائع والتموينات مكدسة في العريش تنتظر الفرج حتى تعفن الغذاء في الصناديق؟!!
ولم اضطرت سفينتي غزة الحرة وحرية الى المجازفة الخطرة بأرواح من فيها
والتعرض للضرب بالطوربيدات الاسرائيلية لو أن هناك أدنى أمل أن يدخلوا عن
طريق معبر رفح؟!!
ولماذا لا يستطيع أستاذ حمدي الدخول الى سيناء!!
لكن كلمات يسرا من مصادر رسمية موثوقة
بالتأكيد فخالي العزيز لا يسقط الا واقفا
لا يختار الا امرأة كاملة الأوصاف, عائلة ومال وجمال باهر ومنصب رفيع
نفس المنطق الذي اختار على أساسه عريس لي
لقد أخبرتني أمي أن وسام ليس فقط شريكا لخالي في المستشفى, بل هو ابن أحد الوزراء
ورغم أننى قد أقدر نيته الحسنة في أنه يختار لي الأفضل من وجهة نظره, لكن
يتبقى شبهة أن الأمر ما هو الا زواج مصلحة, مصلحة لخالي بالخصوص
تركتهما بصمت ووقفت عند مدرج الخيل أتأمل الخيول وهي تجري وتتمايل
ومن جديد أخذت أتساءل : لماذا يكره ياسر!!
وأدركت شيئا لم أنتبه له قبلا, وهو أن ظهور ياسر في حياة أية عائلة بكل ما
يمثله من خلق ومبادئ والتزام وصدق وفعل يطابق الكلام والتفكير, يفتح
المجال بقوة للمقارنات بين ما نحن عليه فعلا, وما نطمح ونتمنى أن نكونه
ونموذج يحيى بكل ما يمثله من ثقافة شرقية وغربية وحرية وعقل متفتح لم يعد هو الصورة الأمثل التى نتمنى أن نكون عليها
ويحيى يدرك هذا جيدا ويكره وجود ياسر في حياتي
لأن مجرد وجوده أمامي يفتح عيناي على عيوب لم أكن أراها من قبل في يحيى
رن هاتفي المحمول وأضاءت شاشته باسم الأستاذ حمدي
أعلم لم يتصل بي الآن, لا شك أن اللجنة تستعد للذهاب لرفح, فالمأساة أكبر
من أى تصور, وبصفتي عضوة في اللجنة على أن أكون معهم الآن في النقابة
لنتوجه الى رفح بأية وسيلة
نظرت الى أرجل الخيل التى تتسارع في المضمار
لقد كبلت نفسي بنفس
ففي ظاهر الأمر سأبدو في نظر الجميع كامرأة تسعى خلف رجل, أو فتاة تريد استعادة حبها الضائع
أى امتهان للقضية عندما تنحدر الى ذلك المستوى وتصبح منفعة شخصية وطمع في الحصول على رجل تركني وذهب
أى امتهان للمعاني النبيلة والقيم العليا!!
وكيف لا أبدو على تلك الصورة وأنا لم أنضم الى اللجنة الا بعد ظهور ياسر في حياتي!!
لن يصدق أحد أننى كنت أحاول جاهدة اجتذابه الى اللجنة ونشاطاتها
لن يصدق أحد أنني كنت بلهاء الى هذه الدرجة
ولكن..
كيف سقطت في تلك الخدعة؟
ترى هل كنت تحت تأثير حيلة من الحيل النفسية مارسها علىّ عقلي الباطن؟
هل احتال علىّ قلبي وأعماني عن رؤية حقيقة واضحة كالشمس
هل كنت أعرف من هو ياسر وماذا يمثل ولكنى أرفض التصديق؟
هل سيطر على حبي لياسر الى درجة أن أرفض تصديق أى شيء يبعدني عنه؟
هل أنا مجنونة؟ أم مريضة نفسية؟
...................................
اعتكفت في غرفتى زاهدة في الكلام مع أى مخلوق
لكنني فوجئت بزيارة غير متوقعة من أيمن الى غرفتى
كانت هذه هي المرة الأولي منذ وقت طويل التى يبادر فيها ويأتي الي
كان يبدو عليه التردد والتوتر الشديد
وكان كلامه غير منظم وكأنما لا يجد ما يقوله : لم أكن يوما بالأخ الصالح
الذي يمكنك الاعتماد عليه, وكم من مرة خذلتك في مواقف كنت فيها أشد ما
تحتاجين الى
وكنت تحاولين أن تنصحيني وتساعديني بكل طريقة
لا أخفي عليك, لقد أسعدني كثيرا اهتمامك بي, ومقالاتك التى كنت تكتبينها عني, لقد قرأتهم كلهم أكثر من مرة
كانت حركات يديه وأصابعه تعبر بوضوح عن توتر بالغ
أخرج إحدى سجائره من جيبه وأشعلها, كان يدخن بعصبية ملحوظة وهو يقول :
أعلم أنه لا يحق لي قول أى شيء بعد أن خذلتكم وابتعدت بإرادتي عن حياتكم
بل وارتكبت أخطاء فادحة كادت أن تهدم تلك الأسرة,
أعلم أنني كنت أناني للغاية وسيء لأبعد الحدود
والآن لا أستطيع أن أعدك أن أكون لك الأخ الذي تتمنينه
ولكن ثقتي بك بلا حدود أن تعودي قوية كما كنتي وأن تتغلبي على أزماتك بشجاعة, فأنت أقوى منى بكثير
وان كنت أنا أهملت من حولي وكسرت قلوبهم, وتبعت رغباتي دون مراعاة لمشاعر
من حولي, لكنني متأكد أنك لن تفعلي مثلي, لأنك تدركين تماما أن هذا سيحطم
قلب أمي, بل سيحطمنا جميعا
ان شعورك بالمسئولية تجاه من حولك سيمنعك بالتأكيد من الجري خلف رغباتك الشخصية
أعدك بأنني سأحاول ألا أكون أنانيا بعد الآن
كان ياسر يعرفني جيدا
يعرف خوفي وأمني, يعرف فرحي وحزني, ويعرف متى تنفجر براكين غضبي
كنت بالنسبة اليه كالكتاب المفتوح, استطاع أن يقرأني من أول سطر
يبدو هذا جليا الآن في كل تصرفاته معي عندما أفسرها بتفسيرها الصحيح
كان يعرف جيدا متى يتكلم ومتى يسكت ومتى يقترب ومتى يبتعد ومتى يلقي بي في غيابات التجاهل
بل كان يعرف ويفهم جيدا الأرض التى يقف عليها ويحيا فيها لم أشعر لحظة بأى فارق بيني وبينه, أو بينه وبين أى انسان يعيش في مصر
بل ان اللكنة التى قد تظهر أحيانا في بعض حروفه وهو يتكلم أشبه بسكان بعض المحافظات
كان ياسر واحد منا, يحب ما نحب ويكره ما نكره حتى الطرفات التى يقولها, هي التى نألفها جميعا
أستطيع الآن أن أتذكر كيف تعلم أبي لغة أهل البوسنة في زمن قياسي
كنت أسمعه دائما يقول : ان التقارب بين البشر ضرورى, ولا يكون مكتملا الا
اذا أتقن أحدهما لغة الآخر وفهم كيف يفكر ويتصرف, وعاش حياته وتمثل مشاعره

لم أفهم ياسر أبدا
لم أفهم كيف يفكر ولا كيف يتصرف, رغم اعتقادي عكس ذلك
ولم أفهم قضية غزة, ولم أفهم ما يحدث فيها ولا واجبنا تجاهها
ان كان للمرء قضية يدافع عنها ويحيا لأجلها فعليه أن يفهمها جيدا من كل جوانبها
وأنا لم أحاول أن أتعرف الى القضية وأبعادها
لم أحاول أن أقترب أكثر وأقتحم الصورة الخارجية لألتحم بالدقائق والتفاصيل
لم أفكر يوما أن أرى القضية بمنظار أهلها كما كان يفعل ياسر مع قضية المحلة وغيرها حتى صار لسانا يدافع عنهم ويتحدث عن مشاكلهم
لم أعرف يوما غزة كما لم أعرف ياسر أبدا
اكتشاف جديد في شخصيتي يضاف الى البلاهة والغباء
وهو أنني آخذ الأمور بسطحية ولا أحاول البحث خلف الأشياء وداخل البشر
والآن
على إعادة بناء أسلوبي في التفكير من جديد وتصحيح طريقة نظرتي للأمور

كنت أعتقد أن تأثير أيمن أخي الوحيد على قد انتهى
لكن العجيب أنني أخذت بنصيحته هذه المرة
كلامه معي ليلة أمس أعاد الأمور الى رأسي بشكلها الصحيح وهو يطلب منى أن
أفكر جيدا قبل أن أتخذ أى قرار قد يحطم من حولي, فأنا لا أتبع أهوائي ولا
أجري خلف رغباتي مثله, ولن أقع في مثل خطؤه
كان وعده لي واضحا بأنه سيتخلى عن أنانيته وسيراعي مشاعر من حوله وبخاصة أنا
السيد أيمن مصر أن يدخن سيجارته في غرفتي رغم علمه التام بمدى كراهيتي لرائحة السجائر
عليك أن تفكري جيدا حتى لا تندمي فيما بعد
أظن أن هذا هو أكثر القرارات التي فكرت فيها جيدا قبل أن أفعلها
وخاصة بعد أن عرفت أن أخي العزيز الذي سيتخلى عن أنانيته ويرعى شئون أمه
وأخته يعد العدة لهجرة جديدة الى أوروبا يعوض بها فشله في المرة السابقة
لم يعد هناك أى تردد بداخلي
القضية محسومة لدي منذ زمن بعيد
وظن الآخرين في ونظرتهم الى لن تغير من حقيقة أن القضية هي قضية عمري
كما كانت قضية البوسنة والهرسك هي قضية أبي التي عاش لأجلها واعتقل بسببها وقضى في سبيلها
رؤيتي الآن أصبحت أوضح وأجلى , وما كان دور ياسر في حياتي الا أنه الحافز الذي منحنى الشجاعة والجرأة لأخوض مغامرة ستجر على المتاعب
ولأفتح بابا أدرك تماما أن ما خلفه سيضعني في مواقف صعبة قد لا أستطيع تحملها وحدي
كان ياسر هو الانسان الوحيد الذي استطاع كسر خوفي والأخذ بيدي نحو هذا الطريق الذي هو الآن طريق حياتي وعلى أن أقطعه وحدي
وعند الفجر...
كنت أنطلق بسيارتي مسرعة على طريق الاسماعيلية وقد هدأت نفسي تماما واستقرت نحو هذا الاختيار
ومهما اعتقد الناس جميعا وظنوا أنني أجري خلف رجل لم ينطق أبدا بكلمة حب لي, ولا أدري حقيقة إن كان يحبني أم لا
رجل لم يحدث بيني وبينه أى اتفاق أو ترتيب مسبق لأى شيء
فيكفيني ثقتي بأن الله وحده يعلم نيتي وما أسعى اليه
وحتى لو لم أراه مجددا
أو لم تلتقي الوجوه كما كان يقول لي فسأسير على خطاه ولو لم يكن موجود معي

وحتى لو كنت أخدع نفسي وأن ذهابي بالفعل هو من أجل رجل, فيكفي أن هذا الرجل هو ياسر
ومن أجله قد أفعل أى شيء
بل من أجل كل ما يمثله لي هذا الرجل من قيم ومبادئ وعقيدة ووطن
وحتى لو لم أستطع أن أتجاوز الحدود والأسوار
أو لو وصلت الى هناك ولم أجد له أى أثر على الاطلاق
وحتى لو لم أجد سوى قبره
فعلى أن أقطع هذا الطريق مهما حدث ويحدث وسيحدث

نهايه الجزء الأول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الابتسامة الشجاعة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كفراوي :: الأدب والروايات :: قسم النثر-
انتقل الى:  
المواضيع الأكثر نشاطاً
دعاء
ʂ₥ῖḼ϶ ツ
مود اعضاء كفراوي
صوره وتعليق
25 يناير.. لمن الكلمة اليوم؟
أشتغالااااااااااااات
ليك هنا رساله ملغومه واللبيب بالإشاره يفهم ...
اوجد الاختلافات بين الصورتين
انت لى!!!!!!!!!
انتصار الشعب التونسي .. والرئيس يغادر البلاد
أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
MaI - 2323
 
gege mosa - 2026
 
KoKY - 1883
 
remo nail - 1367
 
JASMEN - 1202
 
MiXoLoGY - 1038
 
abosherif - 452
 
HOoOoDA - 209
 
Nana Afify - 148
 
دودو951753 - 121
 
المواضيع الأخيرة
» أشتغالااااااااااااات
الخميس 21 يونيو 2012 - 19:00 من طرف DeroOo

» difference between thank you & thanks
الأربعاء 13 يونيو 2012 - 19:17 من طرف DeroOo

»  الفرق بين العشق والحب
الإثنين 11 يونيو 2012 - 20:36 من طرف DeroOo

»  احلى نكته
الإثنين 11 يونيو 2012 - 20:26 من طرف DeroOo

» الشهيد عاطف السادات
السبت 9 يونيو 2012 - 20:29 من طرف DeroOo

» دنيا سمير غانم تفرج عن صور خطوبتها
السبت 9 يونيو 2012 - 19:24 من طرف DeroOo

» تصويت بخصوص قسم للمشاكل
الأحد 3 يونيو 2012 - 13:42 من طرف DeroOo

» مود اعضاء كفراوي
الجمعة 1 يونيو 2012 - 12:40 من طرف DeroOo

» خمسين معلومة عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)
الجمعة 1 يونيو 2012 - 12:38 من طرف DeroOo

» اعقاد غريبه شويه
الخميس 31 مايو 2012 - 18:49 من طرف HaLa ElGheriany